اتفاقيات أبراهام أمام اختبار الواقع: لماذا فشل ترامب في توسيع دائرة التطبيع؟

قسم البحوث والدراسات الاستراتيجية 30-05-2026
يكشف تعثر المساعي الأميركية الرامية إلى توسيع اتفاقيات أبراهام خلال المفاوضات الجارية مع إيران لإنهاء الحرب عن تحولات مهمة في البيئة السياسية الإقليمية، ويطرح تساؤلات جدية حول حدود القدرة الأميركية على فرض أولوياتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط. فالمشروع الذي جرى تقديمه خلال السنوات الماضية باعتباره مدخلاً لإعادة تشكيل المنطقة ودمج كيان الاحتلال في محيطه العربي والإسلامي يواجه اليوم واقعاً مختلفاً عمّا كان عليه عند توقيع الاتفاقيات الأولى عام 2020.
تعكس محاولة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إدراج ملف التطبيع ضمن سياق التفاهمات مع إيران قناعة راسخة لدى دوائر مؤثرة في واشنطن وتل أبيب بأن توسيع اتفاقيات أبراهام يشكل أحد أهم المكاسب السياسية والاستراتيجية الممكن تحقيقها في المرحلة الحالية. غير أن ردود الفعل الإقليمية أظهرت أن العديد من الدول المعنية لا تنظر إلى هذا الملف من الزاوية ذاتها، ولا تعتبره أولوية في ظل المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الأخيرين.
يتمثل أحد أبرز العوامل التي حدّت من فاعلية الضغوط الأميركية في الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة. فمنذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، عادت القضية الفلسطينية إلى موقع متقدم في الوعي السياسي والشعبي العربي. غيّر هذا التطور الكثير من الحسابات التي سادت خلال السنوات السابقة، عندما ساد اعتقاد داخل بعض الأوساط الأميركية والإسرائيلية بأن التطبيع يمكن أن يتقدم بمعزل عن الملف الفلسطيني.
كما أعادت التطورات الميدانية والإنسانية المرتبطة بالحرب ربط أي حديث عن العلاقات العربية الإسرائيلية بالسؤال الفلسطيني. لذلك أصبحت الحكومات العربية أكثر حذراً في التعامل مع مشاريع التطبيع الجديدة، ليس فقط بسبب الاعتبارات الشعبية، وإنما أيضاً نتيجة إدراك متزايد بأن تجاهل القضية الفلسطينية لم يؤد إلى تجاوزها، وأن محاولات تهميشها لم تنتج استقراراً سياسياً أو أمنياً في المنطقة.
يمكن تقديم الموقف السعودي كمثال واضح هنا، فرغم أهمية العلاقات السعودية الأميركية، ورغم المصالح المشتركة بين الرياض وواشنطن، ما زالت المملكة تربط أي مسار تطبيعي بقيام دولة فلسطينية مستقلة ضمن إطار سياسي واضح. لذلك وضعت هذه المقاربة سقفاً مرتفعاً أمام الطروحات الأميركية، خاصة في ظل رفض الحكومات الإسرائيلية تقديم التزامات تتعلق بتسوية سياسية شاملة.
كما أن بعض الدول الإسلامية أظهرت مواقف أكثر صراحة تجاه الضغوط الأميركية. فقد جاء الموقف الباكستاني الرافض للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام ليؤكد أن فكرة التوسع التلقائي للاتفاقيات لا تستند إلى معطيات واقعية. فلكل دولة حساباتها الداخلية والخارجية، كما أن التطبيع لم يتحول إلى خيار إجماعي داخل العالمين العربي والإسلامي كما كانت تتوقع بعض مراكز القرار في واشنطن.
ومن زاوية أخرى، تكشف هذه التطورات حدود الرهان على اتفاقيات أبراهام كأداة لإقامة تحالف إقليمي واسع في مواجهة إيران. فالدول العربية باتت تنظر إلى علاقاتها الإقليمية من منظور أكثر تعقيداً مما تفترضه المقاربات الأميركية التقليدية. حيث تبنت العديد من العواصم الخليجية، على سبيل المثال، خلال السنوات الأخيرة سياسات تقوم على خفض التوترات الإقليمية وفتح قنوات الحوار مع مختلف الأطراف، بما فيها طهران، انطلاقاً من اعتبارات تتعلق بالأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية.
جعل هذا التحول فكرة بناء اصطفاف إقليمي حاد أقل جاذبية مقارنة بالمراحل السابقة. كما أن التجارب التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين دفعت العديد من الدول إلى إعطاء الأولوية لتجنب الصراعات المفتوحة وتقليص المخاطر الأمنية والاقتصادية المرتبطة بها.
في حين لا تكمن الأهمية الحقيقية لما يحدث اليوم فقط في تعثر مساعي توسيع اتفاقيات أبراهام، وإنما في المؤشرات السياسية التي يكشفها هذا التعثر أيضاً. فالشرق الأوسط الذي سعت الولايات المتحدة إلى تشكيله عبر منظومة من التحالفات والترتيبات الأمنية يشهد تغيرات متسارعة، فيما أصبحت الدول الإقليمية أكثر تمسكاً بحساباتها الوطنية وأقل استعداداً للانخراط في مشاريع لا تتوافق مع أولوياتها المباشرة.
لهذا السبب يواجه مشروع التطبيع مرحلة مراجعة فعلية، فالاندماج الإقليمي الذي تصورت واشنطن أنه سيتوسع بصورة تلقائية بعد توقيع الاتفاقيات الأولى اصطدم بجملة من الوقائع السياسية والاستراتيجية. وفي مقدمتها استمرار الصراع الفلسطيني، وتبدل أولويات الدول العربية، وتراجع القدرة الأميركية على فرض أجندة موحدة، وأكثر حرصاً على صياغة توازناتها وفق مصالحها الخاصة، وهو الأمر الذي دفعت به الحرب الاسرائيلية الاميركية على إيران دفعاً قوياً.
المصدر موقع الخنادق



