أزمة رئاسة مجلس النواب الليبي تتصاعد وقوة عسكرية تمنع نواباً من عقد جلسة في بنغازي

قسم الاخبار الدولية 21-09-2026
شهدت مدينة بنغازي، الاثنين 21 سبتمبر 2026، تصعيداً جديداً داخل مجلس النواب الليبي، بعدما انتشرت قوة تابعة لرئاسة الأركان العامة المحسوبة على «القيادة العامة» أمام مقر المجلس، ومنعت عدداً من النواب من الدخول لعقد جلسة تشاورية كانت مخصصة لمناقشة تعديل اللائحة الداخلية، ولا سيما البنود المرتبطة بمدة رئاسة المجلس وآليات تداول رئاسته. وأفادت مصادر برلمانية بأن القوة أبلغت النواب بوجود تعليمات بعدم عقد أي جلسة في ذلك اليوم، في ظل عدم توجيه رئاسة المجلس دعوة رسمية لعقدها.
ويأتي هذا التطور في سياق خلاف متصاعد داخل مجلس النواب بشأن استمرار عقيلة صالح في رئاسة المجلس، وهو منصب يتولاه منذ عام 2014. ويطالب نواب معارضون لإدارة المجلس بإعادة النظر في اللائحة الداخلية وإعادة تفعيل أحكام تتيح تداول رئاسة المجلس، معتبرين أن تعديل اللائحة الذي سمح باستمرار الوضع الحالي يستوجب المراجعة. ووفق مصادر برلمانية، كان النواب المقاطعون يعتزمون عقد جلسة تشاورية لتنسيق مواقفهم ومناقشة تعديل اللائحة قبل الانتقال إلى بقية الملفات السياسية.
وتعود جذور التصعيد الحالي إلى جلسة 14 سبتمبر 2026، التي صوّت خلالها مجلس النواب على اعتماد الاتفاق النهائي للجنة الحوار المصغر «4+4»، برئاسة عقيلة صالح. وأعلنت وكالة الأنباء الليبية أن المجلس صوّت بالإجماع على الاتفاق خلال جلسة عقدت في مقره ببنغازي. غير أن الجلسة أثارت خلافاً حول النصاب القانوني، بعدما أعلن عشرات النواب مقاطعتها وطالبوا بإدراج تعديل اللائحة الداخلية على جدول الأعمال قبل مناقشة الاتفاق. وأفادت مصادر برلمانية بأن عدد المشاركين في الجلسة كان محدوداً، بينما شكك نواب آخرون في استيفاء النصاب المطلوب.
ويحمل الخلاف بعداً سياسياً يتجاوز مسألة الإجراءات البرلمانية، إذ يرتبط أيضاً بالتوازنات داخل المعسكر الشرقي الليبي. وتشير مصادر برلمانية إلى وجود تباينات بين مجموعات مختلفة محسوبة على «القيادة العامة»، في وقت يدعم فيه بعض النواب المقاطعين صدام حفتر، نائب القائد العام، بينما ترتبط رئاسة مجلس النواب بتوازنات وتحالفات مع شخصيات أخرى داخل المنظومة السياسية والعسكرية في شرق ليبيا. ويجعل ذلك من مسألة رئاسة البرلمان جزءاً من صراع أوسع حول توزيع النفوذ داخل المؤسسات القائمة في شرق البلاد.
وفي المقابل، يحظى اتفاق «4+4» بأهمية خاصة في المسار السياسي الليبي، إذ رحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا باعتماد مجلس النواب للاتفاق، واعتبرته خطوة مهمة ضمن خارطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة بهدف تجاوز حالة الجمود السياسي وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية شاملة وذات مصداقية. كما أشارت البعثة إلى بيان مشترك وقّعه 103 نواب دعماً للاتفاق.
ويكشف التصعيد داخل مجلس النواب عن مفارقة في المشهد الليبي الراهن: ففي الوقت الذي تحاول فيه الأطراف الدولية والأممية دفع المؤسسات الليبية نحو توافقات تسمح باستئناف المسار الانتخابي، تستمر الخلافات حول شرعية الإجراءات البرلمانية وترتيبات قيادة المؤسسات نفسها. ويعيد ذلك إلى الواجهة مسألة قدرة المؤسسات السياسية الليبية على إنتاج توافقات مستقرة بعيداً عن تأثير موازين القوة العسكرية والأمنية.
كما أن تطويق مقر مجلس النواب ومنع نواب من عقد اجتماع تشاوري، بغض النظر عن طبيعته غير الرسمية، يسلط الضوء على استمرار التداخل بين المجالين السياسي والأمني في شرق ليبيا. فالمشهد لا يعكس فقط خلافاً حول شخصية رئيس المجلس، بل يكشف أيضاً عن صعوبة فصل العمل البرلماني عن شبكة التحالفات العسكرية والسياسية التي تشكل جزءاً أساسياً من بنية السلطة في البلاد.
وفي ظل استمرار الخلاف حول اللائحة الداخلية ورئاسة مجلس النواب، ستبقى قدرة المؤسسة التشريعية على توحيد مواقف أعضائها عاملاً مؤثراً في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن المسار السياسي المدعوم من الأمم المتحدة يتطلب توافقاً مؤسسياً يسمح بالانتقال من الترتيبات الانتقالية المتنازع عليها إلى انتخابات وطنية. وبالتالي، فإن أزمة رئاسة مجلس النواب باتت مرتبطة بشكل مباشر بالنقاش الأوسع حول مستقبل المؤسسات الليبية ومسار توحيدها والانتقال نحو تسوية سياسية شاملة.



