آسياأخبار العالمالشرق الأوسط

اللقاء الإيراني الصيني: الصين تدعو إلى إعادة فتح مضيق هرمز

 

دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي، الأربعاء 16 سبتمبر 2026، إيران والولايات المتحدة إلى التحلي بالحكمة وضبط النفس والعمل على إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية، في ظل استمرار التوترات العسكرية في المنطقة وتراجع حركة السفن عبر أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.

وجاءت تصريحات وانغ يي خلال لقائه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في العاصمة الصينية بكين، حيث بحث الجانبان تطورات الأزمة الإقليمية وانعكاساتها على أمن الملاحة والطاقة. وأكد الوزير الصيني أن بكين تحث طهران وواشنطن على العودة إلى مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في إسلام آباد والانخراط في مشاورات جوهرية بشأن القضايا محل الخلاف، باعتبار الحوار والمسار الدبلوماسي الطريق الأنسب لاحتواء التصعيد.

وشدد وانغ يي على أن الصين تدعو جميع الأطراف المعنية إلى اتخاذ إجراءات عملية تسمح بإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة الملاحة بصورة طبيعية وآمنة في أقرب وقت ممكن. كما أكد أهمية ضمان حرية وأمن الملاحة في المضيق، في موقف يعكس القلق الصيني من التداعيات المتزايدة التي يمكن أن تترتب على استمرار اضطراب أحد أهم ممرات تجارة الطاقة العالمية.

ويأتي التحرك الصيني في وقت تشهد فيه حركة السفن عبر المضيق تراجعًا حادًا. فقد أظهرت بيانات أولية لحركة الملاحة أن أربع سفن فقط عبرت مضيق هرمز يوم الثلاثاء، بواقع سفينتين دخلتا المضيق وسفينتين غادرتاه، مقارنة بمتوسط بلغ 18 سفينة يوميًا خلال الأيام العشرة السابقة. ولم تشمل حركة العبور المسجلة أي ناقلات نفط عملاقة جدًا أو ناقلات للغاز الطبيعي المسال. وتشير البيانات في الوقت نفسه إلى أن بعض السفن قد لا تظهر في سجلات التتبع بسبب إيقاف أجهزة الإرسال الخاصة بها.

وتكمن أهمية هذه التطورات في الموقع الاستراتيجي لمضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، ويُعد أحد أهم الممرات المستخدمة في نقل النفط والغاز إلى الأسواق العالمية. ولذلك فإن انخفاض حركة الملاحة فيه لا يمثل مجرد مشكلة بحرية إقليمية، بل ينعكس بصورة مباشرة على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد وأسعار النفط والغاز وتكاليف النقل والتأمين البحري.

المذكرة الباكستانية في صلب المسار الدبلوماسي

ويكتسب حديث وانغ يي عن العودة إلى مذكرة إسلام آباد أهمية خاصة، في ضوء الموقف الإيراني المعلن خلال الأيام الماضية. فقد أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إعادة فتح مضيق هرمز ترتبط بعودة الولايات المتحدة إلى الالتزامات التي تضمنتها المذكرة، ما يعني أن طهران تتعامل مع حرية الملاحة باعتبارها جزءًا من ترتيبات سياسية وأمنية أوسع، وليس باعتبارها ملفًا منفصلًا عن مسار التفاوض.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن بكين تحاول دفع الأطراف نحو إعادة تفعيل إطار تفاوضي قائم بدل البحث عن ترتيبات عسكرية منفصلة لتأمين الملاحة. ويعكس ذلك المقاربة الصينية التي تركز على خفض التصعيد من خلال الحوار والتفاهمات السياسية، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة استعادة حركة التجارة البحرية.

الصين بين أمن الطاقة والوساطة الدبلوماسية

ولا يمكن فصل الموقف الصيني عن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لبكين. فالصين من كبار المستوردين للطاقة من منطقة الخليج، وأي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز يمكن أن يؤثر في تدفقات النفط والغاز وفي تكاليف النقل والتأمين، فضلًا عن انعكاساته على الاقتصاد العالمي.

وقد اتخذت بكين خلال الأزمة موقفًا حذرًا يجمع بين الدعوة إلى التهدئة والحفاظ على علاقاتها مع طهران، مع تجنب تحويل تدخلها الدبلوماسي إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن. ويأتي لقاء وانغ يي وعراقجي في هذا السياق، حيث أعلنت الخارجية الصينية مسبقًا أن الوزير الإيراني سيزور بكين في 16 سبتمبر لإجراء محادثات مع نظيره الصيني.

