أخبار العالمبحوث ودراسات

رؤية “ليبيا واحدة”: الأبعاد السياسية والاستراتيجية لزيارة هاكان فيدان إلى طرابلس وبنغازي

تندرج زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى ليبيا ضمن سياق سياسي وأمني يتسم باستمرار الانقسام المؤسساتي والسياسي بين شرق البلاد وغربها، وبقاء مسألة توحيد مؤسسات الدولة وإرساء تسوية سياسية شاملة من أبرز التحديات التي تواجه المسار الليبي.

وقد اكتسبت الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى برنامجها الذي شمل كلاً من العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي، بما يعكس توجهاً تركياً نحو التواصل مع مختلف مراكز القوة السياسية والعسكرية في ليبيا.

وتبرز أهمية هذه الزيارة، بصورة خاصة، في ضوء التحول النسبي في المقاربة التركية للملف الليبي. فبعد أن ارتبط الحضور التركي، خلال السنوات السابقة، بصورة أساسية بعلاقات وثيقة مع السلطات القائمة في غرب البلاد، تشير الزيارة إلى انفتاح متزايد على الفاعلين السياسيين والعسكريين في الشرق، ولا سيما المشير خليفة حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

ويطرح هذا التطور تساؤلات حول طبيعة الأهداف التي تقف وراء هذا الانفتاح، وما إذا كان يعكس تحولاً في الاستراتيجية التركية تجاه ليبيا، أم أنه يمثل امتداداً لسياسة تقوم على حماية المصالح التركية وتوسيع هامش المناورة الإقليمية

وفي هذا الإطار، تبرز عبارة “ليبيا واحدة” التي رافقت التحرك التركي باعتبارها مفهوماً سياسياً يستحق التحليل، لكونها تجمع بين خطاب دعم وحدة الدولة الليبية وبين جملة من الاعتبارات الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية المرتبطة بالمصالح التركية في شمال أفريقيا والبحر المتوسط.

السياق السياسي للزيارة

لا يمكن فهم زيارة فيدان بمعزل عن طبيعة الأزمة السياسية الليبية التي اتسمت، منذ عام 2011، بتعدد مراكز السلطة وتداخل الأدوار السياسية والعسكرية، الأمر الذي أدى إلى استمرار حالة الانقسام بين مؤسسات ومناطق النفوذ المختلفة.

وقد أصبح الانقسام بين غرب ليبيا وشرقها أحد أبرز مظاهر الأزمة، في ظل وجود حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس ومؤسسات وقوى سياسية وعسكرية منافسة في الشرق. كما أدى غياب التسوية السياسية النهائية وتأخر الانتخابات الوطنية إلى استمرار حالة عدم الاستقرار المؤسساتي.

في هذا السياق، تبدو زيارة وزير الخارجية التركي إلى الطرفين محاولة للتعامل مع الواقع السياسي الليبي كما هو، بدلاً من حصر العلاقات التركية في أحد أطراف المشهد. ويعكس الانتقال من طرابلس إلى بنغازي إدراكاً تركياً لأهمية التواصل مع القوى الفاعلة في شرق ليبيا باعتبارها طرفاً أساسياً في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بإعادة توحيد الدولة.

 دلالة الانتقال من طرابلس إلى بنغازي

تمثل بنغازي مركزاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً مهماً في شرق ليبيا، ولذلك فإن إدراجها ضمن برنامج الزيارة يحمل دلالة تتجاوز البعد البروتوكولي.

فلقاء فيدان بخليفة حفتر وعقيلة صالح وغيرهما من الشخصيات الفاعلة في شرق البلاد يعكس رغبة أنقرة في فتح قنوات اتصال مباشرة مع القوى التي تمتلك تأثيراً فعلياً على الأرض. ويمكن قراءة ذلك باعتباره محاولة لتوسيع شبكة العلاقات التركية في ليبيا بحيث لا تظل مرتبطة بمركز سياسي واحد

ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة بالنظر إلى التنافس الإقليمي والدولي حول ليبيا. فالتواصل مع الشرق يتيح لتركيا تعزيز قدرتها على التعامل مع التحولات السياسية المستقبلية، كما يمنحها هامشاً أكبر للمناورة في حال حدوث ترتيبات جديدة بشأن السلطة والمؤسسات الليبية.

ومن ثم، فإن الانفتاح التركي على بنغازي لا يعني بالضرورة التخلي عن العلاقات الاستراتيجية مع طرابلس، وإنما يمكن تفسيره باعتباره سعياً إلى بناء سياسة أكثر توازناً تجاه مراكز القوة المختلفة.

“ليبيا واحدة” بين الخطاب الدبلوماسي والحسابات الاستراتيجية

تشكل عبارة “ليبيا واحدة” أحد المفاتيح الأساسية لفهم الخطاب التركي خلال الزيارة. فمن الناحية الدبلوماسية، تعكس العبارة تأكيداً على وحدة الأراضي الليبية وضرورة إنهاء الانقسام المؤسساتي والسياسي.

غير أن تحليل هذا الخطاب في سياقه الإقليمي يكشف عن أبعاد إضافية. فدعم وحدة ليبيا يتوافق، من جهة، مع المبدأ المعلن للحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها، ولكنه يخدم، من جهة أخرى، المصالح التركية المرتبطة باستقرار البيئة الأمنية والاقتصادية في البلاد من أجل السيطرة والإستثمار في البلاد التي تحتاج الى إستثمارات كبرى وإعادة البناء.

وتحتاج تركيا، في هذا السياق، إلى التعامل مع ليبيا باعتبارها دولة ذات مؤسسات موحدة وقادرة على تنفيذ الاتفاقات الثنائية وضمان استمرارية التعاون الاقتصادي والأمني. ولذلك فإن توحيد المؤسسات الليبية يمكن أن يمثل، من منظور تركي، شرطاً مهماً لاستقرار المصالح التي طورتها أنقرة خلال السنوات الماضية.

وعليه، يمكن القول إن خطاب “ليبيا واحدة” يجمع بين البعد المعياري المرتبط بدعم وحدة الدولة، والبعد البراغماتي المرتبط بالمصالح الاستراتيجية التركية.

البعد الأمني والعسكري

يمثل التعاون الأمني والعسكري أحد المكونات الأساسية للعلاقات التركية الليبية. وقد تعزز هذا التعاون بصورة ملحوظة خلال السنوات الماضية، خصوصاً في غرب ليبيا.

ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية في ضوء استمرار الانقسام العسكري بين مناطق البلاد. ولذلك فإن التواصل التركي مع مختلف القوى الليبية يمكن أن يوفر لأنقرة إمكانية أكبر للتأثير في النقاشات المتعلقة بإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية وتوحيدها.

غير أن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة، نظراً إلى تعقيد البنية العسكرية الليبية وتعدد الفاعلين المسلحين واختلاف مصالحهم.

ومن هنا، فإن الدور التركي لا ينبغي اختزاله في تقديم الدعم العسكري أو الأمني، بل يمكن النظر إليه ضمن محاولة أوسع لبناء قنوات اتصال مع مختلف مراكز القوة، بما يسمح لأنقرة بالمشاركة في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

البعد الاقتصادي وإعادة الإعمار

إلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية، يحمل الانفتاح التركي على شرق ليبيا بعداً اقتصادياً واضحاً

فليبيا تمتلك موارد طبيعية مهمة، فضلاً عن احتياجات واسعة في مجالات البنية التحتية والطاقة والإعمار. وقد أدى استمرار الصراع إلى تضرر قطاعات واسعة من الاقتصاد والبنية الأساسية، الأمر الذي يجعل مرحلة الاستقرار السياسي المحتملة مرتبطة بعملية إعادة إعمار واسعة والمشاريع الكبرى.

وفي هذا السياق، يمثل توسيع العلاقات التركية مع شرق ليبيا فرصة أمام الشركات التركية للدخول في مشاريع جديدة، إلى جانب استمرار حضورها في غرب البلاد.

كما أن التواصل مع المؤسسات والشخصيات المرتبطة بملف إعادة الإعمار في الشرق يمكن أن يفتح المجال أمام تعاون اقتصادي يتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية للانقسام الليبي

وبذلك، فإن البعد الاقتصادي يشكل أحد العناصر التي تفسر سعي أنقرة إلى بناء علاقات أكثر شمولاً مع مختلف المناطق الليبية.

ليبيا في الاستراتيجية التركية للبحر المتوسط وشمال أفريقيا

لا يمكن فصل التحرك التركي في ليبيا عن الرؤية الأوسع لأنقرة تجاه البحر المتوسط وشمال أفريقيا

فالموقع الجغرافي لليبيا يمنحها أهمية استراتيجية في ملفات الطاقة والأمن والهجرة والتجارة، كما يجعلها نقطة تقاطع لمصالح عدد من القوى الإقليمية والدولية.

ومن هذا المنظور، تمثل ليبيا بالنسبة إلى تركيا أكثر من مجرد شريك ثنائي؛ فهي جزء من المجال الجيوسياسي الأوسع الذي تتحرك فيه أنقرة في شرق وجنوب المتوسط

كما أن تعزيز العلاقات مع مختلف الأطراف الليبية يسمح لتركيا بتثبيت موقعها ضمن التوازنات الإقليمية، خصوصاً في ظل وجود مصالح متنافسة لقوى مثل مصر والإمارات وروسيا ودول أوروبية والولايات المتحدة.

التحول في المقاربة التركية

يمكن اعتبار زيارة فيدان مؤشراً على تحول تدريجي في أسلوب إدارة تركيا لعلاقاتها مع ليبيا. فقد انتقلت أنقرة، على نحو متزايد، من التركيز على العلاقة مع السلطة في طرابلس إلى محاولة بناء شبكة أوسع من العلاقات تشمل القوى الموجودة في الشرق

ويعكس هذا التحول إدراكاً بأن أي تسوية سياسية مستدامة في ليبيا لا يمكن أن تتجاهل القوى المسيطرة على شرق البلاد

كما أن هذه المقاربة تمنح تركيا قدرة أكبر على التكيف مع أي تغيرات مستقبلية في موازين القوى الليبية، وتقلل من اعتماد سياستها على طرف واحد

ومن الناحية النظرية، يمكن وصف هذه المقاربة بأنها سياسة تحوط استراتيجي تقوم على الحفاظ على العلاقات القائمة، مع تطوير علاقات جديدة مع الأطراف المنافسة

حدود الدور التركي

على الرغم من أهمية التحرك التركي، فإن قدرة أنقرة على التأثير في مسار الأزمة الليبية تظل مرتبطة بعدد من القيود

أول هذه القيود يتمثل في تعقيد المشهد الداخلي الليبي، حيث لا يرتبط الانقسام فقط بالخلاف السياسي، بل يتداخل مع المصالح الاقتصادية والبنية العسكرية وتعدد مراكز النفوذ.

أما القيد الثاني فيتعلق بالتنافس الإقليمي والدولي. فليبيا تمثل ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى متعددة، وبالتالي فإن توسع الدور التركي قد يثير حسابات مقابلة لدى أطراف إقليمية ودولية أخرى

ويضاف إلى ذلك أن تحقيق «ليبيا واحدة» يتطلب توافقاً داخلياً حول قضايا جوهرية، من بينها شكل المؤسسات السياسية، والانتخابات، وتوزيع الموارد، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية

وبالتالي، فإن قدرة تركيا على لعب دور الوسيط ستظل مرتبطة بمدى قبول الأطراف الليبية والإقليمية بهذا الدور

تكشف زيارة هاكان فيدان إلى طرابلس وبنغازي عن توجه تركي نحو إعادة صياغة مقاربة أكثر شمولاً للملف الليبي. فالتواصل مع السلطات في غرب البلاد، بالتوازي مع الانفتاح على القوى السياسية والعسكرية في الشرق، يعكس محاولة للانتقال من سياسة ترتكز على علاقات محددة إلى سياسة تقوم على التواصل مع مختلف مراكز القوة

وتكتسب عبارة “ليبيا واحدة” في هذا السياق أهمية خاصة، إذ يمكن قراءتها على مستويين متداخلين:

1- الأول دبلوماسي يقوم على دعم وحدة الدولة الليبية وإنهاء الانقسام،

2- والثاني استراتيجي يرتبط بالمصالح التركية في مجالات الأمن والطاقة والتجارة وإعادة الإعمار والبحر المتوسط.

وعليه، لا يمكن تفسير الزيارة باعتبارها مجرد تحرك دبلوماسي منفصل، بل ينبغي وضعها ضمن عملية أوسع لإعادة تموضع تركيا داخل المشهد الليبي. فالتواصل مع الشرق لا يعني بالضرورة تراجع أهمية طرابلس بالنسبة إلى أنقرة، وإنما يعكس سعياً إلى امتلاك أدوات تأثير متعددة في دولة ما زالت تعاني من انقسام مؤسساتي وسياسي.

وفي النهاية، يبقى نجاح هذه المقاربة مرهوناً بقدرة الأطراف الليبية على التوصل إلى تسوية وطنية، وبمدى قدرة تركيا على تحقيق التوازن بين دورها المعلن كطرف داعم للحوار وبين مصالحها الاستراتيجية المباشرة في ليبيا والمنطقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق