كلمة الدكتور لسعد الدنداني حول مبادرة الحضارة العالمية والتبادل الحضاري التونسي والصيني

انشطة المركز 2026/11/06
لسعد الدنداني أستاذ جامعي ومؤرخ مختص في التاريخ المعاصر والبحث في قضايا التراث والسياحة
حوار الحضارات في زمن الانقسام: كيف يعيد الاستقطاب الدولي والصراعات الإقليمية رسم حدود التواصل وبناء جسور التفاهم؟
منذ سنوات ما انفكت الدراسات الاستراتيجية تميل إلى اعتبار العامل الثقافي إحدى “باراديغمات” وآليات فهم العالم كما يؤكد ذلك عالم الاجتماع آلان تورين. فالبعد الثقافي يمثل “قوة مرنة” بإمكانها ربط أواصر العلاقات الدولية. لكنه في ظل عالم متحول تحكمه الصراعات وتحركه آليات الاستقطاب، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يشكّل الاستقطاب الدولي والصراعات الإقليمية عائقًا بنيويًا أمام التواصل الحضاري، أم أنهما يفرضان، بشكل مفارق، الحاجة إلى حوار أعمق وأكثر ابتكارًا؟
ففي زمن هيمن فيه الذكاء الاصطناعي إلى حد يوحي بأن العالم قرية صغيرة مترابطة كالجسم الواحد، تنبري الصراعات الإقليمية والانقسامات وشتى أساليب الاستقطاب كأحد عوائق الحوار والتقارب بدرجة تجعلنا نشعر أن هذا الاستقطاب دائرة ما انفكت تضيق لولا فسحات الأمل التي تمنحها بعض مساحات التواصل والحوار والعودة إلى العقل والدعوة إلى التعايش السلمي والجماعي. وهي دعوات تؤثث قنوات تواصل بين الشعوب وتحاول القطع مع مساعي الغطرسة والهيمنة. وتهدف فيما تهدف إليه إلى بناء جسور التفاهم والتعاون.
ونحن ههنا بإزاء مفارقة معلنة منذ البداية من خلال المعجم اللغوي. فالاستقطاب نقيض للحوار والتواصل. والاستقطاب الدولي ليس سوى انقسام النظام الدولي إلى أقطاب أو تكتلات متنافسة (سياسية واقتصادية وتكنولوجية وقيمية) وهي أقطاب تحركها الصراعات الإقليمية وإن كانت في بعضها نزاعات محدودة جغرافيًا لكنها ذات امتدادات دولية. ومن جانب آخر يمثل التواصل الحضاري شكلًا من أشكال تبادل المعارف والقيم والرموز بين الثقافات على أساس الاعتراف بالمشترك الإنساني الجماعي.
إشكالية الورقة: كيف يؤثّر الاستقطاب الدولي والصراعات الإقليمية في فرص التواصل؟ وكيف يمكن للتواصل الحضاري والثقافي أن يخفّفا من آثار الانقسام وأن يمثل فرصة للحوار والنماء؟
المحور الأول:
1- في ماهية الاستقطاب الدولي والصراعات الإقليمية؟
قد يكون من البديهي تعريف الاستقطاب الدولي بأنه اصطفاف الدول والفاعلين حول قطبين أو أكثر من مراكز القوة، على أساس المصالح أو الأيديولوجيا أو الأمن. وهو يتخذ أشكالًا عدة سواء كان أحاديًا أو ثنائيًا أو متعدد الأطراف. لذلك من الهين على الباحث ملاحظة العلاقة الجدلية بين الاستقطاب والصراعات الإقليمية. فالأول يغذي الثاني ويمنحه مجالات خصبة للانتشار.
2- مظاهر الاستقطاب في العالم المعاصر:
تتعدد مظاهر الاستقطاب الدولي في زمننا الراهن:
عسكري وأمني: تحالفات وسباق تسلح.
اقتصادي: عقوبات وقيود تجارية وتنافس على سلاسل الإمداد.
تكنولوجي ورقمي: تنافس على الذكاء الاصطناعي وامتلاك آليات صناعة الخبر وتجزئة المنظومات الرقمية.
قيمي وخطابي: بناء ونشر سرديات متنافسة حول النموذج الأصلح للحكم والتنمية.
المحور الثاني: عندما يصبح الاستقطاب الدولي والصراعات الإقليمية أداة لصناعة الانقسام ومعطِّلًا للتواصل الحضاري
انطلاقًا من محددات الاستقطاب نتساءل: كيف تنعكس هذه البنية المتوترة على فرص التواصل بين الحضارات؟
يرى صامويل هنتنغتون في كتابه “صراع الحضارات” أن الخطوط الفاصلة بين الحضارات ستكون هي خطوط المعارك في المستقبل، وأن الصراع الحضاري سيكون العامل الجديد الذي سيتحكم في صيرورة العلاقات الدولية. فالثقافة كمفهوم عام تتميز بعلاقاتها بمفاهيم متداخلة ذات صلة، تحولت من متغير ثانوي إلى محرك أساسي في تحليل وفهم العلاقات الدولية. حيث تمثل الهوية والثقافة محددين أساسيين يقع الزج بهما غالبًا في العلاقات الدولية للدفع بهما نحو منطقة ما من الاصطفاف والانحياز. من ذلك مثلًا توظيف الثقافة والتعليم والإعلام كـ«قوة ناعمة» تنافسية وأحيانًا تسلطية، وهو ما من شأنه إلغاء فرص الحوار.
كما يؤدي الاستقطاب إلى تآكل الثقة وصناعة الصور النمطية التي يقع تمريرها عبر مداخل ثقافية متنوعة. ومن نتائج ذلك تصلب المواقف والعدائية وتبني سرديات متصارعة أو ما عبّر عنه أمين معلوف بـ“الهويات المتقاتلة”. فيصبح الاختلاف مبعثًا للتصارع والتناحر. فالصراعات السياسية قد تُنتج تمثّلات عدائية للحضارات، دون أن تكون الاختلافات الحضارية أصل تلك الصراعات أو معنية بها.
وكنتيجة لمثل هذه الوضعيات تعمد الدول إلى إنتاج أطر وآليات مختلفة رافضة للآخر ومنكفئة على حدودها الجغرافية أو مجالات نفوذها ومصالحها. وهو ما يسهم في تعميق الاستقطاب ويشرّع لما عبّر عنه الفيلسوف البريطاني هوبز بـ“حرب الجميع ضد الجميع” في إشارة إلى أن الدول تنظر إلى غيرها من الدول كعدو. ومن النتائج القريبة لهذا الصراع إنتاج ذاكرة جماعية عدائية وتراجع التعاون العلمي والثقافي بين الأفراد والمجموعات والمجتمعات. من ذلك مثلًا:
– تأثير العقوبات والتوترات الدبلوماسية والقيود على التنقل في المبادلات الأكاديمية
– تسييس بعض مجالات البحث والتكنولوجيا والمعرفة
كما لا يخفى علينا الآثار الوخيمة للصراعات الإقليمية على الحضارات من تراث مادي ولامادي. حيث غالبًا ما يكون هذا الأخير في مرمى الصراعات فتكون الحروب أداة تدمير له وقضاء عليه. ولعل الأمثلة في هذا المجال عديدة حول استهداف المواقع والمعالم التراثية والمؤسسات الثقافية والمتاحف خلال الحروب. وهو ما يؤدي إلى خسارة جزء كبير من الذاكرة التاريخية والتراث المادي وغير المادي للإنسانية.
المحور الثالث: الحوار الحضاري والثقافي كمنظور جديد لتفسير العلاقات الدولية وتأسيسها على قاعدة التواصل
ذهبت دراسات عديدة، منذ انتهاء الحرب الباردة، إلى اعتبار المعطى الحضاري والثقافي إحدى القوى المؤثرة والدافعة في الشؤون الدولية. وهو أحد حقول البحث المجدَّدة في مجالات دراسة العلاقات الدولية. فيصبح الثراء الثقافي بتنوعه عاملَ ثراء ونماء بدل النظر إليه على أنه عامل انقسام وصراع. فالاختلاف الثقافي ليس سوى مصدر ثراء ومصدر محفز للتطور. ويقوم ذلك على تشجيع جملة من المبادرات والمشاريع الحقيقية كما هو الحال في هذه الرؤية التي نلتقي حولها على تكريس الأسس التالية:
احترام ثقافة وتراث الآخر
الاعتراف المتبادل
تجاوز التصور الذي يجعل الحوار مجرد تعايش بين ثقافات متجاورة.
الاعتراف بالآخر شريكًا في إنتاج المعرفة والمعنى.
احترام الخصوصيات الثقافية مع البحث عن القيم والمصالح المشتركة.
النظر إلى المسافة بين الثقافات بوصفها موردًا للحوار والإبداع، بدل اعتبارها حاجزًا ثابتًا
التربية على الحوار والتفكير النقدي
دور المؤسسات التعليمية في مقاومة الصور النمطية والأحكام المسبقة
دور المجتمع المدني في نسج علاقات احترام بين الثقافات.
الاطلاع على الخصوصيات التاريخية والحضارية من وجهات نظر متعددة، مع احترام الوقائع والحقوق.
تعزيز تعليم اللغات والترجمة والتبادل الثقافي.
تنمية التربية الإعلامية والقدرة على التمييز بين الخبر والدعاية.
الاستفادة من توصية اليونسكو لسنة 2023 بشأن التربية من أجل السلام والتفاهم الدولي.
الخاتمة
- في نهاية هذه الورقة يمكن أن نخلص إلى النقاط التالية:
الاستقطاب الدولي لا يهدّد الاستقرار السياسي وحده، بل يؤثّر في الثقة بين المجتمعات وإمكانات التبادل الحضاري.
الصراعات الإقليمية تُلحق أضرارًا عميقة بالمؤسسات الثقافية والتعليمية وبالذاكرة الجماعية.
اختلاف الحضارات ليس عائقًا طبيعيًا أمام التفاهم، بل قد يصبح مصدرًا للإثراء المتبادل.
التعليم والترجمة والدبلوماسية الثقافية والعلمية أدوات أساسية لمقاومة الانغلاق وإعادة بناء الثقة.
لا يمكن للحوار الثقافي أن يحلّ محلّ التسويات السياسية والعدالة، لكنه يسهم في تهيئة شروط السلام المستدام.
إنّ التحدّي الذي يواجه عالمنا اليوم ليس القضاء على الاختلاف بين الحضارات، بل منع تحويل هذا الاختلاف إلى عداوة. فالحضارات لا تفقد هويتها حين تتحاور، وإنما تتّسع آفاقها كلّما تعلّمت الإصغاء إلى غيرها.



