أخبار العالمأمريكا

للمرة الثالثة.. مجلس النواب الأمريكي يصوّت لسحب القوات من الحرب مع إيران

صوّت مجلس النواب الأمريكي، مساء الثلاثاء 15 سبتمبر 2026، للمرة الثالثة لصالح قرار يطالب الرئيس دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية من الأعمال العدائية ضد إيران، في خطوة تعيد إلى الواجهة الخلاف المتواصل داخل واشنطن حول حدود الصلاحيات الرئاسية في إدارة العمليات العسكرية الخارجية ودور الكونغرس في اتخاذ قرارات الحرب. وجاء التصويت بأغلبية 220 صوتًا مقابل 204، حيث أيد القرار جميع النواب الديمقراطيين تقريبًا إلى جانب سبعة نواب جمهوريين، بينما عارضه 203 جمهوريين ونائب مستقل واحد.

ويستند القرار، المعروف باسم إلى المادة الخامسة من قانون صلاحيات الحرب، ويطلب من الرئيس سحب القوات المسلحة الأمريكية من الأعمال العدائية مع إيران ما لم يمنح الكونغرس تفويضًا صريحًا بمواصلة العمليات العسكرية. ويعكس اللجوء المتكرر إلى هذا القانون محاولة من السلطة التشريعية لتأكيد دورها الدستوري في القرارات المتعلقة باستخدام القوة العسكرية، في ظل استمرار العمليات الأمريكية ضد إيران منذ اندلاع الحرب في فبراير الماضي.

ويكتسب التصويت أهمية إضافية لكونه المحاولة الثالثة لمجلس النواب خلال الأشهر الأخيرة للحد من قدرة الإدارة الأمريكية على مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران. وكانت محاولات سابقة قد واجهت عراقيل في مجلس الشيوخ، إذ لم تتقدم إحدى القرارات التي أقرها مجلس النواب في يوليو، بينما شهد مجلس الشيوخ في وقت سابق تحركًا مماثلًا قبل أن يتراجع عنه. وبذلك لا يعني تصويت مجلس النواب بمفرده أن العمليات العسكرية ستتوقف، إذ لا يزال القرار بحاجة إلى استكمال مساره التشريعي قبل أن يصبح نافذًا.

ويأتي التصويت في وقت تتزايد فيه الأسئلة داخل واشنطن حول الكلفة العسكرية والاقتصادية للحرب. فقد قدر مكتب الميزانية في الكونغرس تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران بنحو 38 مليار دولار حتى بداية أغسطس، مع توقع ارتفاع النفقات بما يتراوح بين ملياري وثلاثة مليارات دولار شهريًا إذا استمر النزاع. كما أشارت التقديرات إلى تعرض مخزونات الولايات المتحدة من بعض الذخائر والصواريخ الاعتراضية لضغوط متزايدة، وهو ما يثير نقاشًا أوسع حول قدرة واشنطن على الحفاظ على جاهزيتها العسكرية في حال اندلاع أزمات أو صراعات أخرى.

ولا تقتصر تداعيات الحرب على الجانب العسكري، إذ امتدت آثارها إلى أسواق الطاقة العالمية نتيجة اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز. وقد ساهمت القيود المفروضة على حركة الشحن في المنطقة في زيادة الضغوط على أسعار الطاقة والتضخم داخل الولايات المتحدة، لتتحول تكلفة الحرب تدريجيًا إلى قضية اقتصادية وسياسية داخلية إلى جانب كونها قضية أمنية وعسكرية.

في المقابل، تتمسك إدارة ترامب باستمرار العمليات العسكرية، معتبرة أن إيران لا تزال تمثل تهديدًا أمنيًا يستدعي الحفاظ على القدرة الأمريكية على التحرك العسكري. ويدافع الجمهوريون المؤيدون لاستمرار الحرب عن سياسة الإدارة باعتبارها وسيلة لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، في حين يطالب معارضو الحرب الكونغرس باستعادة دوره في تحديد إطار استخدام القوة العسكرية الأمريكية. ويعكس هذا الخلاف اختلافًا ليس فقط حول مستقبل الحرب، وإنما أيضًا حول تفسير حدود السلطة التنفيذية في زمن النزاعات المسلحة.

ويأتي التصويت كذلك في سياق سياسي حساس داخل الولايات المتحدة، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر. وقد أصبحت الحرب مع إيران مرتبطة بشكل متزايد بالنقاش الداخلي حول الإنفاق العسكري وأسعار الطاقة والتضخم، إضافة إلى مسألة الرقابة البرلمانية على قرارات الإدارة. وفي هذا السياق، يسعى أعضاء من الحزبين إلى تقديم مواقف مختلفة بشأن استمرار العمليات، بينما تواجه إدارة ترامب ضغوطًا متزايدة بشأن تحديد أهداف الحرب وآفاق إنهائها.

وتكشف هذه التطورات عن بُعد دستوري واستراتيجي أوسع في إدارة النزاعات الأمريكية، يتمثل في التوتر بين السلطة التنفيذية والكونغرس حول قرار استخدام القوة العسكرية. فبينما تمنح الرئاسة نفسها هامشًا واسعًا للتحرك في مواجهة التهديدات الخارجية، يحاول الكونغرس استخدام قانون صلاحيات الحرب لإعادة تأكيد دوره في مراقبة العمليات العسكرية وتحديد شروط استمرارها. ويجعل تكرار التصويت على القرار من الحرب مع إيران اختبارًا مهمًا للعلاقة بين المؤسستين في إدارة السياسة الخارجية والأمن القومي الأمريكي.

وبالتالي، فإن أهمية التصويت الثالث لا تكمن فقط في نتيجته العددية، وإنما في كونه مؤشرًا على استمرار الانقسام المؤسسي والسياسي حول الحرب، وعلى صعوبة الفصل بين الحسابات العسكرية والتكاليف الاقتصادية والاعتبارات الدستورية والسياسية الداخلية. ويبقى تأثير القرار الفعلي مرتبطًا بمصيره في مجلس الشيوخ وبالمسار التشريعي اللاحق، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة وإيران مواجهة عسكرية ذات تداعيات تتجاوز حدود البلدين لتطال أمن الخليج وأسواق الطاقة والتوازنات الإقليمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق