أخبار العالمالشرق الأوسط

عراقجي يرد بأرقام من البنتاغون على طرح إيران بلا دفاعات

ردّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على التصريحات الأميركية التي تحدثت عن فقدان إيران قدرتها على الدفاع عن نفسها، مستندًا في رده إلى ما ورد في تقرير صادر عن المفتش العام لوزارة الدفاع الأميركية بشأن تداعيات الحرب مع إيران. ويأتي هذا السجال في وقت تحاول فيه كل من طهران وواشنطن تقديم روايتها الخاصة حول حصيلة العمليات العسكرية التي دخلت شهرها السابع، في ظل استمرار التوتر الإقليمي وتداعياته على القواعد الأميركية وحركة الملاحة والطاقة في المنطقة.

وقال عراقجي في منشور عبر منصة «إكس» إن الادعاء بأن «إيران بلا دفاعات» يتناقض مع ما وصفه بالوقائع الميدانية، مشيرًا إلى تعرض مئات القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية للقصف وإلى احتراق عشرات الطائرات الأميركية. وأضاف أن ما تم الكشف عنه حتى الآن لا يمثل سوى جزء من حجم الخسائر، مؤكدًا أن طهران ستكشف في الوقت المناسب، بحسب قوله، عن الحصيلة الكاملة للخسائر الأميركية.

ويستند رد عراقجي بصورة أساسية إلى تقرير المفتش العام لوزارة الدفاع الأميركية الصادر في 14 سبتمبر الجاري حول عملية «Epic Fury». ويغطي التقرير الفترة الممتدة حتى 30 يونيو 2026، ويقدم أول تقييم رقابي شامل للعملية من جانب مكتب المفتش العام، بما في ذلك الأنشطة العسكرية الأميركية والتداعيات المرتبطة بالعمليات ضد إيران.

ويشير التقرير، وفق ما نقلته مصادر إعلامية عن نتائجه، إلى تعرض مئات المباني والمنشآت العسكرية الأميركية في عدد من دول المنطقة لأضرار أو تدمير، بما في ذلك منشآت في الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة والسعودية والعراق وسلطنة عُمان والأردن. كما أشار إلى تعرض عدد من الطائرات العسكرية الأميركية لأضرار أو تدمير خلال العمليات، في حين أكدت وزارة الدفاع الأميركية للمرة الأولى تعرض مقاتلة من طراز «F-35» لنيران معادية وتضررها خلال مهمة فوق إيران.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة لأنها لا تأتي من الجانب الإيراني وحده، وإنما ترتبط بتقييم صادر عن مؤسسة رقابية أميركية رسمية. غير أن ذلك لا يعني أن التقرير يثبت جميع الأرقام التي أوردها عراقجي أو أن كل الخسائر التي تحدث عنها الوزير الإيراني قد تم توثيقها بصورة مستقلة. فالقول بتضرر أو تدمير مئات المنشآت الأميركية يختلف عن إثبات حجم الخسائر البشرية أو العسكرية الكاملة، كما أن التقرير يغطي فترة زمنية تنتهي في 30 يونيو، بينما استمرت العمليات والتطورات العسكرية بعد ذلك التاريخ.

وفي جانب آخر، تحدث التقرير الأميركي عن ضغوط على مخزونات بعض الذخائر نتيجة الاستهلاك العسكري المرتفع خلال الحرب، وهو ما يضيف بعدًا آخر إلى النقاش حول تكلفة العمليات بالنسبة إلى واشنطن. وتأتي هذه المعطيات في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات مرتبطة بإعادة تكوين بعض المخزونات وبالقدرة الصناعية على تعويض الذخائر المستهلكة بالوتيرة نفسها.

ومن منظور عسكري، فإن النقاش حول عبارة «إيران بلا دفاعات» يحتاج إلى التمييز بين تراجع بعض القدرات الدفاعية الإيرانية وبين فقدان إيران القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية أو الرد على القوات الأميركية. فحتى في حال تعرض منظومات دفاع جوي أو منشآت عسكرية إيرانية لأضرار كبيرة، لا يعني ذلك بالضرورة اختفاء قدرة الدولة على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والوسائل غير المتماثلة لضرب أهداف عسكرية أو الضغط على المصالح والقواعد الأميركية في المنطقة.

وهنا تكمن أهمية الاستراتيجية الإيرانية خلال الحرب، إذ لا ترتبط القدرة على الرد بالاحتفاظ بمنظومة دفاع جوي متكاملة فقط، وإنما تشمل كذلك القدرة على إطلاق الصواريخ والمسيّرات، واستهداف القواعد والمنشآت العسكرية، وتهديد خطوط الإمداد والممرات البحرية، واستخدام العمق الإقليمي في إدارة الصراع. وبالتالي فإن تقييم القدرات العسكرية الإيرانية لا يمكن اختزاله في سؤال ما إذا كانت بعض منشآتها الدفاعية قد دمرت أم لا، بل يتطلب النظر إلى قدرتها المتبقية على مواصلة العمليات وفرض تكاليف عسكرية واقتصادية على الخصم.

وفي المقابل، فإن الأضرار التي لحقت بالمنشآت الأميركية في الخليج تكشف جانبًا آخر من طبيعة الحرب، وهو أن التفوق الجوي والتكنولوجي الأميركي لا يلغي بالكامل نقاط الضعف المرتبطة بالانتشار العسكري في منطقة جغرافية واسعة. فالولايات المتحدة تعتمد على شبكة من القواعد والمنشآت اللوجستية المنتشرة في عدد من الدول، وهو ما يجعل هذه المنشآت عرضة للاستهداف في حال امتلك الطرف المقابل وسائل قادرة على تجاوز بعض طبقات الدفاع.

وتبرز هنا أهمية القواعد الأميركية في الخليج، ليس فقط باعتبارها منشآت عسكرية منفصلة، وإنما باعتبارها جزءًا من منظومة إقليمية مترابطة للقيادة والإمداد والاستطلاع والدعم الجوي والبحري. وأي أضرار تصيب هذه الشبكة يمكن أن تفرض أعباء إضافية على عمليات الانتشار والحماية وإعادة التموضع، حتى عندما لا تؤدي تلك الأضرار إلى تعطيل الوجود العسكري الأميركي بصورة كاملة.

كما أن المعركة لا تجري على المستوى العسكري فقط، بل تمتد إلى المجال السياسي والإعلامي والاستراتيجي. فواشنطن تسعى إلى إظهار أن الضربات التي نفذتها أضعفت القدرات الإيرانية بصورة كبيرة، بينما تحاول طهران إبراز قدرتها على مواصلة الرد واستهداف المصالح والقواعد الأميركية. وبالتالي أصبحت أرقام الخسائر نفسها جزءًا من الصراع على الرواية، حيث تستخدم كل جهة المعطيات العسكرية لإثبات قدرتها على الصمود أو إلحاق تكلفة بالخصم.

وفي هذا السياق، يحمل استناد عراقجي إلى أرقام واردة في تقرير أميركي أهمية سياسية واضحة بالنسبة إلى طهران، إذ يحاول تحويل مصدر أميركي رسمي إلى أداة للرد على الرواية الأميركية. فبدل الاكتفاء بتقديم أرقام إيرانية حول الخسائر الأميركية، يشير الوزير الإيراني إلى أن جزءًا من هذه المعطيات ورد في تقرير صادر عن المؤسسة العسكرية الأميركية نفسها، وهو ما يمنح حجته أساسًا مختلفًا عن البيانات الصادرة عن الأطراف المتحاربة.

لكن التقرير الأميركي، في المقابل، لا يمكن قراءته باعتباره إقرارًا بفشل العمليات العسكرية الأميركية أو انتصارًا لطهران. فهو تقرير رقابي يهدف إلى تقييم مجريات العملية والأنشطة الحكومية والعسكرية المرتبطة بها، ويعرض الأضرار والتحديات إلى جانب جوانب أخرى من العمليات. ولذلك فإن استخدام بعض نتائجه لإثبات رواية سياسية شاملة يتجاوز بالضرورة نطاق التقرير نفسه.

وتكشف هذه المواجهة الإعلامية أن الحرب بين واشنطن وطهران لم تعد تدور فقط حول السيطرة على المجال الجوي أو استهداف المنشآت العسكرية، وإنما أصبحت كذلك صراعًا على تعريف نتائج الحرب. فبينما تركز الولايات المتحدة على الأضرار التي لحقت بالقدرات الإيرانية، تركز طهران على استمرار قدرتها على الرد وعلى التكلفة التي تحملتها القوات والمنشآت الأميركية في المنطقة.

ويأتي هذا السجال في لحظة تتزايد فيها أهمية العامل الدبلوماسي، بالتزامن مع تحركات إقليمية ودولية لخفض التصعيد وإعادة فتح مسارات التفاوض. وفي هذا الإطار، تكتسب تصريحات عراقجي أهمية إضافية لأنها تأتي بالتوازي مع زيارته إلى بكين ولقائه وزير الخارجية الصيني وانغ يي، في وقت تدفع فيه الصين باتجاه العودة إلى الحوار وإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف الملاحة.

وعليه، فإن الجدل حول ما إذا كانت إيران «بلا دفاعات» لا يمكن حسمه بمجرد التصريحات السياسية المتبادلة. المعطيات الأميركية نفسها تشير إلى أن القوات والمنشآت الأميركية تعرضت لأضرار خلال الحرب، في حين لا يزال تقييم الحجم الكامل للأضرار التي لحقت بالقدرات الإيرانية، وكذلك الخسائر العسكرية الفعلية للطرفين، يحتاج إلى معلومات أكثر اكتمالًا ومستقلة. وفي ظل استمرار العمليات والتوترات الإقليمية، يبقى الصراع على الرواية جزءًا أساسيًا من الحرب، بالتوازي مع الصراع العسكري والدبلوماسي على الأرض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق