الصين تحقق اختراقا لافتا في تكنولوجيا الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام

إعداد قوه هوان ياو:قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 01-10-2026
في العاشر من يوليو عام 2026، أطلقت الصين بنجاح صاروخا حاملا من طراز “تشانغتشنغ- 10 بي” من موقع هاينان التجاري لإطلاق المركبات الفضائية. أوصل الصاروخ حمولته إلى المدار المحدد مسبقا، وبعد انفصال المرحلتين الأولى والثانية من الصاروخ، عادت المرحلة الأولى عموديا إلى المنطقة البحرية المحددة وتمت استعادتها بنجاح على منصة بحرية عبر نظام الالتقاط الشبكي. تعد هذه المهمة أول عملية استعادة خاضعة للتحكم في المرحلة الأولى من صاروخ حامل في الصين، كما تعد أول عملية استعادة لصاروخ حامل على منصة بحرية عبر نظام الالتقاط الشبكي في العالم.
وبعد أكثر من شهر، في التاسع عشر من أغسطس، تم إطلاق الصاروخ الحامل من طراز “تشوتشيويه- 3 واي2” في منطقة دونغفنغ التجريبية للابتكار الفضائي التجاري بمنطقة منغوليا الداخلية الذاتية الحكم، وعادت المرحلة الأولى من الصاروخ وفقا للإجراءات المحددة، كذلك نجحت الصين في تحقيق استعادة خاضعة للتحكم في المرحلة الأولى من صاروخ على اليابسة باستخدام أرجل هبوط. وخلال ما يزيد قليلا على شهر، اختبرت الصين تباعا مسارين تقنيين مختلفين لاستعادة الصواريخ.
طريق جديد مختلف.. الاستعادة من البحر
تتمثل المهمة الأساسية للصاروخ الحامل في إيصال الأقمار الاصطناعية والمركبات الفضائية وغيرها من الحمولات إلى الفضاء. واليوم، مع تزايد وتيرة عمليات الإطلاق الفضائية، أصبحت استعادة المرحلة الأولى من الصاروخ بأمان بعد إنجاز مهمتها وإعادة استخدامها، بما يسهم في رفع كفاءة النقل الفضائي وخفض تكاليف الإطلاق، إحدى القضايا البالغة الأهمية في قطاع الفضاء.
غير أن استعادة المرحلة الأولى من الصاروخ ليست بالمهمة السهلة. ففي هذه العملية، يتعين على المرحلة الأولى تعديل وضعيتها، وإعادة الدخول إلى الغلاف الجوي، ثم الهبوط بدقة في الموقع المحدد، بل إن الصعوبة التقنية لهذه العملية قد تفوق صعوبة عملية الإطلاق نفسها. وقبل الإطلاق الأول للصاروخ “تشانغتشنغ- 10 بي”، لم تنجح سوى شركتين تجاريتين أمريكيتين في استعادة المرحلة الأولى من صاروخ حامل مداري.
قادت الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا إطلاق المركبات التابعة للشركة الصينية لعلوم وتكنولوجيا الفضاء عملية تطوير الصاروخ “تشانغتشنغ- 10 بي”. يبلغ ارتفاع الصاروخ 63 مترا وقطره خمسة أمتار، وتبلغ قوة دفعه عند الإقلاع حوالي 890 طنا، فيما تبلغ كتلته عند الإقلاع نحو 760 طنا. وكونه صاروخا حاملا قابلا لإعادة الاستخدام، لا تقتصر مهمته على إتمام عملية الإطلاق والصعود المعتادة، بل عليه أيضا أن يحقق العودة الآمنة لمرحلته الأولى واستعادتها.
تظل المرحلة الأولى من الصاروخ طوال رحلة عودتها في بيئة من التدفقات الهوائية المعقدة. ويتعين عليها، في أقل من ست دقائق، تنفيذ سلسلة من المناورات الدقيقة والمعقدة، تشمل الاستدارة والكبح لخفض السرعة، والوصول بدقة إلى موقع الاستعادة.
وبشكل أكثر تحديدا، بعد انفصال المرحلتين الأولى والثانية من الصاروخ، تواصل المرحلة الأولى صعودها بالقصور الذاتي، ثم تنفذ مناورة استدارة استعدادا للعودة. بعد ذلك، تعيد تشغيل محركاتها لإبطاء سرعتها، في عملية تشبه الضغط على المكابح. وتستخدم زعانف شبكية لتعديل وضعيتها وتواصل إبطاء سرعتها باستخدام مقاومة الغلاف الجوي. أخيرا، تصل المرحلة الأولى إلى المنطقة البحرية المحددة مسبقا، حيث تتم استعادتها بنظام الالتقاط الشبكي على المنصة البحرية.
يبلغ طول المنصة البحرية “لينغهانغتشه” المستخدمة لاستعادة المرحلة الأولى من الصاروخ “تشانغتشنغ- 10 بي” 144 مترا وعرضها 50 مترا، وهي بمثابة مهبط متنقل ومستقر وسط البحر الشاسع. بعد وصول المرحلة الأولى من الصاروخ فوق المنصة، تستمر في التباطؤ. وفي أثناء ذلك، يقوم نظام الالتقاط الشبكي بمراقبة حالة جسم المرحلة الأولى في الوقت الفعلي، والتنسيق مع حركتها، بينما تقوم المرحلة الأولى بتعديل وضعيتها وسرعتها لضمان دخولها الشبكة بدقة.
تفرض هذه العملية متطلبات كبيرة على تقنيات التحكم الذكي والطيران المستقل للصاروخ، وعلى قدرة المحرك على العمل بثبات وموثوقية في الظروف القاسية. من ناحية أخرى، يصل ارتفاع برج استعادة الصواريخ سبعة وستين مترا، أي ما يعادل ارتفاع مبنى من عشرين طابقا أو أكثر، ويبلغ الوزن الإجمالي للبرج وتجهيزاته حوالي 5400 طن، مما يجعل تصميمه مهمة بالغة الصعوبة ويتطلب دمج تقنيات من مجالات متعددة، مثل الهندسة الميكانيكية والتحكم الآلي وعلم المواد.
يتيح نظام الالتقاط الشبكي مرونة أكبر في التعامل مع انحراف الصاروخ عن نقطة الهبوط المحددة، كما يمكن تكييف النظام لتلبية متطلبات استعادة صواريخ مختلفة الأحجام. وفي المرحلة المقبلة، سيواصل فريق البحث والتطوير تحسين أداء الصاروخ “تشانغتشنغ- 10 بي”، وتسريع عملية تحديث وتطوير تكنولوجيا الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، ومن المتوقع إعادة إطلاق المرحلة الأولى المستعادة قبل نهاية عام 2026.
اختراق في تكنولوجيا استعادة الصواريخ على اليابسة
وعلى خلاف الصاروخ “تشانغتشنغ- 10 بي” الذي تمت استعادته على منصة بحرية عبر نظام الالتقاط الشبكي، اعتمد الصاروخ “تشوتشيويه- 3 واي2” على نظام “أرجل الهبوط+ الإقلاع والهبوط العمودي”. قادت شركة لاند سبيس المحدودة للتكنولوجيا تطوير الصاروخ “تشوتشيويه- 3 واي2”. يتكون الصاروخ من مرحلتين، ويبلغ طوله الإجمالي 1ر66 مترا، ويبلغ قطر جسمه 5ر4 أمتار لكلتا المرحلتين، بينما يبلغ قطر الغلاف الواقي 2ر5 أمتار. ويتم تجهيز المرحلة الأولى من الصاروخ بنظام التحكم في رد الفعل والزعانف الشبكية وأرجل الهبوط، مما يتيح لها الهبوط العمودي وإعادة الاستخدام بعد الإقلاع.
تنقسم أرجل الهبوط لصاروخ “تشوتشيويه- 3 واي2” إلى أرجل رئيسية وأرجل مساعدة، وتعد أرجل الهبوط الرئيسية التي يتجاوز طولها سبعة أمتار بعد نشرها، الدعامة الأساسية التي تضمن الاستعادة الآمنة للصاروخ. خلال مرحلتي الإطلاق والطيران، تبقى هذه الأرجل مطوية بإحكام على جسم الصاروخ، ثم تفتح أقفالها وتنشر بدقة عند ملامسة الأرض، لامتصاص قوة صدمة تعادل وزن أكثر من مائة طن.
وأوضح مسؤول فريق تطوير أرجل الهبوط، أن التحدي الأكبر الذي واجهه الفريق تمثل في المتطلبات الصارمة للغاية التي تفرضها الصواريخ الحاملة فيما يتعلق بخفة وزن المواد المستخدمة. فعلى الرغم من متانة الهياكل الفولاذية التقليدية، فإنها تقلل من الحمولة النافعة للصاروخ. ولهذا السبب، استخدم فريق التطوير سبائك خفيفة الوزن وفائقة القوة في الأرجل المساعدة وأجزاء التوصيل المرتبطة بها، مما سمح بالحد من الوزن الإجمالي للمجموعات الأربع من أرجل الهبوط إلى أقل من أربعة أطنان، وجعلها خفيفة الوزن وقوية في آن واحد.
