الصين تنتقد قانون العقوبات “الجهنمي” الذي أصدره ترامب

قسم البحوث والدراسات الاستراجية 20-09-2026
تتأرجح العلاقات الاقتصادية والجيوسياسية بين واشنطن وبكين على وقع جولة جديدة من التصعيد التشريعي والجمركي، تجسدت في الرفض الصيني الحاد لمشاريع القوانين وحزم العقوبات الأمريكية الموسعة والموصوفة في الأدبيات التشريعية بـ “العقوبات الجهنمية”، ولا يقف هذا التصعيد عند حدود التنافس التجاري التقليدي أو فرض الرسوم الحمائية الاستثنائية، بل يمثل تحولاً بنيوياً في إدارة الصراع الجيو-اقتصادي بين القوى الكبرى؛ إذ تسعى الولايات المتحدة عبر تفعيل آلية “العقوبات الثانوية” والتشريعات عابرة الحدود إلى تحجيم الشراكات الإستراتيجية لبكين، وتحديداً في قطاعات الطاقة وسلاسل التوريد الحيوية.
في المقابل، ترتكز بكين على موقعها المحوري في الاقتصاد العالمي وأوراق ردعها التكنولوجية والمادية لرفض هذه التدابير، باعتبارها انتهاكاً صارخاً للسيادة الاقتصادية وقواعد منظمة التجارة العالمية، مما يضع النظام المالي والتجاري الدولي أمام مرحلة إعادة تشكيل شاملة.
فإلى أي مدى تُسهم حزم العقوبات والتشريعات الأمريكية الاستثنائية “العقوبات الجهنمية” في إعادة ترسيم حدود الصراع الجيو-اقتصادي مع الصين؟
وهل تملك بكين أدوات ردع هيكلية قادرة على تحييد مفاعيل الضغط المالي والجمركي الأمريكي، أم أن هذا التصعيد يدفع النظام الدولي نحو “تجزئة حتمية” لسلاسل التوريد والأنظمة المالية؟
أبعاد التشريع عابر للحدود وآلية “العقوبات الثانوية“
تستند الإستراتيجية الأمريكية الراهنة إلى توسيع نطاق الولاية القضائية المحلية لتطال أطرافاً ثالثة عبر أدوات النفوذ المالي. ولا تقتصر مخاطر هذه التشريعات على تقييد حركة الطرف المستهدف بالقرار الأصلي، بل تتعداه لفرض رسوم جمركية عقابية وتدابير استثنائية على الشركات والدول الكبرى وفي مقدمتها الصين، في حال استمرار تعاملاتها التجارية وتدفقات الطاقة مع الأطراف المدرجة على قوائم الحظر الأمريكية.
ترى القراءة الإستراتيجية الصينية في هذه الإجراءات محاولة لإعادة صياغة قواعد التجارة الدولية بالقوة القسرية، وتجاوز آليات السوق الحر لصالح استراتيجية قمع اقتصادي أحادي الطرف تمس الاستقلالية السيادية للدول الناشئة.
المحاور الجيو-اقتصادية للموقف الصيني
يرتكز الرفض الصيني على ثلاثة أبعاد إستراتيجية تتجاوز نطاق الاحتجاج الدبلوماسي التقليدي:
- أمن الطاقة وسلاسل الإمداد: تعتبر بكين أن محاولة تقييد وارداتها من النفط والغاز عبر العقوبات الثانوية تهدف مباشرة إلى التحكم في تكلفة الإنتاج الصناعي الصيني، وإعادة تشكيل خريطة تدفقات الطاقة العالمية لصالح الهيمنة الغربية.
- السيادة الاقتصادية ورفض الولاية عابرة الحدود: تُصر الصين على أن شراكاتها التجارية تُبنى وفقاً لاحتياجاتها التنموية والمنافع المتبادلة، وأن الانصياع للتشريعات الأمريكية يُعد سابقة تُقوض القانون الدولي وقواعد منظمة التجارة العالمية.
- تسريع التحوط المالي: يفرز الضغط الأمريكي دافعاً إستراتيجياً لدى بكين لتقليل الاعتماد على نظام “سويفت” (SWIFT) والتوسع في استخدام اليوان (RMB) عبر نظام المقاصة الصيني (CIPS) والمبادلات السلعية المباشرة.
موازين الردع وأوراق الضغط المقابلة
في مواجهة آليات الضغط التشريعي والجمركي الأمريكي، تمتلك بكين مقومات ردع هيكلية تُعيد توازن القوى:
- الهيمنة على سلاسل المعادن الحيوية: تحتكر الصين نسبة حاكمة من عمليات معالجة وإنتاج المعادن الأرضية النادرة والعناصر الاستراتيجية المشغّلة للصناعات التقنية والعسكرية الغربية. ويشكل فرض قيود أو حصص على تصدير هذه المواد أداة ردع موازية للرسوم الجمركية.
- تفعيل التكتلات متعددة الأطراف: تعمل بكين على توظيف أطر الشراكة ضمن تكتل “بريكس” ومنظمة شنغهاي للتعاون لإنشاء بيئات تجارية ومالية مستقلة تتعامل بالعملات المحلية، مما يضعف كفاءة العقوبات الأمريكية الثانوية على المدى المتوسط والبعيد.
الخلاصة التقييمية
تُثبت القراءة المتأنية لآليات التصعيد الراهن أن استخدام واشنطن للتشريعات عابرة الحدود كأداة ضغط سياسي واقتصادي بات يواجه حدوداً هيكلية أمام دولة بحجم الاقتصاد الصيني، وإن لجوء بكين إلى تحصين سوقها عبر شبكات التسوية بالعملات الوطنية، والتحكم في إمدادات المعادن الحيوية والأرضية النادرة، يُعزز من معادل ردع متبادل يقلل من نجاعة العقوبات الثانوية على المدى الطويل.
وفي المحصلة، فإن هذا الاستقطاب المتصاعد لا يتجه نحو حسم طرف لصالحه على حساب الآخر، بل يسارع في تفكيك أحادية النظام المالي الدولي وتسريع ظاهرة “تجزئة الاقتصاد العالمي”.
وبذلك، ينتقل العالم تدريجياً من نظام تجاري موحد يخضع للقواعد الغربية إلى نظام متعدد الأقطاب يتشكل من أكتال اقتصادية ومناطق نفوذ مالية متوازية، تحمل في طياتها مخاطر مرتفعة على استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.



