ليبيا وتركيا تعيدان فتح معركة شرق المتوسط: الاتفاق البحري بين تثبيت الحقوق وصراع النفوذ

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الامنية والعسكرية 21-10-2026
مقدمة: قرار ليبي يغيّر معادلة التفاوض ولا ينهي النزاع
أعاد قرار مجلس النواب الليبي، الصادر في 20 أكتوبر 2026، بالموافقة على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا سنة 2019، فتح أحد أكثر الملفات حساسية في شرق المتوسط، في تطور تتجاوز دلالاته مسألة ترسيم الحدود البحرية إلى إعادة ترتيب العلاقات الليبية التركية، وموازين التنافس على الموارد والممرات البحرية ومجالات النفوذ الإقليمي.
وتكمن أهمية القرار في أنه أنهى، على المستوى البرلماني، مرحلة من الرفض المؤسسي للاتفاق؛ إذ صوّت المجلس بالإجماع على الموافقة على المذكرة، وألغى قراريه الصادرين سنة 2020، المتعلقين برفض المصادقة على مذكرتي التفاهم الموقعتين مع تركيا وقطع العلاقات السياسية معها. ورحبت وزارة الخارجية بحكومة الوحدة الوطنية بالخطوة، كما رحبت بها الرئاسة التركية في 21 أكتوبر 2026. وتشكل هذه المواقف المتقاطعة مؤشرا واضحا على تحسن العلاقات بين أنقرة ومؤسسات ليبية كانت مواقفها متباينة تجاه الاتفاق في السنوات الماضية.
غير أن القراءة الاستراتيجية الدقيقة تقتضي التمييز بين ثلاثة أمور: إقرار الاتفاق سياسيا داخل مجلس النواب، واستكمال الآثار القانونية والمؤسسية المترتبة على القرار، ومدى قبول الدول الأخرى بالحدود البحرية الواردة في المذكرة. فهذه مستويات مترابطة، لكنها ليست متطابقة، ولا يؤدي تحقق أحدها تلقائياً إلى حسم المستويين الآخرين.
وتتمثل الإشكالية الأساسية في تحديد ما إذا كانت الخطوة ستتحول إلى أساس لتعاون ليبي تركي أوسع، يعزز قدرة ليبيا على إدارة مصالحها البحرية والاقتصادية، أم ستؤدي إلى مرحلة جديدة من التنافس الدبلوماسي والقانوني في شرق المتوسط، بما يحمله ذلك من فرص ومخاطر على المصالح الليبية.
من اتفاق سنة 2019 إلى التحول البرلماني سنة 2026
وُقّعت مذكرة التفاهم بشأن تحديد مناطق الاختصاص البحري في البحر المتوسط في إسطنبول يوم 27 نوفمبر 2019، بين الحكومة التركية وحكومة الوفاق الوطني الليبية آنذاك. وتحدد المذكرة نطاقات الاختصاص البحري بين الطرفين، بما يشمل الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة، استناداً إلى إحداثيات جغرافية وملاحق فنية مرفقة بها.
ووفق سجل معاهدات الأمم المتحدة، دخلت المذكرة حيز النفاذ في 8 ديسمبر 2019، وسُجلت لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة في 11 ديسمبر من العام نفسه. لكن التسجيل الأممي لا يمثل تصديقاً من الأمم المتحدة على سلامة الترسيم أو حكماً بصحة المطالبات البحرية الواردة في الاتفاق؛ فهو إجراء قانوني يتعلق بتسجيل المعاهدة ونشرها، ولا يحسم النزاعات مع الدول الأخرى.
جاء توقيع المذكرة في سياق بالغ التعقيد، تزامن مع الهجوم على طرابلس سنة 2019 والصراع على السلطة في ليبيا، كما ارتبط بتوسع التعاون التركي الليبي في المجالين السياسي والعسكري. وفي الوقت نفسه، كانت تركيا تخوض خلافات متزايدة مع اليونان وقبرص بشأن الحدود البحرية وحقوق الجزر ومشروعات استكشاف الطاقة.
وفي سنة 2020، رفض مجلس النواب الليبي الاتفاق واتخذ قراراً بقطع العلاقات السياسية مع أنقرة، في موقف عكس الانقسام الليبي آنذاك، إلى جانب التباين في تقدير العلاقة مع تركيا وتداعياتها الإقليمية.
أما القرار الجديد فيمثل تحولا مهما في موقف المجلس، ويشير إلى أن المصالح المرتبطة بالعلاقة مع أنقرة باتت تحظى بوزن أكبر في حسابات القوى الموجودة في شرق ليبيا. لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود إجماع ليبي نهائي حول جميع جوانب الاتفاق أو حول طبيعة الشراكة المستقبلية مع تركيا.
وتظل معرفة الدوافع التفصيلية وراء هذا التحول مرتبطة بما ستكشفه الوثائق الرسمية والتفاهمات اللاحقة. فمن الممكن أن تتداخل فيه اعتبارات اقتصادية وسياسية وأمنية، إلى جانب إعادة تقييم العلاقات الإقليمية، لكن تحديد الوزن الحقيقي لكل عامل يحتاج إلى أدلة تتجاوز نتيجة التصويت ذاتها.
الحسابات الليبية: توسيع هامش الحركة أم إعادة توزيع الاعتماد الخارجي؟
تمنح موافقة مجلس النواب الاتفاق أساساً سياسياً أوسع داخل ليبيا، وتحد من إمكانية التعامل معه بوصفه ترتيباً خاصاً بالسلطة التي وقعته في طرابلس سنة 2019. كما تفتح المجال أمام تعاون مؤسسي أوسع مع تركيا، في وقت تسعى فيه القوى الليبية المختلفة إلى تعزيز علاقاتها الخارجية والاستفادة من الفرص الاقتصادية والأمنية المتاحة.
ومن منظور المصلحة الوطنية، يمكن أن يوفر الاتفاق إطاراً للتفاوض بشأن حقوق ليبيا البحرية، وأن يتيح فرصاً لتطوير التعاون الفني والاستثماري في المناطق البحرية التي لا تكون حقوق الأطراف الأخرى محل نزاع فيها. وقد يساعد أيضاً على تنويع الشراكات الخارجية، شريطة أن تقترن العلاقة الثنائية بقدرة ليبية مستقلة على تحديد الأولويات ومراقبة تنفيذ الالتزامات.
لكن المكسب السياسي لا يتحول تلقائياً إلى مكسب اقتصادي. فاستثمار الموارد البحرية يتطلب دراسات جيولوجية، وتحديداً واضحاً للمناطق المتاحة، وتراخيص قانونية، وتمويلاً وبنية تحتية، فضلاً عن بيئة أمنية مستقرة. ولا توجد في قرار مجلس النواب وحده أدلة على بدء إنتاج جديد للغاز أو تحقق عوائد مالية مباشرة.
كذلك، لا ينبغي افتراض أن التقارب حول المذكرة يثبت وجود اتفاق شامل بين جميع القوى الليبية وتركيا على القضايا العسكرية والأمنية. فالتعاون البحري، والتنسيق السياسي، والاتفاقات الدفاعية مجالات مختلفة، ولكل منها وثائقها وإجراءاتها ومؤشراتها المستقلة.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للموقف الليبي سيكون في مدى تحويل القرار إلى سياسة بحرية وطنية واضحة، تقوم على حماية الحقوق، والشفافية في العقود، وتقييم العائد الاقتصادي، وعدم رهن المصالح الليبية بحسابات أي شريك خارجي.
تركيا: تثبيت المطالب البحرية وتوسيع قاعدة الشراكة
يمثل الاتفاق جزءا أساسيا من المقاربة التركية لشرق المتوسط. فأنقرة تسعى إلى تثبيت تصورها للحدود البحرية، والحد من الآثار التي ترى أنها تنتج عن التفسير اليوناني لحقوق الجزر في ترسيم المناطق البحرية، ولا سيما في المناطق الواقعة جنوب جزيرة كريت وشرقها.
وتعتبر تركيا أن المذكرة مع ليبيا تحمي الحقوق والمصالح المشتركة للطرفين وفق القانون الدولي ومبدأ الإنصاف. وقد أكدت وزارة الخارجية التركية هذا الموقف في بيانها الصادر في 20 أكتوبر 2026، ورحبت بالقرار الليبي باعتباره خطوة نحو تعميق التعاون الثنائي.
وتكمن أهمية القرار بالنسبة إلى أنقرة في أنه يزيل عقبة سياسية داخلية كانت تحد من اتساع القاعدة الليبية المؤيدة للاتفاق. كما يفتح المجال أمام علاقات أوسع مع القوى الموجودة في شرق ليبيا، بعد أن ارتبط الدعم التركي العسكري والسياسي خلال سنوات سابقة بصورة رئيسية بالسلطات الموجودة في طرابلس.
وتشير التقارير المنشورة إلى تحسن العلاقات التركية مع السلطات في شرق ليبيا خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الزيارات الرسمية والتعاون الاقتصادي. لكن القول إن الموافقة البرلمانية ستؤدي حتماً إلى توسيع الوجود العسكري التركي في الشرق يبقى تقديرا محتملا، لا نتيجة مثبتة.
ومن الناحية الاستراتيجية، تستطيع أنقرة الاستفادة من اتساع الدعم السياسي للاتفاق في تعزيز موقفها التفاوضي، لكن ذلك لا يعني أن المذكرة أصبحت مقبولة لدى جميع الدول المعنية أو أن الخلافات القانونية قد انتهت.
وتظل قدرة تركيا على تحويل هذا التطور إلى مكاسب مستدامة مرتبطة بمدى استعدادها لإدارة الخلافات مع اليونان ومصر وقبرص، وتجنب تحويل المنافسة البحرية إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار في المنطقة.
اليونان ومصر وقبرص: جوهر الاعتراضات وحدودها
أعلنت اليونان رفضها لموافقة مجلس النواب الليبي، واعتبرت أن المذكرة غير قانونية وتمس الحقوق السيادية التي تدعيها الدول المعنية. واستند موقف أثينا إلى أن الاتفاق، وفق تفسيرها، لا يراعي الأثر القانوني للجزر اليونانية في ترسيم المناطق البحرية، كما شككت في الأساس الجغرافي الذي يستند إليه الترسيم بين تركيا وليبيا.
وتستند الحجة اليونانية إلى قواعد قانون البحار التي تقر بأن الجزر، وفق الشروط القانونية المنطبقة، يمكن أن يكون لها بحر إقليمي ومنطقة اقتصادية خالصة وجرف قاري. وتؤكد أثينا أن موقع جزيرة كريت والجزر الأخرى ينبغي أن يؤخذ في الحسبان عند تحديد الحدود البحرية، وأن الاتفاق الليبي التركي لا يراعي حقوقها على النحو المطلوب.
في المقابل، تستند تركيا إلى تصور مختلف لتطبيق مبادئ الترسيم والإنصاف في ضوء الجغرافيا ذات الصلة، وترفض أن يؤدي منح الجزر أثراً كاملاً في جميع الظروف إلى تقليص غير متناسب للمناطق البحرية المقابلة للسواحل التركية.
ولا يكفي عرض الحجتين لإعلان صحة إحداهما بصورة نهائية. فترسيم الحدود البحرية يتطلب النظر في الجغرافيا ذات الصلة، وحقوق الدول الساحلية، والوضع القانوني للجزر، والاتفاقات القائمة، ومبادئ القانون الدولي الواجبة التطبيق. كما أن الأثر الذي يُمنح لجزيرة معينة قد يختلف بحسب ظروف النزاع، ولا توجد قاعدة واحدة تحسم جميع الحالات مسبقاً.
أما مصر، فتتداخل مصالحها مع الملف من زاوية حقوقها البحرية وموقفها من الترسيم مع اليونان. وقد وقعت القاهرة وأثينا اتفاقاً بشأن تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما سنة 2020، وهو اتفاق تعارضه تركيا في المناطق التي ترى أن حقوقها البحرية تتأثر به. ويخلق تداخل المطالبات حاجة إلى فحص الإحداثيات والخرائط والوثائق القانونية، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات السياسية.
وتبرز قبرص أيضاً ضمن الأطراف المعترضة على الاتفاق، بالنظر إلى مطالباتها البحرية ومصالحها في مشروعات الطاقة والربط الإقليمي. لكن ينبغي التمييز بين مواقف الدول المعنية وبين موقف الاتحاد الأوروبي، الذي لا يمثل بحد ذاته حكماً قضائياً في النزاع.
والنتيجة أن اعتراض اليونان أو مصر أو قبرص لا يلغي تلقائياً الاتفاق الثنائي بين ليبيا وتركيا، مثلما أن الموافقة الليبية لا تحسم حقوق تلك الدول أو تنتقص منها تلقائياً. وتبقى المسألة مرتبطة بالقانون الدولي والحقوق التي يمكن إثباتها وبالوسائل المتاحة لتسوية النزاع.
الإطار القانوني النفاذ الثنائي لا يساوي الحسم الدولي
تقتضي الموضوعية القانونية الفصل بين ثلاثة مستويات:
المستوى الاول الوضع الثنائي للاتفاق:
دخلت مذكرة التفاهم حيز النفاذ في ديسمبر 2019، وفق سجل الأمم المتحدة. وتأتي موافقة مجلس النواب في أكتوبر 2026 لتضيف تحولاً مهماً في الموقف التشريعي الليبي، مع إلغاء القرارات البرلمانية السابقة التي رفضت الاتفاق وقطعت العلاقات السياسية مع تركيا.
ومع ذلك، فإن تحديد الأثر الدستوري والإجرائي الكامل لقرار 2026 يتطلب الاطلاع على نصه الرسمي الكامل، وعلى القواعد الليبية المنظمة لإبرام المعاهدات والمصادقة عليها وتنفيذها. ولا ينبغي اعتبار التصويت وحده دليلاً على اكتمال كل الإجراءات القانونية الممكنة من دون فحص الوثائق ذات الصلة.
المستوى الثاني حقوق الدول الثالثة:
لا يستطيع اتفاق ثنائي، بمجرد إبرامه، أن يفرض التزامات على دولة ثالثة من دون رضاها، أو أن يحسم وحده حقوقاً بحرية تدعيها تلك الدولة. وبناءً عليه، لا يكفي اتفاق ليبيا وتركيا لإغلاق المطالبات البحرية اليونانية أو المصرية أو القبرصية في المناطق التي قد تتداخل فيها الحقوق.
وفي المقابل، لا يعني اعتراض دولة ثالثة أن الاتفاق الثنائي يُلغى تلقائياً بين طرفيه. فهناك فرق بين استمرار الاتفاق في العلاقة بين الدولتين الموقعتين وبين مدى إمكانية الاحتجاج بالحدود الواردة فيه على الدول الأخرى.
المستوى الثالث قواعد قانون البحار
تركيا ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، لكن ذلك لا يعني أن جميع قواعد الاتفاقية لا تنطبق عليها؛ إذ قد تكون بعض القواعد ذات الصلة ملزمة باعتبارها قواعد من القانون الدولي العرفي، بحسب طبيعة القاعدة ومضمونها.
كما أن تحديد المناطق البحرية لا يعتمد على رسم خط هندسي واحد بمعزل عن السياق. بل يتطلب فحص السواحل والجزر والحقوق المتداخلة، وقد يستلزم التفاوض أو اللجوء إلى وسائل تسوية النزاعات التي تقبل بها الأطراف.
وبالتالي، فإن التسجيل لدى الأمم المتحدة لا يمثل مصادقة أممية على مضمون الاتفاق، كما أن الاعتراض اليوناني لا يشكل وحده حكماً قضائياً بإبطاله. والحسم القانوني لأي نزاع يتطلب دراسة الوثائق والإحداثيات والحجج المتقابلة، وتحديد القواعد القانونية المنطبقة على الحالة المعنية.
الطاقة والبنية التحتية أين تكمن المكاسب الفعلية؟
تعد الطاقة أحد أبرز أبعاد التنافس في شرق المتوسط، لكن القيمة الاقتصادية للاتفاق لا تقاس بمجرد تثبيت خط بحري على الخريطة. فهي تتوقف على وجود موارد قابلة للاستغلال، وكلفة استخراجها، وتوافر التمويل والتكنولوجيا، والبنية التحتية اللازمة لنقلها إلى الأسواق.
وقد يتيح الاتفاق إطاراً للتعاون الفني والاقتصادي بين ليبيا وتركيا، لكنه لا يثبت وجود اكتشافات جديدة ولا يضمن تحقق عائدات مباشرة. كما أن أي نشاط استكشافي في منطقة تتداخل فيها المطالبات قد يواجه اعتراضات قانونية أو سياسية، وهو ما يؤثر في حسابات المستثمرين وكلفة المشاريع.
وتظهر أهمية هذا البعد في مشروع الربط الكهربائي البحري المعروف باسم “غريت سي إنتركونكتور”، الذي يستهدف ربط البر الأوروبي بقبرص، مع امتداد مخطط إلى إسرائيل. وقد أفادت رويترز في 15 أكتوبر 2026 بأن الجهة المنفذة تقدمت بطلب لاستئناف أعمال المسح لقاع البحر، في ظل خلاف يوناني تركي بشأن المسار البحري للمشروع. وتقول تركيا إن بعض المناطق ذات الصلة تقع ضمن النطاق الذي تتناوله مذكرة 2019 مع ليبيا، بينما ترفض اليونان هذا التفسير.
ويكشف هذا الملف أن أثر الاتفاق يتجاوز المحروقات إلى البنية التحتية البحرية والربط الكهربائي وممرات نقل الطاقة. كما يوضح كيف يمكن للخلافات القانونية أن تؤخر المشاريع وتزيد مخاطر الاستثمار حتى قبل الوصول إلى مواجهة ميدانية.
وبالنسبة إلى ليبيا، فإن المصلحة الأساسية ليست في الانضمام إلى صراع المحاور، بل في تحويل موقعها الجغرافي وحقوقها البحرية إلى فرص اقتصادية قابلة للتحقق، ضمن سياسة واضحة لإدارة الموارد وحماية السيادة والشفافية في العقود.
التداعيات الأمنية: مخاطر الاحتكاك لا حتمية المواجهة
قد يؤدي إقرار الاتفاق إلى زيادة حساسية التحركات البحرية في المناطق التي تتداخل فيها المطالبات، خصوصاً إذا ارتبطت المرحلة المقبلة بإجراء مسوحات جيولوجية أو منح تراخيص استكشاف أو تنفيذ مشاريع بنية تحتية.
وقد تنشأ عن ذلك اعتراضات دبلوماسية أو إجراءات قانونية أو مرافقة بحرية للسفن، وربما احتكاكات محدودة إذا نفذت الأطراف أنشطة متعارضة في مناطق تعتبرها خاضعة لحقوقها. لكن لا توجد أدلة كافية للقول إن الموافقة البرلمانية ستؤدي بالضرورة إلى تصعيد عسكري.
كذلك، قد تؤثر الخطوة في حسابات التعاون الإقليمي، إذ يمكن أن تعزز العلاقات التركية الليبية، بينما تدفع اليونان ومصر وقبرص إلى زيادة التنسيق بشأن مطالباتها البحرية. إلا أن تحويل هذه التباينات إلى اصطفاف عسكري مباشر يبقى احتمالاً مشروطاً بتطورات لاحقة، وليس نتيجة تلقائية للقرار.
ويظل من المهم عدم الخلط بين التقارب السياسي والاتفاقات العسكرية. فإثبات وجود ترتيبات أمنية جديدة أو تغيير في الانتشار العسكري يتطلب وثائق أو مؤشرات مستقلة، ولا يمكن استخلاصه من الموافقة على المذكرة وحدها.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: احتواء الخلاف بالتفاوض
يقوم هذا السيناريو على استمرار التقارب الليبي التركي، بالتوازي مع فتح قنوات تفاوض فنية أو دبلوماسية مع الأطراف المعنية. ويمكن أن يتيح ذلك التوصل إلى ترتيبات مؤقتة أو تفاهمات تحد من الاحتكاك، مع إبقاء الخلافات القانونية مفتوحة أمام الوسائل السلمية.
وتعتمد فرص هذا السيناريو على استعداد الأطراف للفصل بين المصالح الثنائية والنزاعات الإقليمية، وعلى تجنب اتخاذ إجراءات ميدانية أحادية في المناطق المتنازع عليها.
السيناريو الثاني: تنافس قانوني ودبلوماسي طويل الأمد
في هذا المسار، يتمسك كل طرف بموقفه، وتستمر الاحتجاجات والمذكرات الدبلوماسية والخلافات بشأن التراخيص والمشاريع البحرية، من دون انتقال مباشر إلى مواجهة عسكرية.
ويبدو هذا السيناريو ممكناً في ضوء التباعد المعلن بين المواقف التركية واليونانية، لكنه يظل تقديراً لا نتيجة مؤكدة. وقد يؤدي استمرار الخلاف إلى تأخير الاستثمارات وزيادة كلفة المشاريع البحرية.
السيناريو الثالث: احتكاك بحري محدود
قد يظهر هذا السيناريو إذا تزامنت عمليات المسح أو الاستكشاف مع اعتراضات متبادلة على الاختصاص البحري. ويمكن أن تشمل نتائجه تعطيل بعض الأنشطة، أو تصعيداً دبلوماسياً، أو إجراءات مرافقة ومراقبة بحرية.
ولا تتوافر معطيات تسمح بتحديد احتمال وقوع هذا السيناريو بدقة، لكنه يستحق المتابعة باعتباره أحد المخاطر العملية المرتبطة باستمرار التداخل بين المطالبات البحرية.
السيناريو الرابع: توسيع الشراكة الليبية التركية
قد تتحول الموافقة إلى مدخل لتعاون اقتصادي وفني وسياسي أوسع، إذا تبعتها اتفاقات تنفيذية ومشاريع قابلة للقياس. ويمكن لهذا المسار أن يوفر فرصاً لليبيا، شريطة أن تحافظ مؤسساتها على استقلال قرارها وأن تضمن الشفافية والجدوى الاقتصادية وعدم تحميل البلاد التزامات تفوق عوائدها.
الخلاصة: فرصة استراتيجية مشروطة بحسن إدارة المصالح
تمثل موافقة مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا تحولاً سياسياً مهماً، لأنها أنهت الرفض البرلماني السابق ووسعت قاعدة الدعم الداخلي للاتفاق. كما أنها تعزز فرص تطوير العلاقات بين أنقرة ومؤسسات ليبية في الشرق والغرب، وتمنح الطرفين أساساً سياسياً أوسع للدفاع عن مصالحهما البحرية.
لكن هذا التحول لا يعني أن النزاع القانوني والإقليمي قد حُسم، ولا يثبت وحده أن ليبيا ستحقق مكاسب اقتصادية فورية أو أن المنطقة تتجه حتماً إلى تصعيد عسكري. فالنتائج ستتوقف على الإجراءات التنفيذية، ومدى قبول الأطراف الأخرى بالترتيبات المطروحة، وقدرة الدول المعنية على إدارة خلافاتها.
وتتمثل المصلحة الليبية في تحويل الاتفاق إلى أداة لحماية الحقوق وتوسيع الخيارات الاقتصادية، لا إلى التزام مفتوح في صراع إقليمي. ويتطلب ذلك موقفاً وطنياً يستند إلى الوثائق والخرائط والدراسات القانونية والفنية، ويوازن بين العلاقة مع تركيا والمصالح مع مصر واليونان وقبرص وسائر الشركاء.
أما على مستوى شرق المتوسط، فإن القرار يعيد ترتيب البيئة السياسية للاتفاق، لكنه لا يغير الجغرافيا ولا ينهي المطالبات المتعارضة. وسيكون الاختبار الحقيقي في قدرة الأطراف على منع تحول التنافس على الحدود والموارد إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار.
القرار مهم من الناحية السياسية والاستراتيجية، لكنه يمثل بداية مرحلة جديدة من التفاوض والتنافس، وليس تسوية نهائية للنزاع. وتبقى القيمة الفعلية للخطوة رهناً بقدرة ليبيا على توحيد موقفها، واستكمال الإجراءات اللازمة، وتحويل الحقوق البحرية إلى مصالح قابلة للتحقق، مع تجنب الانجرار إلى اصطفافات إقليمية لا تخدم أولوياتها الوطنية.
**********
المراجع
1 وكالة الأنباء الليبية: موافقة مجلس النواب على المذكرة وإلغاء قراري 2020، 20 أكتوبر 2026](https://lana.gov.ly/post.php?id=368105\&lang=en\&utm_source=chatgpt.com).
2 النص المنشور لمذكرة التفاهم في مجموعة معاهدات الأمم المتحدة](https://treaties.un.org/doc/Publication/UNTS/No%20Volume/56119/Part/I-56119-080000028056605a.pdf?utm_source=chatgpt.com)
3رويترز: موافقة البرلمان الليبي في الشرق والرد اليوناني، 20 أكتوبر 2026](https://www.reuters.com/world/europe/eastern-libya-parliament-approves-maritime-deal-with-turkey-lifts-2020-boycott-2026-10-20/?utm_source=chatgpt.com).
4وزارة الخارجية اليونانية: الموقف الرسمي من القرار، 20 أكتوبر 2026](https://www.mfa.gr/en/announcement-by-the-ministry-of-foreign-affairs-on-the-decision-of-the-libyan-house-of-representatives-concerning-the-turkish-libyan-memorandum-20-10-2026/?utm_source=chatgpt.com).
5وزارة الخارجية التركية: البيانات الرسمية، ومنها بيان 20 أكتوبر 2026 بشأن المذكرة](https://www.mfa.gov.tr/press-information.en.mfa?utm_source=chatgpt.com).
رويترز: مشروع الربط الكهربائي البحري والخلاف حول المسح في شرق المتوسط، 15 أكتوبر 2026](https://www.reuters.com/business/energy/eu-backed-east-mediterranean-undersea-cable-project-applies-resume-seabed-2026-10-15/?utm_source=chatgpt.com).



