أخبار العالمأنشطة المركزبحوث ودراساتغير مصنف

كلمة الدكتور جلال التليلي حول مبادرة الحضارة العالمية والتبادل الحضاري التونسي والصيني

جلال التليلي أستاذ محاضر وباحث بارز في علم الاجتماع

حوار الحضارات والمصير المشترك

لا يخفى أن العالم يتجه اليوم إلى صعود اليمين الشعبوي تحت تأثير دورية الأزمات التي تعصف بالاقتصاد الرأسمالي في نسخته النيولبرالية الأكثر توحشا وتنكرا لأبسط المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، فكلما تعمقت مخلفات الأزمات، ازداد انكفاء السياسات اليمينية والاستعمارية باتجاه مزيد الهيمنة ذات القطب الواحد.

الصراع بات يهدد الجميع بالحروب والنزعات الاستعمارية التي تطال مجتمعات الجنوب والفئات الأكثر هشاشة مثل الفقراء والنساء والأقليات والمهاجرين… توترات وحروب ضمن سياقات جيوسياسية تعمق التناقضات العالمية: 

منذ نهاية القرن العشرين ظهرت تنظيرات لبرالية تبرر الصراع والصدام بديلا عن التضامن والتعاون       

أطروحة صدام الحضارات (The Clash of Civilizations) هي نظرية صاغها عالم السياسة الأمريكي صامويل هنتنجتون عام 1993 في مقالة نُشرت بمجلة Foreign Affairs، ثم توسع فيها في كتابه الشهير “صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي” 1996. تفترض الأطروحة أن الهويات الثقافية والدينية ستكون المصدر الرئيسي للصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة، بدلا من الصراعات الأيديولوجية أو الاقتصادية.

الركائز الأساسية للنظرية

  • نهاية الإيديولوجيا: بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية بانتهاء الصراع بين الرأسمالية والشيوعية، انتقل العالم من صراع الأنظمة السياسية إلى صراع الثقافات.
  • إعادة تعريف الحضارة: يرى هنتنجتون أن الحضارة هي أعلى تجمع ثقافي بشري وأوسع مستوى للهوية الثقافية التي يميّز بها الإنسان نفسه (تشمل الدين، اللغة، التاريخ، والعادات…).
  • إعادة تقسيم العالم: قسم هنتنجتون العالم المعاصر إلى 7 أو 8 حضارات رئيسة، أبرزها: الحضارة الغربية المسيحية اليهودية، الحضارة الصينية (الكونفوشيوسية)، الحضارة الإسلامية، الحضارة الأرثوذكسية، الحضارة الهندية، والحضارة اليابانية.
  • خطوط التقسيم: يرى أن الصراعات والحروب المستقبلية سوف تتمحور حول الحدود الثقافية الفاصلة بين هذه الحضارات.

أما جبهة الصدام بين الغرب والعالم الإسلامي هي الأكثر عرضة للتصادم والتوتر نتيجة لعدة عوامل:

  1. 1. الاختلافات القيمية الجذرية حول مفاهيم الفردانية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
  2. 2. النمو الديموغرافي السريع في العالم الإسلامي الذي يغذي التحركات الهجرية والشبابية.
  3. 3. مواجهة الهيمنة الغربية والسعي لإثبات الهوية المحلية نتيجة البعد الكوني للديانة الإسلامية

أصبحت هذه النظرية بمثابة إنجيل السياسات الغربية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

وكان صامويل هنتنجتون قد حذر بوضوح مما أسماه “التحالف الإسلامي-الكونفوشيوسي” (Islamic-Confucian Connection)، والذي رأى فيه التهديد الجيوسياسي والثقافي الأكبر للهيمنة الغربية بناء على مصلحة مشتركة لمواجهة الغرب، خاصة في مجال تبادل التكنولوجيا العسكرية (مثل مبيعات الأسلحة الصينية لبعض الدول الإسلامية وتطوير بعض الصناعات العسكرية).

ولمواجهة هذا التقارب وحماية مكانة الغرب، طرح هنتنجتون استراتيجية هجومية شاملة تقوم على توحيد الحضارة الغربية وتعميق تحالفاتها الداخلية والخارجية، وتتلخص حلوله في النقاط التالية:

  1. 1. الاندماج الكامل للحضارة الغربية على أساس الديانة المسيحية اليهودية (الأمريكية والأوروبية واللاتينية لأمريكا الجنوبية) مع الحضارة الروسية الأرثوذكسية والتحالف مع الحضارة اليابانية لمنع انضوائها تحت مظلة النفوذ الصيني المتصاعد.
  2. 2. مراقبة التقارب العسكري للتحالف الإسلامي-الكونفوشيوسي بمنع الدول الإسلامية من امتلاك الأسلحة المتطورة والحفاظ على التفوق العسكري والردعي للناتو من خلال الفجوة التكنولوجية والعسكرية لصالح الغرب. كما اعتبر أن الغرب يجب أن يكتفي حماية وازدهار الحضارة الغربية داخل حدودها، وتجنب صياغة العالم على شاكلتها بما يثير النعرات الدينية ويدفع الصين والعالم الإسلامي للتحالف دفاعا عن خصوصياتهم الثقافية.

أبرز الانتقادات الموجهة للأطروحة

واجهت النظرية نقدا واسعا أبرزها (إدوارد سعيد في أطروحته المضادة “صدام الجهل”وجلبار الأشقر”: صدام الهمجيات”  

  • تعاملت النظرية مع الحضارات ككتل صماء وموحدة، متجاهلة الصراعات الداخلية والتنوع الثقافي والسياسي داخل الحضارة الواحدة (مثل الصراعات داخل العالم الإسلامي نفسه).
  • إغفال دور العوامل الاقتصادية، التنافس على الموارد، والجغرافيا السياسية كدوافع أساسية للحروب.
  • اتُهمت الأطروحة بأنها تغذي التطرف، وتدعم رؤى الجماعات الراديكالية واليمين المتطرف عبر تقسيم العالم إلى “نحن” ضد “الآخر”.
  • المبالغة في حتمية الصدام وإهمال تاريخ طويل من التثاقف، الشراكات الاقتصادية، والتحالفات العابرة للحضارات.

أهم النظريات: أولا

  • أطروحة “صدام الهمجيات: الإرهاب، الإرهاب المضاد والفوضى العالمية قبل 11 أيلول وبعده ” للمفكر جلبار الأشقرهي قراءة نقدية صدرت عام 2002 كردّ مباشر على نظرية “صدام الحضارات”،

معتبرة أن الصراعات العالمية المتوحشة ليست بين الثقافات والحضارات بل هي مواجهة بين النزعات المتطرفة الكامنة في كل حضارة وأن همجية السياسات والحروب الإمبريالية تغذي الهمجية المضادة للأضعف عبر إنتاج متبادل للعنف.

يقدم الكتاب تفكيكا نقديا وبنيويا للنظام الدولي المعاصر، ويقوم على محاور وأفكار تفصيلية تعيد صياغة أسباب “العنف العالمي”:

–  يرفض الأشقر بشكل قاطع فرضية هانتنقتون التي تزعم وجود “صدام حتمي” بين قيم الحضارة الغربية وقيم الحضارة الإسلامية. ويرى أن هذا الطرح هو تبسيط مفرط ويمنح صبغة “ثقافية أو دينية” مزيفة لصراعات هي في جوهرها صراعات جيوسياسية، عسكرية، واقتصادية ناتجة عن غياب العدالة الدولية.

–    “جدلية الهمجيات”: نوعان من العنف يغذي كل منهما الآخر:

* الهمجية الكبرى (همجية القوي): وتتمثل في سياسات الهيمنة والإمبريالية التي تقودها الولايات المتحدة وتظهر في شكل حروب استباقية، وحصار اقتصادي مدمر يفرز كوارث اجتماعية، واستهتار بالقانون الدولي.

             *  الهمجية المضادة (همجية الضعيف): وتتمثل في ردود الفعل العنيفة والعمياء التي تمارسها جماعات متطرفة غير دولية (مثل تنظيم القاعدة). إرهاب مضاد للإرهاب الاستعماري الغربي مدفوعين بحالة الإحباط، الانسداد السياسي، والفقر الناجم عن العولمة النيوليبرالية.”

         * يكشف الأشقر عن مسؤولية واشنطن المباشرة في تغذية الأصولية المتطرفة. ويوضح كيف قامت السياسة الخارجية الأمريكية إبان الحرب الباردة بـ دعم واستغلال التيارات الأصولية المتطرفة تاريخياً لمواجهة المد القومي العربي والاتحاد السوفيتي (كما حدث في أفغانستان)؛ مما يعني أن الغرب واجه في 11 سبتمبر “وحشاً” ساهم هو نفسه في خلقه وتمويله.

يخلص الكتاب إلى أن الحسم العسكري والأمني والحروب على الإرهاب لن تقضي على العنف؛ بل ستؤدي إلى “تصعيد وتغذية الصراع بين الهمجيات في كل حضارة”.

  • الأطروحة الثانية : أمارتيا صان حول الهوية والعنف

تُمثّل أطروحة الفيلسوف وعالم الاقتصاد الهندي الحائز على جائزة نوبل، أمارتيا سن (Amartya Sen)، في كتابه الشهير “الهوية والعنف: وهم المصير الحتمي” (الصادر عام 2006)، واحدة من أعمق القراءات الفلسفية التفكيكية لنظريات الصدام الحتمي.

تنطلق أطروحته من فكرة جوهرية وهي أن العنف العالمي لا ينبع من كراهية فطرية لا يمكن المفر منها، بل يتغذى على “وهم” اختزال الإنسان في هوية أحادية البعد ومنغلقة على نفسها.

  1. 1. مفهوم الهوية الأحادية أو “الإنعزالية” (Solitarist Approach)

ينتقد صان بشدة النزعة السياسية والإعلامية التي تصنف البشر بناءً على قاسم مشترك واحد (غالبا ما يكون الدين أو العرق)، وتتجاهل بقية انتماءاتهم وأبعادهم الإنسانية.

*  يرى أن نظرية “صدام الحضارات” لصمويل هنتنجتون ترتكب خطأ معرفياً فادحا بوضع البشر داخل “صناديق حضارية صلبة”، وكأن المسلم أو الغربي أو الآسيوي لا يملك أي انشغال أو انتماء آخر خارج انتمائه الديني أو العرقي أو الجغرافي.

* يرى أمارتيا صان أن الهوية الإنسانية متعددة الأبعاد ومعقدة بطبيعتها. فالشخص الواحد له انتماءات اجتماعية وجندرية وسياسية ومهنية متعددة ولا يمكن اختزاله في انتماء واحد.

*  وعندما يدرك الأفراد أنهم يتشاركون مع “الآخرين” في انتماءات متعددة (كالمهنة، الطبقة الاقتصادية، أو الجنس الإنساني المشترك)، يصبح من الصعب تعبئتهم للتطرف أو حشدهم عسكريا أو أيديولوجيا ضد جماعة أخرى.

* الحوار الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من فكرة “الانتماء الموروث والحتمي” إلى فكرة “حرية الاختيار العقلاني” لكيفية ترتيب أولويات هوياتنا المتعددة.

كيف يُولد العنف من “وهم المصير”؟

يفسر الكتاب الآلية النفسية والسياسية التي يتشكل بها العنف المجتمعي:

–  تضييق الهوية: يقوم “صناع الكراهية” أو قادة الجماعات المتطرفة بتجريد الأفراد من هوياتهم المتعددة والتركيز على هوية واحدة مشحونة بالمظلومية: مثل ما حدث في مجازر رواندا عام 1994 بين الهوتو والتوتسي، أو النزاعات الطائفية في الهند أو كذلك بالتفوق الديني و العنصري.

-. شيطنة الآخر: تصوير الطرف الآخر بأنه يمثل تهديدا وجوديا لهذه “الهوية الأحادية”.

– غياب التفكير النقدي: عندما يقتنع الفرد بأن هويته الدينية أو العرقية هي “مصيره الحتمي والوحيد”، يتخلى عن مسؤوليتة الأخلاقية وعقلانيته، ويصبح مستعداً لممارسة العنف الأعمى باسم الدفاع عن الجماعة.

  1. 4. الفقر، العولمة، والعدالة الاجتماعية

شعور الإقصاء والظلم الاجتماعي الناتج عن عولمة غير عادلة هو ما يتم استغلاله من قبل قادة المذابح لإشعال “الهويات الغاضبة” أو الهويات القاتلة وتوجيهها نحو الصدام والإرهاب هو الإرهاب سواء في نسخته الأمريكية أو الصهيونية أو الإسلامية أو غيرها 

الحل لمواجهة الحروب والصراعات المعاصرة عند أمارتيا صان لا يكمن في “تسامح الحضارات المكتومة داخل صناديقها”، بل في إلغاء فكرة الصناديق من الأساس، والاعتراف بأننا نعيش في عالم متشابك يتشارك فيه البشر هويات متداخلة ومتعددة، تحمي السلم العالمي عبر إعلاء قيم الحوار الحضاري والتنوع الثقافي والعدل الاجتماعي داخل المشترك الإنساني الموحد.

حوار الحضارات:

أطروحة حوار الحضارات (Dialogue of Civilizations) هي الفلسفة الجيوسياسية المضادة لنظرية “صدام الحضارات”. ظهرت كإطار نظري بديل يرفض حتمية النزاع والصدام الثقافي، معتبرة أن العلاقات الدولية المعاصرة يجب أن تقوم على التفاهم المتبادل، والتعايش السلمي، والإنصات للآخر بدلا من الهيمنة أو الإقصاء.

الركائز الأساسية لأطروحة حوار الحضارات

  • رفض الحتمية الصراعية: ترى الأطروحة أن الاختلافات الثقافية والدينية ليست بؤراً للنزاع المسلح بالضرورة، بل هي فرصة للإثراء المعرفي المتبادل.
  • التكامل والترابط الإنساني: تؤكد النظرية أن الحضارات ليست كتلا معزولة ومنغلقة كما صوّرها هانتنقتون، بل هي نتاج تراكمي مشترك؛ فالغرب استمد من الشرق والشرق يتأثر بالغرب، وتاريخ البشرية هو تاريخ “تثاقف” وتكامل وليس تاريخ قطيعة.
  • تفكيك “وهم الهوية الصامتة”: تتماشى الأطروحة مع نقد المفكر إدوارد سعيد الذي أوضح في مقالته الشهيرة “صدام الجهل” أن الثقافات هجينة وديناميكية وتتغير من الداخل، ولا توجد ثقافة نقية أو موحدة تماماً.
  • أخلاقيات التواصل والإنصات والتواضع: التخلي عن النظرة الفوقية أو “الخلفيات ذات النزعة المركزية

لمفهوم النسبية الثقافية (Cultural Relativism) دور حاسم في نزع الإطلاقية (De-absolutization) عن الخصائص الثقافية و تجريد الثقافة السائدة أو المركزية من ادعائها بامتلاك “المعايير المطلقة” أو الصالحة لكل زمان ومكان، وتحويل هذه المعايير من “حقائق كونية بديهية” إلى “منتجات محلية مرنة” محكومة بسياقها التاريخي والجغرافي.

انطلاقاً من هذا المنظور المعرفي:

  • تحويل “الطبيعي” إلى “ثقافي مُكتسب”

تميل كل حضارة أو ثقافة إلى اعتبار قيمها، وعاداتها، وأنماط عيشها بمثابة قوانين “طبيعية وفطرية” وأن أي خروج عنها هو “انحراف عن الفطرة” أو “همجية”. غير أن ما يراه مجتمع ما “طبيعيا ومطلقا” هو في الحقيقة مجرد مواضعات واختيارات ثقافية تم تعلمها واكتسابها عبر التنشئة الاجتماعية.

  • زعزعة المركزية الإثنية (Ethnocentrism)

المركزية الإثنية هي النزعة النفسية والمعرفية التي تجعل الإنسان يرى ثقافته الخاصة كـ “مركز للعالم”، ويقيس بها بقية الثقافات فيصنفها كـ (أعلى/أدنى، متحضرة/متخلفة).

  • فحين تنجح النسبية الثقافية في نزع الإطلاقية عن الخصائص الثقافية، فإنها تفتح الباب الحقيقي لـ حوار الحضارات والمثاقفة. فعندما يدرك كل طرف أن قناعاته ومعاييره ليست “مطلقات كونية” بل “خيارات نسبية”، يتخلى عن رغبته في فرضها بالقوة (تجنب الصدام) ويصبح أكثر تواضعاً وقابلية للاستماع إلى الآخر وفهمه من داخل سياقه الخاص (تفعيل الحوار).

يرتبط مفهوم حوار الحضارات ارتباطا عضويّا بمفهومي التثاقف والمثاقفة؛ إذ يمثلان الآلية الفكرية والعملية التي تحول الحوار من مجرد “لقاء دبلوماسي” إلى عملية تفاعل إنساني عميق ومستمر.

  1. 1. مفهوم التثاقف (Acculturation)

التعريف: هو عملية التأثر والتأثير المتبادل التي تحدث عندما تدخل ثقافتان أو أكثر في اتصال مباشر ومستمر، مما يؤدي إلى تغيرات في الأنماط الثقافية الأصلية لأحد الطرفين أو كلاهما.

آليات التثاقف في حوار الحضارات: “التثاقف” هو الناموس الطبيعي للتاريخ البشري. فالحضارات ليست جُزراً معزولة؛ الغرب تثاقف مع الحضارة الإسلامية في الأندلس واستعار منها علوم الفلك والطب، والمسلمون تثاقفوا سابقاً مع اليونان والفرس.

  • خطورته (التثاقف القسري): قد يحدث التثاقف بشكل غير متكافئ (مثل فترات الاستعمار أو العولمة المفرطة)، حيث تفرض الثقافة المهيمنة قيمها على الثقافة الأضعف، وهو ما يحذر منه حوار الحضارات ويدعو بدلاً عنه إلى “التثاقف الطوعي والمتكافئ”.
  1. 2. مفهوم المثاقفة (Interculturality / Culturation)

هي الفعل الواعي والمقصود القائم على التبادل المعرفي، والاعتراف المتبادل بالخصوصيات الثقافية، والسعي لبناء مساحات مشتركة دون ذوبان طرف في الآخر.

أما الفرق بينها وبين التثاقف، فبينما يحدث التثاقف بشكل عفوِي أو نتيجة ضغوط اقتصادية وسياسية (مثل انتشار ثقافة الاستهلاك العالمية)، فإن المثاقفة هي جهد فكري وأخلاقي منسق. إنها تعني أن يفتح المثقف أو المجتمع نافذة على ثقافة الآخر لفهمها والتعلم منها، مع الحفاظ على هويته الأصيلة.

فالمثاقفة هي “محرك” حوار الحضارات؛ لأنها تنطلق من مبدأ أن كل ثقافة تمتلك جزءا من الكونية الإنسانية، وأن تكامل هذه الأجزاء هو ما يثري الوجود البشري.

تستخدم أطروحة حوار الحضارات هذين المفهومين كأدوات تفكيك لنظرية صامويل هانتنقتون من خلال ثلاثة أبعاد أساسية:

  • تُثبت المثاقفة أن فكرة “الحضارة الغربية الخالصة” أو “الحضارة الإسلامية المغلقة” هي أوهام سوسيولوجية. كل حضارة هي “تراكم لتثاقف تاريخي مستمر”.
  • لا يوجد في إطار المثاقفة، “مركز وهامش” أو “متحضر وهمجي”، بل هناك هويات متعددة تتحاور على قدم المساواة، مما يلغي النظرة الاستعلائية التي تغذي الصدامات.
  • إنتاج “هويات بديلة” من خلال مساحات ثقافية مشتركة (مثل الآداب العالمية، الفنون المشتركة، والقيم الإنسانية العامة) التي تصبح بمثابة صمامات أمان تمنع اندلاع الحروب عند خطوط التماس الحضارية.

خاتمة:

الحوار بديلا عن الصدام هو المخرج الوحيد لمواجهة التهديدات الكونية والمخاطر الجماعية التي أصبحت بفعل العولمة لا تستثني أي حضارة وأي مجتمع مهما كانت درجة تطوره الاقتصادي وتفوقه العسكري: المخاطر البيئة، السلام، الهجرة العالمية، أمراض العصر، الأزمات الصحية والاقتصادية والكوارث الطبيعية أو المصطنعة وغيرها…

      نحن نعيش في عالم يحتم علينا الحوار الندي والمسئول لضمان العيش المشترك ومواجهة التحديات والمخاطر المشتركة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق