تفكيك نتائج ودلالات قمة منظمة شنغهاي: بيشكيك – الذكرى 25 لتأسيس المنظمة

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 03-09-2026
المقدمة:
انعقدت الدورة السادسة والعشرون لمجلس رؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون في العاصمة القرغيزية “بيشكيك” خلال الفترة من 31 أغسطس إلى 1 سبتمبر 2026، برئاسة الرئيس القرغيزي صادر جباروف، وتحت شعار: “25 عاماً لمنظمة شنغهاي: معاً من أجل السلام المستدام والتنمية والازدهار”.
تكتسب هذه القمة أهمية استثنائية محورية؛ كونها تمثل محطة ربع قرن الذكرى الـ25 لتأسيس المنظمة، وتأتي ختاماً للدورة الرئاسية القرغيزية لعامي 2025-2026، بمشاركة قادة الأعضاء العشرة الدائمين بعد اكتمال انضمام بيلاروسيا وإيران إلى جانب الصين، روسيا، الهند، باكستان، ودول آسيا الوسطى)، إضافة إلى ممثلي مراقبين وشركاء الحوار الإقليميين.
تأتي هذه القمة في لحظة فارقة تتسم بتصاعد الاستقطاب الدولي وتبني واشنطن وحلفائها سياسات العقوبات الثانوية المكثفة ضد القوى الروسية والإيرانية. ويهدف هذا التقييم إلى تفكيك مخرجات “إعلان بيشكيك” والـ27 وثيقة المصاحبة له بعيداً، من اجل الوقوف على حقيقة الميكانيزمات الجيواقتصادية والأمنية الواقعية للكتلة، ومطابقة التصريحات المعلنة بحدود القدرة التنفيذية الميدانية، مع تحديد نقاط الانكسار والتناقضات البنيوية بين الأعضاء بدقة متناهية.
كما تأتي هذه الورقة التحليلية لتفكيك مخرجات القمة الأخيرة لمنظمة شنغهاي للتعاون بعيداً عن التغطيات الإعلامية والسرديات الدبلوماسية المعلنة. الهدف المباشر للتقرير هو تقديم تقييم موضوعي ومجرد لحقيقة التحولات في بنية المنظمة، ومطابقة التصريحات السياسية بالواقع الميداني، مع تحديد الحدود الفعلية لقدرة المنظمة على إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية في القارة الأوراسية.
لم تنتج القمة تحولاً في طبيعة منظمة شنغهاي إلى تحالف عسكري أو كتلة سياسية ملزمة. النتيجة الفعلية كانت تعزيز البنية المؤسسية والأمنية للمنظمة وتوسيع مجالات التعاون مع الإبقاء على طابعها غير التحالفي.
اعتمدت القمة 28 وثيقة، أهمها إعلان بيشكيك، وتعديل ميثاق المنظمة، وإنشاء/تنظيم المركز العالمي لمواجهة التحديات والتهديدات الأمنية ومركز مكافحة المخدرات. هذه هي أهم مخرجات القمة، وليس التصريحات السياسية الموجهة ضد النظام الدولي الغربي.
التقييم البنيوي: من أمن الحدود إلى “شبكة الحماية الإستراتيجية“
تظهر المعطيات التحليلية أن منظمة شنغهاي لم تعد مجرد آلية إقليمية لحل النزاعات الحدودية كما نشأت قبل 25 عاماً، بل تحولت وظيفياً إلى “نظام إدارة تحوط (Hedging Framework لجمع دول تسعى إلى تخفيف المخاطر المترتبة على الأحادية الغربية.
كما أظهرت القمة انتقال التعاون الأمني من التنسيق السياسي العام إلى محاولة بناء آليات دائمة.
وقد تمّ التفاهم على أن يكون المركز الأمني الجديد في طشقند، بينما يرتبط مركز مكافحة المخدرات بدوشنبه، مع تطوير آليات لمواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
هذه الخطوة تزيد القدرة المؤسسية للمنظمة، لكنها لا تعني إنشاء قيادة أمنية مشتركة أو قوة عسكرية مشتركة على الأقل في الوقت الحالي.
كما كان الملف الإيراني حاضراً بقوة في البيئة السياسية للقمة. وكان وزراء الخارجية قد أكدوا قبل القمة رفض الضربات العسكرية ضد إيران والدعوة إلى معالجة النزاعات بالوسائل السياسية والدبلوماسية.
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أكد في بيشكيك استعداد طهران للعودة إلى الالتزامات المتبادلة إذا التزمت الولايات المتحدة بالاتفاق المؤقت، وربط مسألة حرية الملاحة في مضيق هرمز بتنفيذ الالتزامات الأمريكية.
والخلاصة العامة من الملف الإيراني في القمة كان يعرب على موقف المنظمة تجاه إيران وهو دعم سياسي ودبلوماسي، وليس التزاماً عسكرياً. ولا توجد في نتائج القمة مؤشرات موثوقة على استعداد المنظمة للدخول في مواجهة عسكرية جماعية دفاعاً عن إيران.
وقد تحول مفهوم الأمن داخل المنظمة من مكافحة الجماعات المسلحة تقليدياً إلى بناء أمن استراتيجي سيبراني وتكنولوجي لمواجهة الاختراقات الخارجية وتأمين الممرات البرية المحورية.
توسع الكتلة وتأثير التعقيد
دخول بيلاروسيا وإيران رسمياً، إلى جانب الأعضاء الرئيسيين (الصين، روسيا، الهند، باكستان، ودول آسيا الوسطى)، أتاح توسعاً جغرافياً يمتد من أوروبا الشرقية إلى جنوب آسيا. إلا أن هذا التوسع زاد من التباين الداخلي وأضعف القدرة على اتخاذ قرارات سياسية أو عسكرية حاسمة بالإجماع.
صيغة SCO Plus ضمت دولاً ومؤسسات إضافية، بينها تركيا ومصر وأذربيجان وأرمينيا ولاوس وفيتنام وتوغو، إضافة إلى الأمم المتحدة ورابطة الدول المستقلة ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي وغيرها.
وفي 2 سبتمبر، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن تركيا يمكن أن تبحث في رفع مستوى علاقتها بالمنظمة وصولاً إلى العضوية الكاملة، مع التأكيد على استمرار علاقاتها مع الناتو والغرب.
التوسع الخارجي هو المؤشر الأكثر أهمية للمستقبل. وإذا تحولت تركيا من شريك حوار إلى عضو كامل، فسيكون لذلك وزن جيوسياسي أكبر بكثير من إضافة أعضاء صغار.
التحليل الجيو-اقتصادي: ميكانيزمات المقاومة المالية وسقوفها
القمة ناقشت التجارة والاستثمار والطاقة والصناعة والتكنولوجيا، لكنها الى اليوم وحتى على المدى القريب لم تنتج نظاماً مالياً بديلاً للنظام الغربي.
والأهم أن فكرة إنشاء بنك تنمية للمنظمة لم تتحول إلى اتفاق نهائي في بيشكيك؛ بل تقرر مواصلة المشاورات بهدف الوصول إلى وثيقة تأسيسية لاحقا.
هناك اتجاه حقيقي نحو زيادة الاستقلال الاقتصادي، لكن الحديث عن نشوء منظومة مالية بديلة مكتملة مبكر وغير مدعوم بالنتائج الحالية.
كما تفصح القرارات الاقتصادية للقمة عن استراتيجية واقعية تعتمد المزاوجة بين المرونة والحدود الصلبة:
نقاط النجاح العملياتي “التكيّف مع العقوبات“
المقاصة بالعملات الوطنية: نجحت دول المنظمة في رفع نسبة المعاملات التجارية البينية بالعملات المحلية (الرينمينبي، الروبل، البيز، والرو بية)، مما خلق بيئة تجارية محمية جزئياً من طائلة العقوبات الثانوية الغربية ومنعزل نسبياً عن نظام “سويفت” (SWIFT).
- تأمين سلاسل الإمداد البرية:
تسريع الربط اللوجستي بين مبادرة “الحزام والطريق” الصينية والممرات الروسية-الوسط آسيوية خلق واقعاً جغرافياً صلباً يصعب تعطيله عبر القوة البحرية للدول الغربية.
- الحدود الهيكلية ما لا تستطيع المنظمة تحقيقه
لا تمتلك المنظمة مقومات إنشاء “عملة موحدة” أو بنك مركزي مشترك نظراً للفوارق الشاسعة في حجم الاقتصاد الصيني مقارنة ببقية الأعضاء، ورفض الهند ودول آسيا الوسطى لأي هيمنة نقدية صينية مطلقة.
الدول المؤثرة في قمة منظمة شنغهاي
-
جمهورية الصين الشعبية
الصين دفعت باتجاه تثبيت مفهوم النظام الدولي متعدد الأقطاب وتعزيز دور الجنوب العالمي وإصلاح الحوكمة الدولية، مع التأكيد على الدور المركزي للأمم المتحدة.
الهدف الصيني لا يبدو إنشاء تحالف مضاد للولايات المتحدة، وإنما توسيع المجال الدولي الذي تستطيع بكين التأثير فيه وتقليل احتكار المؤسسات الغربية لعملية وضع القواعد.
روسيا الفيدرالية
موسكو استفادت سياسياً من انعقاد القمة في ظل استمرار الحرب الأوكرانية والتوتر مع الغرب، ومن استمرار مشاركتها الكاملة في المنظمة.
لكن وجود خلافات بين روسيا والهند، وبين الصين والهند، يجعل توصيف المنظمة كأداة روسية غير دقيق.
المكسب الروسي الأساسي هو منع العزلة الاستراتيجية والحفاظ على المجال الأوراسي مفتوحاً أمام موسكو، وليس فرض أجندة روسية موحدة على أعضاء المنظمة.
الهند
الهند تمثل أهم عامل يحد من تحول المنظمة إلى كتلة صينية-روسية. عضوية الهند، مع استمرار شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وخلافاتها مع الصين وباكستان، تجعل المنظمة إطاراً للموازنة وليس تحالفاً متجانساً. كما دفعت الهند باتجاه مكافحة الإرهاب وتعزيز الاتصال واحترام السيادة.
وجود الهند داخل المنظمة يمنع عملياً تحولها في المدى القريب إلى كتلة جيوسياسية صلبة ضد الغرب.
اختلافات أعضاء منظمة شنغهاي
- الفرامل الهندية (India Factor): تمارس نيودلهي دور “الكابح الداخلي”؛ حيث ترتبط بشراكات أمنية مع الغرب مثل حلف Quad وتخوض نزاعاً حدودياً وسياسياً مع الصين. يضمن هذا الموقف عدم صبغ المنظمة بصيغة “تحالف عسكري مناهض للغرب”.
- التنافس الصيني – الروسي الضمني: بالرغم من تقارب المصالح الحالي، تظل موسكو حذرة من التمدد الاقتصادي الصيني المتزايد في آسيا الوسطى “حديقتها الخلفية التاريخية”، بينما ترفض بكين الانجرار خلف الراديكالية الروسية كاملةً لتجنب إغلاق الأسواق الغربية أمامها.
- تحوط آسيا الوسطى: دول مثل كازاخستان وأوزبكستان تستغل مظلة المنظمة لتحقيق أمنها ومكاسبها الاستثمارية، لكنها تبقي على قنوات دبلوماسية مفتوحة مع واشنطن والاتحاد الأوروبي لمنع الخضوع للنفوذ الثنائي “الصيني-الروسي”.
الخلاصات والتقدير المستقبلي
- طبيعة التكتل: منظمة شنغهاي هي “منتدى جيواقتصادي وأمني براغماتي”، وليست “ناتو شرقي”. قدرتها التنفيذية محصورة في المصالح المتقاطعة (التجارة، منع الفوضى، وتخفيف أثر العقوبات)، وتفشل فور اقترابها من المواجهة العسكرية المباشرة أو التكتل السياسي الأيديولوجي.
- المسار الممتد: تشير المؤشرات إلى استمرار انزياح المركز الثقل التجاري واللوجستي نحو أوراسيا، مما يعقد سياسات الضغط الغربية، ولكنه لن يؤدي في المدى القريب إلى انهيار المنظومة المالية العالمية الغربية، بل إلى نشوء نظام مالي إقليمي مزدوج يعمل بالموازاة معها.
التقدير النهائي
المؤشرات الفعلية تشير إلى ثلاثة مسارات متوازية:
1- أمنياً: بناء مؤسسات وآليات تعاون دائمة.
2- سياسياً: دعم التعددية القطبية ورفض الهيمنة الأحادية.
3- اقتصادياً: محاولة زيادة الاعتماد المتبادل بين أعضاء المنظمة، دون الوصول بعد إلى منظومة اقتصادية مستقلة عن الغرب.
نقطة القوة: اتساع المنظمة وتنوع أدواتها ووجود الصين وروسيا والهند وإيران داخل إطار واحد.
نقطة الضعف: التناقضات بين أعضائها، خصوصاً الصين–الهند والهند–باكستان، وعدم وجود التزام دفاعي جماعي.
منظمة شنغهاي تتجه إلى أن تصبح منصة تنسيق أوراسية متعددة المجالات، وليس تحالفاً عسكرياً. نجاحها المستقبلي سيتوقف على قدرتها على تحويل القرارات المؤسسية التي اتخذت في بيشكيك إلى آليات تنفيذية فعلية، وعلى قدرتها على إدارة التناقضات بين أعضائها.
أهم مؤشر يجب متابعته خلال 2027:
ليس التصريحات المناهضة للغرب، وإنما هل ستنجح المنظمة في إنشاء أدوات مالية واقتصادية وأمنية مستقلة قابلة للعمل والتفعيل؟
إذا حدث ذلك، فسيكون تأثير القمة استراتيجياً؛ أما إذا بقيت القرارات في إطار البيانات والمراكز غير الفعالة، فسيظل تأثيرها السياسي أكبر من تأثيرها العملي. .