منظومة جديدة للنقل الفضائي
أدرجت العديد من الدول تطوير قطاع الفضاء التجاري وبناء شبكات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية واستكشاف الفضاء السحيق، ضمن خططها الفضائية. واليوم، يشهد الطلب على إطلاق الأقمار الاصطناعية نموا غير مسبوق، مدفوعا على نحو خاص بالحاجة إلى تشكيل كوكبة ضخمة من الأقمار الاصطناعية للإنترنت، وهو ما يتطلب تنفيذ عمليات إطلاق متكررة بوتيرة سريعة. في ظل ذلك، لم تعد الصواريخ الحاملة التقليدية المستخدمة لمرة واحدة قادرة، من حيث التكلفة والقدرة الإنتاجية، على مواكبة الطلب الراهن على عمليات الإطلاق. وتسعى الصين الآن إلى تطوير تكنولوجيا الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، ورفع كفاءة النقل الفضائي، في إطار توسيع قدراتها وبرامجها الفضائية.
استجابة لاحتياجات المهام الفضائية المختلفة، تعمل الصين على تسريع بناء جيل جديد من منظومة النقل الفضائي التي تمثلها صواريخ “تشانغتشنغ- 10” من طرازات “إيه” و”بي” و”سي”. حاليا، دخل الصاروخ “تشانغتشنغ- 10 إيه” مرحلة الاختبارات وأكمل الصاروخ “تشانغتشنغ- 10 بي” رحلته الأولى بنجاح، بينما لا يزال الصاروخ “تشانغتشنغ- 10 سي” قيد التطوير. وستتولى هذه الطرازات الثلاثة من الصواريخ في المستقبل مهام مختلفة في مجالات مثل الرحلات الفضائية المأهولة والإطلاق التجاري، وبناء شبكات واسعة من الأقمار الاصطناعية.
يمثل الصاروخ “تشانغتشنغ- 10 إيه” جيلا جديدا من الصواريخ الصينية لإطلاق المركبات الفضائية المأهولة وإيصال رواد الفضاء والبضائع إلى المدار الأرضي المنخفض، وسيصبح الوسيلة الرئيسية لنقل رواد الفضاء ذهابا وإيابا بين الأرض ومحطة الفضاء. صممت المرحلة الأولى من الصاروخ لتكون قابلة لإعادة الاستخدام، ويستخدم الصاروخ وقودا غير سام وغير ملوث، يشمل الأكسجين السائل والكيروسين. كما يتميز بكفاءة إطلاق عالية وقدرة كبيرة على حمل الحمولات، مما يتيح له تنفيذ المهام المرتبطة بمحطة الفضاء بأمان وسرعة وكفاءة.
في المستقبل، يمكن للصاروخ “تشانغتشنغ- 10 بي” استخدام المرحلة الأولى المستعادة من الصاروخ “تشانغتشنغ- 10 إيه” في مهام إطلاق، مما يوفر المزيد من بيانات الطيران، تمهيدا لاستخدام الصاروخ “تشانغتشنغ- 10 إيه” في المهام الفضائية المأهولة وتعزيز موثوقيته.
وإلى جانب ذلك، تعمل الصين على تطوير مرحلة أولى أكبر حجما تعمل بالأكسجين السائل والميثان، لدمجها مع المرحلة الثانية العاملة بالأكسجين السائل والميثان من الصاروخ “تشانغتشنغ- 10 بي”، لتطوير الصاروخ “تشانغتشنغ- 10 سي” الحامل الذي يعمل بالأكسجين السائل والميثان في كلتا مرحلتيه. ومن المقرر أن يكون الصاروخ “تشانغتشنغ- 10 سي” أحد الصواريخ الرئيسية المخصصة لمهام الإطلاق التجارية، إذ يتمتع بقدرة حمل عالية، مما يجعله قادرا على تلبية احتياجات مهام الإطلاق التجارية المختلفة على نحو جيد.
ستشكل صواريخ “تشانغتشنغ- 10” من طرازات “إيه” و”بي” و”سي” معا، الأساس المتين لمنظومة النقل الفضائي الصينية. ومع التطور المستمر لتكنولوجيا الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، سيصبح الوصول إلى الفضاء بتكلفة منخفضة وبوتيرة عالية أقرب إلى الواقع.