وتحاول الصين من خلال هذا الدور الحفاظ على موقعها كطرف قادر على التواصل مع مختلف أطراف الأزمة، خصوصًا في ظل تراجع قنوات الحوار المباشر بين إيران والولايات المتحدة. ومن شأن نجاح أي مسار تفاوضي بشأن هرمز أن يمنح بكين مساحة أكبر للاضطلاع بدور دبلوماسي في إدارة الأزمات الإقليمية.

أزمة الملاحة تتجاوز مضيق هرمز

ولا تقتصر تداعيات اضطراب الملاحة على مضيق هرمز وحده. فالتوترات الإقليمية انعكست كذلك على باب المندب والبحر الأحمر، وهما ممران يرتبطان بصورة مباشرة بشبكات التجارة والطاقة التي تمر عبر المنطقة. وبحسب بيانات الملاحة الأخيرة، بلغ عدد السفن العابرة لباب المندب 22 سفينة يوم الثلاثاء، مقارنة بـ24 في اليوم السابق، وهو مستوى أكثر استقرارًا نسبيًا من حركة الملاحة في هرمز.

ويكشف الترابط بين هذين الممرين عن طبيعة الجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة؛ فاضطراب أحدهما يمكن أن يدفع شركات الشحن والدول المستوردة للطاقة إلى البحث عن طرق بديلة، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل وإطالة مسارات الإمداد وزيادة الضغوط على الأسواق.

تداعيات اقتصادية متزايدة

وقد بدأت تداعيات الأزمة تظهر بوضوح في أسواق الطاقة. ففي الوقت الذي بقيت فيه حركة السفن عبر هرمز عند مستويات منخفضة، لجأت بعض الدول المنتجة إلى البحث عن مسارات بديلة لتصدير النفط. وأعلنت السعودية، على سبيل المثال، عن توفير شحنات إضافية عبر ميناء صحار العُماني، في محاولة للتخفيف من آثار اضطرابات الإمدادات. كما ظلت أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، في حين اقتربت أسعار الديزل الأوروبية من مستويات قياسية نتيجة تراجع الإمدادات من الشرق الأوسط ومصادر أخرى.

ويعني استمرار انخفاض حركة الملاحة أن الأسواق لا تواجه فقط خطر ارتفاع الأسعار، وإنما أيضًا حالة من عدم اليقين بشأن قدرة المنتجين والمستوردين وشركات النقل على الحفاظ على تدفقات مستقرة للطاقة. كما أن استمرار الأزمة لفترة أطول قد يزيد من تكاليف التأمين البحري ويؤثر في قرارات شركات الشحن بشأن المرور عبر المنطقة.

مسار دبلوماسي في مواجهة خطر التصعيد

ويأتي الموقف الصيني في مرحلة تتزايد فيها المخاوف من انتقال التصعيد إلى ساحات أخرى في المنطقة. فقد حذر وانغ يي من ضرورة منع توسع الأزمة، ودعا إلى استئناف المشاورات بين إيران والولايات المتحدة، معتبرًا أن معالجة الخلافات عبر الحوار يمكن أن تساهم في استعادة الاستقرار الإقليمي.

ومن الناحية الجيوسياسية، لا يتعلق ملف مضيق هرمز بحرية الملاحة فقط، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بموازين القوى في الخليج، وأمن الطاقة العالمي، والعلاقة بين إيران والولايات المتحدة، إضافة إلى الدور المتزايد للقوى الدولية في إدارة أزمات الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، تمثل الدعوة الصينية لإعادة فتح المضيق محاولة للجمع بين خفض التصعيد العسكري وحماية المصالح الاقتصادية الدولية وإعادة إطلاق المسار الدبلوماسي. غير أن نجاح هذه الجهود يبقى مرتبطًا بقدرة طهران وواشنطن على التوصل إلى تفاهمات بشأن الشروط الأمنية والسياسية التي تحيط بالملاحة في المضيق.

وبذلك، يتحول مضيق هرمز من مجرد ممر بحري استراتيجي إلى ورقة تفاوضية مركزية في الأزمة الإقليمية، بينما تسعى الصين إلى الدفع باتجاه تسوية دبلوماسية تمنع استمرار اضطراب الملاحة وتحول دون انتقال الأزمة إلى مزيد من الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق