افاق الحرب السيناريوهات المستقبلية للحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل دراسة استشرافية

إعداد/ الدكتور حسين سليمان رداد: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 20-04-2026
الملخص
تهدف هذه الورقة إلى تحليل السيناريوهات المحتملة لنهاية الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، باستخدام منهج السيناريوهات والتحليل الاستراتيجي، تنطلق الورقة البحثية من افتراض أن طبيعة الحروب الحديثة، خاصة في الشرق الأوسط، لم تعد ت حسم عسكرياً بشكل كامل، بل تتجه نحو تسويات مركبة أو استنزاف طويل الأمد، تناقش الورقة البحثية ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
سيناريو التسوية “رابح–رابح”، سيناريو إخضاع إيران، وسيناريو صمود إيران وفشل تحقيق الأهداف الأمريكية والاسرائيلية، وتخلص إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو الاستنزاف المتبادل الذي ينتهي بتسوية جزئية، وعدم اغلاق الملف بشكل نهائي، كما تبحث الدراسة في تداعيات هذه السيناريوهات على النظام الإقليمي والقضية الفلسطينية، وتقدم مجموعة من التوصيات لصناع القرار العربي والفلسطيني.
الكلمات المفتاحية:
السيناريوهات الاستراتيجية للصراع، الحروب الهجينة والاستنزاف، مضيق هرمز والتوازنات الإقليمية، الصراع الأمريكي–الإيراني، تداعيات الصراع على القضية الفلسطينية.
——————————————
التقديم:
يشهد النظام الدولي تحولات عميقة في طبيعة الصراعات المسلحة، حيث لم تعد الحروب التقليدية القائمة على الحسم العسكري السريع هي النمط السائد، بل برزت الحروب الهجينة التي تجمع بين القوة العسكرية المباشرة والحروب غير المتماثلة، بالإضافة إلى الأدوات الاقتصادية والسيبرانية والاعلامية خاصة في زمن الذكاء الاصطناعي وفي زمن الترامبية والتي لم يصعب فيها استشراف الخطوة التالية ، وفي هذا السياق، اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أحد أكثرالمقاربات التي تم تعزز هذا النموذج من الحروب الأكثر تعقيداً وخطورة في البيئة الاستراتيجية، فالحرب وان بدت وكأنها بين طرفي احدهما الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى، الا ان حقيقة الامر ينخرط بها كثير من الاطراف من الدول وغير الدول.
تكمن أهمية هذه الورقة في تحليل مآلات هذه الحرب المحتملة، في ضوء تعقيدات تلك البيئة الامنية، وتعدد الفاعلين من الدول وغير الدول، وتشابك المصالح الدولية، كما تسعى إلى استشراف تأثير تلك السيناريوهات على القضية الفلسطينية التي تعد من أكثر القضايا تأثراً بإعادة تشكيل منطقة الارتطام الجيوبولتيكي وتركيز التوازنات الإقليمية، بناء على نتائج هذه المواجهة والتي يمكن تصنيفها على انها مواجهة بين الحروب.
تتمثل إشكالية الدراسة في حجم الاكلاف التي يتعين على الدولة العربية عموما ومنها الخليجية والتداعيات على القضية الفلسطينية والتي بات من المسلمات ان نتائج التوترات والازمات الاقليمية غالبا ما تنعكس سلبا على هذه القضية، حيث تتمحور الدراسة في الإجابة عن السؤال الرئيسي :ما السيناريوهات المحتملة لنهاية الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل اليوم التالي، وانعكاسات اعادة التوازنات الإقليمية على القضية الفلسطينية؟
حيث ان محددات كل سيناريو والعوامل التي ترجح سيناريو على آخر والتداعيات الجيوسياسية لكل سيناريو، هي تساؤلات تعزز احد تلك السيناريوهات المستقبلية.
النظريات المؤطرة للمواجهة الامريكية الاسرائيلية الايرانية
في ظل المدرسة الترامبية المرتبطة بنهج دونالد ترامب والتي اضحت تأخذ مقاربة براغماتية-شعبوية تمزج بين الضغط الأقصى والردع الانتقائي، دون التزام صارم بأطر مؤسسية أو تحالفات تقليدية بخلاف الواقعية في العلاقات الدولية التي تركز على توازن القوى، أو الليبرالية التي تعلي من شأن المؤسسات والتي تميل إلى مبدأ تجاري يقوم على عقد صفقات مباشرة واستخدام القوة الاقتصادية والعسكرية بشكل مرن، حيث تمثل النظرية الواقعية الجديدة التي تؤكد على توازن القوى، ونظرية الردع، إضافة إلى مفاهيم الحرب غير المتماثلة، وتشير هذه الأدبيات إلى أن القوى الكبرى غالباً ما تواجه صعوبات في تحقيق نصر حاسم ضد خصوم يستخدمون استراتيجيات الاستنزاف.
مواجهة في اطار الصراع توظيف المصطلح
لا يمكن اغفال تعمد كل من الولايات المتحدة الامريكية وايران على عدم الاتفاق على مسمى لتلك المواجهة فالمصطلح يعكس رغبة كلا الطرفين في إدارة الصراع وليس تفجيره وإظهار القوة مع إبقاء الباب مفتوحًا للسياسة والدبلوماسية، فمنذ اليوم الاول رفض دونالد ترامب تسمية ما يحدث مع إيران بـ”حرب” واستخدامه مصطلح “عملية عسكرية” ليس مجرد اختيار لغوي، بل يحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية متعددة، حيث ان هذه التسمية تعني تجنّب الالتزامات القانونية والدستورية؛ فاعلان “حرب” رسميًا في الولايات المتحدة يرتبط بإجراءات دستورية معقدة وموافقة الكونغرس؛ بينما عملية عسكرية تمنح الرئيس هامشًا أوسع للتحرك دون قيود كبيرة وتقليل التصعيد السياسي والدولي؛ فمصطلح “حرب” يوحي بصراع شامل ومفتوح، ما قد يدفع أطرافًا دولية أخرى للتدخل؛ أما “عملية عسكرية” في فهم على أنها محدودة ومضبوطة، وإدارة الرأي العام الأمريكي ففي الولايات المتحدة الامريكية تنتمي للنظم الديموقراطية والتي تراعي ما يتم تداولة الاعلام الجديد والحديث الشارع الأمريكي الذي أصبح أكثر حساسية تجاه الحروب طويلة الأمد مثل العراق وأفغانستان، بالمحصلة فاستخدام مصطلح أخف يقلل من المخاوف الشعبية، والحفاظ على إمكانية التراجع، فعندما تسمى “عملية”، يمكن وقفها أو تعديلها بسهولة دون الإحراج السياسي الذي يرافق إنهاء “حرب”، ورسالة ردع دون الانزلاق لحرب شاملة؛ فترامب غالبًا ما يعتمد سياسة “الضغط الأقصى” على إيران، فيريد إظهار القوة دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة واسعة، وهناك هدف اخر للتخفيف بالمصطلح يأخذ بعين الاعتبار التحالفات الإقليمية خاصة الدولة الخليجية التي تصدر النفظ والتي تستضيف القواعد الامريكية فوصفها بـ”حرب” قد يحرج حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة أو يجبرهم على اتخاذ مواقف حادة، بينما “عملية” تترك لهم هامشًا للمناورة.
بالنسبة لايران فانها تتفق مع الولايات المتحدة الامريكية على عدم تسمية هذه الجولة بالحرب ولكنها لا تتفق معها في تسمياتها خدمة لسرديتها المنطلقة من حالة الاستقطاب على انها مركز محور المقاومة والمواجهة مع الاستكبار وهذه الجولة هي جزء من الصراع مع قوى الاستكبار العالمي في إشارة خاصة إلى الولايات المتحدة، وتضعه ضمن إطار أوسع تقود الى حرب غير مباشرة أو حرب بالوكالة عن الأمة وتعترف ضمنيًا أن المواجهة ليست تقليدية مباشرة، بل عبر حلفاء إقليميين لذلك تقدَّم كـصراع ممتد وليس حربًا كلاسيكية بين دولتين، فهي اقرب الى حرب هجينة أو حرب مركبة تأتي في اطار الدفاع عن النفس ردّا على تهديدات خارجية وحماية لأمنها القومي خصوصًا فيما يتعلق بوجودها أو نفوذها الإقليمي.
السيناريوهات المستقبلية لليوم التالي لجولة الحرب
في ظل المفاوضات يظهر مضيق هرمز كعامل محدد وورقة ضغط ويبدو ان هذا العامل بالاضافة الى المساعي لتثبيت وقف الحرب في لبنان والملف النووي هي محددات رئيسية في رسم ملامح السيناريوهات المستقبلية وهي ايضا من ترجح احد هذه السيناريوهات، حيث تتبلور سيناريوهات الصراع بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهه وإيران من جهة اخرى بين الحسم العسكري أو الاستنزاف، مع ترجيح تسوية جزئية بفعل توازن الردع وكلفة المواجهة.
السيناريو الأول: “رابح–رابح” عبر المفاوضات التسوية السياسية المرجح
ملامح هذا السيناريو اتفاق جديد حول البرنامج النووي، والذي بدأ الحديث عن نقل كمية اليورانيوم الى بلد محايد والخلاف اصبح حول المدة الزمنية التي ستلتزم ايران بعدم التخصيب فالولايات المتحدة طالبت ايران خلال المفاوضات الاخيرة في الباكستان ان على ايران الالتزام بعدم التخصيب 20 عاما، بينما ايران طالبت بأن تكون 5 سنوات، كما ان هناك طرح امريكي ستقوم بالرفع التدريجي للعقوبات المفروضة على ايران، بينما قدمت الويالايات المتحدة عرضا بإدماج ايران ضمن ترتيبات اقليمية وادماجها ايضا في الاقتصاد العالمي والافراج عن اموالها المجمدة، فوفق هذا السيناريو يدرك الأطراف الاستحقاقات التي يتعين على اطراف دفعها كلفة للحرب، خاصة في ظل الترابط الاقتصادي العالمي.
كما يتوافق مع توجهات أمريكية لتقليل الانخراط العسكري المباشر؛ ففي حالة تحقق مثل هكذا سيناريو فان تداعياته على القضية الفلسطينية ستؤدي الى تراجع القضية الفلسطينية حتى لو ادى ذلك الى الاستقرار النسبي والتطبيع الذي قد يصل الى اتفاقية عدم اعتداء بين ايران واسرائيل.
السيناريو الثاني: أمريكا رابح – إيران خاسر
هذا يعني استئناف العمليات القتالية لتدمير البرنامج النووي واستمرار حصار مضيق هرمز والذي كان يدر اكثر من 435 مليون دولار يوميا مما يسارع بانهيار الاقتصاد الايراني والذي سيؤدي الى تقليص نفوذها الإقليمي مما ينعكس على حلفاءها واذرعها في المنقطة، ورغم التفوق العسكري الأمريكي، إلا أن هذا السيناريو يواجه تحديات تتعلق بالجغرافيا الإيرانية وتعقيد بنيتها السياسية والعسكرية ؛ مفن شأن تحقق هذا السيناريو يمكن ان تنشأ جملة من التداعيات والتي يمكن تصنيفها على انها اقل السيناريو تتمثل هيمنة أمريكية–إسرائيلية وتراجع اذرع ايران ويخفف الضغوط على الفلسطينيين.
السيناريو الثالث: إيران رابح – أمريكا خاسرة
ملامح هذا السيناريو فشل الحسم العسكري؛ فعدم تحقيق كل الاهداف التي وضعتها امريكا واسرائيل للعملية العسكرية واطالة امد الحرب واستمرار الاستنزاف وتعاظم دور الوكلاء والاذرع الايرانية في اليمن ولبنان وتقاطعه مع تجارب فشل القوى الكبرى في الحروب غير المتكافئة، كما في العراق وأفغانستان، سيجعل من هذا السيناريو الافضل لإيران واذرعها، حيث سيعمل تراجع هيمنة امريكا وعدم تشكيل موازين قوى اقليمية وفق الرؤية الاسرائيلية ستؤدي الى تعزيز النفوذ الإيراني وتصاعد دور اذرع ايران في الساحة الفلسطينية وعلى المستوى الايدلوجي وان كان تفوق ايران المذهبية فليس من المتوقع ان يؤدي إلى “تحول مذهبي شامل”، بل إلى إعادة تشكيل المجال الأيديولوجي عبر تعزيز سرديات ايديولوجية لها علاقة بحروب اخر الزمان وإعادة توزيع الشرعية الرمزية في المنطقة.
تشير المعطيات وتحليل السيناريوهات اعلاه إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو الاستنزاف المتبادل، الذي ينتهي بتسوية جزئية، نتيجة ارتفاع كلفة الحرب وتوازن الردع والضغوط الداخلية في البيئة الامريكية والاسرائيلية والايرانية، والدول الاقليمية خاصة الخليجية.
الخاتمة
في المحصلة، تكشف هذه الورقة البحثية أن تفاعلات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل محكومة بمنطق مركّب يتجاوز الحسم العسكري التقليدي نحو ديناميات الاستنزاف وإدارة الصراع؛ فرغم تباين السيناريوهات بين تسوية سياسية، أو تفوق أحد الأطراف، إلا أن كلفة الحرب وتعقيد البيئة الإقليمية وتعدد الفاعلين تجعل من سيناريو الاستنزاف المتبادل الأقرب للتحقق، بما يفضي إلى تسوية جزئية لا تنهي جذور الأزمة؛ وفي هذا السياق، يظل مضيق هرمز وملف وقف التصعيد في لبنان كنموذج متقدم وواضح لربط الوكيل بوكيله والبرنامج النووي الإيراني محددات حاسمة في تشكيل مآلات الصراع، أما على مستوى القضية الفلسطينية، فتتباين التداعيات بين فرص تخفيف الضغط أو تعاظم أدوار الفاعلين الإقليميين، لكنها في جميع الحالات تبقى رهينة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، ما يستدعي تبني مقاربات عربية وفلسطينية أكثر فاعلية تقوم على إدارة المخاطر وتعظيم الفرص ضمن بيئة استراتيجية شديدة السيولة.
التوصيات
- تبنّي مقاربة عربية قائمة على إدارة التوازنات بدل الاصطفاف الحاد بين الولايات المتحدة وإيران، بما يقلل كلفة الانخراط ويحافظ على هامش المناورة الاستراتيجية.
- تفعيل الدبلوماسية العربية الجماعية لربط أي تسوية إقليمية خصوصًا حول مضيق هرمز ولبنان بإدراج القضية الفلسطينية ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.
- تعزيز الجبهة الفلسطينية داخليًا عبر تحقيق وحدة سياسية وبرنامج وطني يقلل من توظيف القضية ضمن صراعات المحاور.
- تطوير أدوات القوة الناعمة والاقتصادية والإعلامية العربية–الفلسطينية لمواكبة طبيعة الحروب الهجينة والتأثير في الرأي العام الدولي.
- الاستعداد لسيناريو الاستنزاف عبر بناء استراتيجيات مرنة لإدارة المخاطر، بما يشمل الأمن الاقتصادي والغذائي وتقليل الاعتماد على بيئات الصراع.
المراجع
– مركز الجزيرة للدراسات، الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران: سياسة الضغط الأقصى، عبر الرابط الالكتروني: https://n9.cl/64pjv
– المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات .تقديرات موقف حول الصراع الأمريكي– الإيراني، الموقع الالكتروني للمركز العربي: https://n9.cl/xgjye
– مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية .السياسة الإيرانية في الخليج العربي.
– مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية .أمن مضيق هرمز والتوازنات الدولية، للاطلاع عبر الرابط الالكترونيhttps://n9.cl/samaf:
– مؤسسة الدراسات الفلسطينية .انعكاسات الصراعات الإقليمية على القضية الفلسطينية، الموقع الالكتروني لمؤسسة الدراسات الفلسطينية: https://n9.cl/qs6gn
– المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية )مسارات ).تأثير المحاور الإقليمية على القرار الفلسطيني، للاطلاع عبر الرابط الالكتروني :
. https://n9.cl/i8sidk Biddle, S. (2004). Military power: Explaining victory and defeat in –
الموقع الالكتروني جامعة
modern battle. Princeton University Press.
https://n9.cl/one5a : برنكتون
Cordesman, A. H. (2020). Iran’s military forces and warfighting –
CSIS. capabilities. ، انظر الرابط الالكتروني للمركز الاستراتيجي للدراسات
https://n9.cl/frlb2 :الرابط
. CSIS الاستراتيجية
Waltz, K. N. (1979). Theory of international politics. McGraw-Hill. –
للاطلاع على المصدر عبر الرابط الالكتروني لمكتبة الانترنت :
https://n9.cl/bmvu7z
– ندوة نظمها معهد فلسطين لأبحاث الامن القومي بعنوان: الخيارات العربية في ظل الحرب الامريكية الاسرائيلية ضد ايران بتاريخ 2026/4/6 عبر مايكرو سوفت تيمز)
———-
المصدر:
افاق الحرب السيناريوهات المستقبلية للحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل دراسة استشرافية
إعداد/ الدكتور حسين سليمان رداد: مدير وحدة الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية بمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي



