أزمة سد النهضة تتجدد بين مصر وإثيوبيا وسط تصاعد التوتر الدبلوماسي

اعداد نور الهدى فجراوي: قسم الاخبار الدولية 23-09-2026
عاد ملف سد النهضة الإثيوبي إلى واجهة التوتر المصري الإثيوبي خلال الأيام الأخيرة، بعد موجة جديدة من التصريحات الرسمية التي أعادت الخلاف حول السد إلى مستوى سياسي أكثر حدة. وبدأت هذه الجولة في 20 سبتمبر 2026، عندما عقد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم اجتماعاً مع ممثلي وسائل إعلام أجنبية في القاهرة، عرض خلاله موقف بلاده من أزمة المياه وسد النهضة، قبل أن تتواصل التصريحات في 21 سبتمبر، ثم تبلغ ذروة جديدة في 22 سبتمبر مع صدور بيان رسمي عن وزارة المياه والطاقة الإثيوبية رداً على الموقف المصري. وبذلك، لم يتجاوز التصعيد الأخير بضعة أيام، لكنه أعاد إلى الواجهة خلافاً ممتداً منذ سنوات، ووسّع النقاش من المسائل الفنية المتعلقة بالسد إلى قضايا السيادة والتنمية والحقوق المائية وطبيعة النظام الذي ينبغي أن يحكم استخدام مياه النيل.
وخلال اجتماع 20 سبتمبر، ركز الوزير المصري على ما تعتبره القاهرة مخاطر مرتبطة بإدارة الموارد المائية في دول المنبع، مؤكداً أن مصر لا يمكنها التعامل مع مسألة تدفقات النيل باعتبارها قضية منفصلة عن أمنها المائي. كما أعاد التأكيد على موقف القاهرة من المفاوضات، مشيراً إلى أن مصر بذلت جهوداً للتوصل إلى اتفاق بشأن السد، في حين ترى أن الجانب الإثيوبي لم يبدِ، من وجهة نظرها، القدر الكافي من الجدية للوصول إلى تسوية. وفي اليوم التالي، اتخذ الخطاب المصري منحى أكثر مباشرة، مع تأكيد سويلم أن القاهرة لن تقبل بما تعتبره محاولة للتحكم في مياه النيل، في إشارة إلى تصريحات إثيوبية سابقة ربطت بناء السدود بمفهوم التحكم في الموارد المائية لأغراض التنمية.
وجاء الرد الإثيوبي في 22 سبتمبر ليحوّل الخلاف إلى مواجهة خطابية أكثر وضوحاً. فقد وصفت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية تصريحات الوزير المصري بأنها، بحسب تعبيرها، «مظهر لعقلية استعمارية فجة»، معتبرة أن القاهرة تتعامل مع حق دول المنبع في تطوير مواردها المائية كما لو أنه مشروط بموافقة مصر. كما دافعت أديس أبابا عن حقها السيادي في استخدام مواردها الطبيعية، بما في ذلك نهر أباي، لتلبية احتياجات الأجيال الحالية والمقبلة، ورفضت ما وصفته بمحاولات احتكار أو إقصاء دول المنبع من عملية اتخاذ القرار بشأن موارد الحوض. ويظهر هنا أن إثيوبيا لم تكتف بالرد على مضمون التصريحات المصرية، بل أعادت وضع القضية ضمن خطاب أوسع يتعلق بتاريخ العلاقات بين دول حوض النيل وبحق الدول الإفريقية في التحكم في مواردها وتنميتها.
ورغم أن اللهجة المتبادلة خلال هذه الجولة بدت أكثر حدة، فإن جذور الأزمة تعود إلى طبيعة المصالح المتعارضة حول مشروع سد النهضة نفسه. فمنذ بدء بناء السد على النيل الأزرق عام 2011، قدمت إثيوبيا المشروع باعتباره أحد أهم مشاريعها الوطنية لإنتاج الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية، بينما رأت مصر فيه مشروعاً يمكن أن يؤثر في مورد مائي تعتمد عليه بصورة كبيرة. ولذلك أصبح السؤال المركزي بالنسبة إلى القاهرة ليس فقط ما إذا كان السد سيُستخدم لتوليد الكهرباء، وإنما كيف ستتم إدارة مخزون المياه والتدفقات في السنوات العادية والسنوات التي تشهد جفافاً أو انخفاضاً في الإيرادات المائية. وفي المقابل، ترفض إثيوبيا أن يؤدي أي اتفاق إلى تحويل تشغيل السد إلى مسألة خاضعة لقيود دائمة على قراراتها السيادية. وتؤكد تصريحات المسؤولين الإثيوبيين خلال الفترة الأخيرة استمرار هذا الموقف.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين الخلاف حول وجود السد والخلاف حول قواعد تشغيله. فالسد أصبح واقعاً قائماً، ولذلك انتقل مركز الثقل في الأزمة من مرحلة الاعتراض على الإنشاء إلى مرحلة البحث عن القواعد التي ستحدد طريقة استخدامه وإدارته مستقبلاً. وتطالب مصر منذ سنوات بإطار قانوني ملزم ينظم عملية التشغيل، وخاصة في فترات الجفاف، ويحدد آليات تبادل المعلومات والتنسيق بين الدول الثلاث، بينما ترى إثيوبيا أن الاتفاق لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة تحد من قدرتها على إدارة المشروع وفق احتياجاتها الوطنية. ولهذا السبب ظل الجانب القانوني من أكثر الملفات تعقيداً، لأن أي صيغة يتم الاتفاق عليها اليوم يمكن أن تؤثر في العلاقة المائية بين الدول الثلاث لعقود مقبلة.
ويكتسب عامل الجفاف أهمية خاصة في الحسابات المصرية، لأن القضية لا تتعلق فقط بكمية المياه التي تصل إلى مصر في الظروف الطبيعية، وإنما بمدى قدرة النظام المائي على التعامل مع سنوات متتالية من انخفاض الأمطار والإيرادات. ومن هنا، تركز القاهرة على وجود قواعد مسبقة للتعامل مع الظروف الاستثنائية بدلاً من ترك إدارة هذه الحالات لقرارات منفردة. أما إثيوبيا، فترى أن فرض قواعد شديدة التقييد على تشغيل السد يمكن أن يقلص الفوائد الاقتصادية والتنموية للمشروع، ولذلك تتمسك بمبدأ الإدارة السيادية للمشروع مع الدعوة، في خطابها الرسمي، إلى التعاون بين دول الحوض.
ويكشف التصعيد الحالي أيضاً عن اختلاف في طريقة تعريف الأمن المائي بين البلدين. فمصر تتعامل مع مياه النيل باعتبارها مسألة ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي، في ظل محدودية الموارد المائية واعتماد قطاعات واسعة من السكان والزراعة والاقتصاد على النهر. وفي المقابل، تنظر إثيوبيا إلى المياه أيضاً باعتبارها مورداً للتنمية والطاقة وإعادة بناء الاقتصاد، خصوصاً أن مشروع سد النهضة يرتبط بإنتاج الكهرباء وتوسيع القدرة على التنمية في بلد يمتلك إمكانات مائية كبيرة. وهذا الاختلاف في الأولويات يجعل كل طرف ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة: القاهرة تركز على ضمان التدفقات وتقليل المخاطر، بينما تركز أديس أبابا على الاستفادة من الموارد وتوسيع هامش القرار الوطني.
ويظهر السودان في قلب هذه المعادلة، بحكم موقعه الجغرافي بين إثيوبيا ومصر وبحكم ارتباط أراضيه مباشرة بمجرى النيل الأزرق. ويمكن لتشغيل السد أن تكون له آثار إيجابية محتملة بالنسبة إلى السودان من حيث تنظيم التدفقات وتقليل بعض مخاطر الفيضانات وتوفير الطاقة، لكن ذلك يتطلب مستوى مرتفعاً من التنسيق وتبادل البيانات، خصوصاً في حالات الطوارئ. كما أن موقع السودان السياسي والأمني خلال السنوات الأخيرة يجعل مواقفه وقدرته على التحرك الدبلوماسي جزءاً من المعادلة الإقليمية الأوسع، بدلاً من اختزال القضية في العلاقة الثنائية بين القاهرة وأديس أبابا.
ومن الناحية الجيوسياسية، يتجاوز الخلاف حدود الملف المائي ليعكس تحولاً أوسع في موازين القوى داخل حوض النيل والقرن الإفريقي. فإثيوبيا تسعى إلى تعزيز موقعها كقوة إقليمية قادرة على استثمار مواردها الطبيعية وتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي، بينما تحاول مصر الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في محيطها الإفريقي وضمان عدم ظهور ترتيبات إقليمية جديدة تمس أمنها المائي. ولذلك أصبح سد النهضة جزءاً من تفاعلات أوسع تتداخل فيها قضايا المياه والطاقة والتنمية والسيادة والنفوذ الإقليمي.
كما أن طبيعة الخطاب الإثيوبي الأخير تعكس رغبة واضحة في إعادة تأطير النزاع. فبدلاً من حصر القضية في الخلاف حول كمية المياه أو قواعد تشغيل السد، تربط أديس أبابا موقفها بمبدأ أوسع يتمثل في حق دول المنبع في استخدام مواردها الطبيعية دون أن تكون قراراتها التنموية مرهونة بموافقة دول أخرى. وفي المقابل، تتمسك القاهرة بمنظور يقوم على أن النيل مورد عابر للحدود، وأن سيادة كل دولة على أراضيها لا تلغي مسؤوليتها تجاه الدول الأخرى التي تعتمد على المورد نفسه. وهنا تبرز واحدة من أصعب نقاط النزاع: كيفية التوفيق بين مبدأ السيادة الوطنية ومبدأ عدم الإضرار بالمصالح المائية للدول المتشاطئة.
وتزداد حساسية هذه المسألة بسبب البعد التاريخي والقانوني الذي يحيط بعلاقات دول حوض النيل. فمصر تستند في خطابها إلى منظومة من الاتفاقات والترتيبات التاريخية التي ترى أنها توفر أساساً لحقوقها المائية، بينما ترفض إثيوبيا النظر إلى هذه الترتيبات باعتبارها أساساً دائماً لتوزيع الموارد، وتطرح بدلاً من ذلك مفاهيم الاستخدام المنصف والتعاون بين دول الحوض. ولذلك فإن الخلاف لا يتعلق فقط بتفسير وضع سد النهضة، بل يعكس أيضاً اختلافاً أعمق حول القواعد التي ينبغي أن تحكم النظام المائي في حوض النيل خلال المرحلة المقبلة.
ومن هذه الزاوية، فإن التصعيد الذي وقع بين 20 و22 سبتمبر 2026 يحمل دلالة تتجاوز مجرد التراشق الإعلامي. فقد أظهر أن الخلاف لم يُغلق رغم سنوات المفاوضات، وأن القضايا الأساسية المتعلقة بالتشغيل والجفاف والبيانات والالتزامات القانونية ما زالت قادرة على إعادة إنتاج التوتر كلما تبادل المسؤولون تصريحات أكثر حدة. وفي الوقت نفسه، فإن انتقال الخطاب إلى مفردات مرتبطة بالاستعمار والهيمنة والسيادة يزيد من صعوبة فصل الجانب الفني عن الحسابات السياسية، ويجعل أي مفاوضات مستقبلية مرتبطة أيضاً بقدرة الطرفين على تخفيف الخطاب المتبادل وإعادة بناء مساحة للحوار.
ومع ذلك، لا يعني التصعيد الحالي بالضرورة انتقال العلاقات المصرية الإثيوبية إلى مواجهة مباشرة، إذ لا تزال طبيعة القضية تفرض الحاجة إلى التواصل والتفاوض. فسد النهضة أصبح جزءاً دائماً من البيئة المائية والاقتصادية في المنطقة، وأي ترتيبات مستقرة بشأنه تحتاج إلى درجة من التنسيق بين الدول الثلاث، سواء فيما يتعلق بالبيانات أو إدارة الظروف الهيدرولوجية الاستثنائية أو سلامة المنشأة. ولذلك تبقى المشكلة الأساسية أمام المسار الدبلوماسي هي إيجاد صيغة تستطيع في الوقت نفسه حماية المصالح المائية المصرية، والحفاظ على قدرة إثيوبيا على الاستفادة من السد، وإعطاء السودان دوراً واضحاً في منظومة التعاون.
وفي هذا السياق، تكشف الجولة الأخيرة أن مستقبل الأزمة لن يتحدد فقط بمدى انخفاض أو ارتفاع منسوب الخطاب السياسي، وإنما بقدرة الأطراف على معالجة الملفات التي ظلت عالقة طوال سنوات. فكلما بقيت قواعد التشغيل والتعامل مع الجفاف وتبادل البيانات دون إطار واضح، ستظل إمكانية عودة التوتر قائمة حتى بعد هدوء التصريحات. أما التوصل إلى ترتيبات أكثر استقراراً، فيتطلب الانتقال من منطق المواقف المتعارضة إلى بناء آلية دائمة للتنسيق، تأخذ في الاعتبار اختلاف احتياجات دول المنبع والمصب ولا تجعل أمن دولة على حساب أمن الأخرى.
وبذلك، تعكس أزمة سد النهضة في سبتمبر 2026 استمرار صراع أوسع حول المياه والسيادة والتنمية وإعادة توزيع النفوذ في حوض النيل. فالتصعيد الذي بدأ في 20 سبتمبر وانتهى إلى رد إثيوبي رسمي شديد اللهجة في 22 سبتمبر لم ينشئ الخلاف من جديد، وإنما كشف عن استمرار القضايا التي حالت دون الوصول إلى تسوية نهائية. وبينما تواصل مصر التأكيد على ضرورة حماية أمنها المائي ووضع قواعد واضحة وملزمة للتشغيل، تواصل إثيوبيا التأكيد على حقها في التنمية والسيادة على مواردها، ما يجعل التحدي الأساسي أمام المرحلة المقبلة هو إيجاد إطار تعاوني يستطيع استيعاب هذين الموقفين المتعارضين دون تحويل الخلاف المائي إلى مصدر دائم للتوتر الإقليمي.



