أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

الثعلب المكار 

على مرّ العصور، أثبتت سلطنة عُمان أنها دولة تمتلك رؤية سياسية متزنة تستند إلى الحكمة والاعتدال واحترام سيادة الدول. فمنذ فجر نهضتها الحديثة، اختارت طريق الحوار بدل الصدام، والتفاهم بدل المواجهة، والسلام بدل النزاعات. ولم يكن هذا النهج وليد الظروف أو المصالح المؤقتة، بل هو امتداد لإرث حضاري عريق جعل من عُمان واحة للاستقرار وجسرًا للتواصل بين الشعوب والثقافات.

لقد نجحت السلطنة في ترسيخ مكانتها الدولية عبر سياسة خارجية متوازنة، أكسبتها احترام العالم وثقة الأطراف المتخاصمة على حد سواء. وكانت مسقط في كثير من المحطات التاريخية منصة للحوار ومركزًا للمبادرات الهادفة إلى تقريب وجهات النظر وحل النزاعات بالطرق السلمية. ولهذا لم يكن مستغربًا أن تحظى السلطنة بتقدير قادة العالم وأن تُنظر إليها بوصفها صوتًا للعقل في زمن تتصاعد فيه الأزمات والتوترات.

غير أن الساحة الدولية شهدت خلال السنوات الأخيرة صعود نماذج سياسية مختلفة، تقوم على منطق الصفقات والمكاسب السريعة أكثر من اعتمادها على المبادئ والقيم التي تأسست عليها العلاقات الدولية الحديثة. وقد برز هذا التوجه بصورة واضحة خلال فترة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أثارت سياساته الكثير من الجدل داخل الولايات المتحدة وخارجها، بسبب نهجه القائم على الضغوط الاقتصادية والسياسية، وإعادة النظر في العديد من الاتفاقيات والتحالفات الدولية.

ولا شك أن الشعب الأمريكي شعب كبير وله إسهاماته الحضارية والعلمية والاقتصادية التي لا يمكن إنكارها، كما أن تقييم سياسات أي رئيس لا يعني الحكم على شعب بأكمله. إلا أن ما يثير القلق هو عندما تتحول العلاقات بين الدول إلى مجرد حسابات مالية، وتصبح المصالح الضيقة هي المحرك الأساسي للقرارات السياسية، متجاهلةً الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية والاستقرار الدولي.

في الأدب الشعبي، يرمز “الثعلب المكار” إلى الشخصية التي تعتمد على الدهاء لتحقيق أهدافها، وتُخفي نواياها خلف عبارات جذابة ووعود براقة. وهذا الوصف يجد صداه أحيانًا في بعض الممارسات السياسية التي تسعى إلى تحقيق المكاسب بأي وسيلة، حتى وإن كان الثمن إضعاف الثقة الدولية أو تعميق الانقسامات بين الشعوب.

وفي المقابل، تظل التجربة العُمانية مثالًا على أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى بالضغوط ولا بالإملاءات، بل بالاحترام المتبادل والمصداقية والالتزام بالمبادئ. فالتاريخ لا يخلّد أصحاب الصفقات العابرة، بل يخلّد القادة والدول الذين جعلوا من الحكمة والسلام أساسًا لعلاقاتهم مع العالم. ومن هنا يبقى الدرس العُماني واضحًا: قد يحقق المكر مكاسب مؤقتة، لكن الحكمة وحدها هي التي تصنع المجد الدائم وتحفظ احترام الأمم عبر الأجيال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق