أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

الذكرى الثالثة للعدوان على غزة: هندسة الإبادة الجماعية وسقوط رهانات الشرق الأوسط الجديد

تقديم

تطوي المنطقة اليوم العام الثالث لواحد من أشد الفصول دموية ووحشية في التاريخ المعاصر. لم يكن العدوان الإسرائيلي الذي انطلق عقب السابع من أكتوبر 2023 مجرد حملة عسكرية عابرة أو رد فعل تكتيكي محصور في الزمان والمكان، بل تحوّل عبر ثلاث سنوات متواصلة إلى استراتيجية إبادة جماعية وتدمير منهجي لجميع مقومات الحياة البشرية والعمرانية في قطاع غزة وارتقى الى ابادة جماعية ارتكبتها ايادي الصهيوهية المتطرفة، لقد أظهرت الممارسة الميدانية للكيان الصهيوني تحولاً بنيوياً في عقيدته العسكرية؛ حيث بات استهداف المدنيين والطفولة، وتفكيك المنظومات الطبية والخدمية، وفرض سياسات التجويع والتهجير، عقيدة مكرسة تهدف بالأساس إلى تحويل غزة إلى جغرافيا غير قابلة للحياة، بغية فرض واقع ديموغرافي وجيوسياسي جديد بالقوة المفرطة وليس كما يدعون ثأرا ل7 اكتوبر 2023.

أمام حجم التدمير وغير المسبوق في تاريخ النزاعات الحديثة، تبرز الإشكالية المحورية التي يحاول هذا التقرير تفكيك أبعادها:

كيف تحولت الحرب الإسرائيلية على غزة من مواجهة عسكرية إلى عملية هندسة قسرية للإقليم عبر أدوات الإبادة والتدمير الشامل؟

وإلى أي حد نجحت المقاومة والصمود الفلسطيني في إفشال المخطط الصهيوني لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط، رغم العجز الهيكلي للمنظومة الدولية والتغطية الغربية للجرائم المرتكبة؟

التكييف القانوني والجرائم الميدانية.. الإبادة كاستراتيجية عمل

إن القراءة المتأنية للشواهد الميدانية والتقارير الموثقة من الهيئات الحقوقية والأممية تؤكد أن ما ارتكبته قوات الاحتلال الصهيوني على مدار السنوات الثلاث الماضية يتجاوز حدود “الأضرار الجانبية” للحروب ليلامس الجريمة المكتملة الأركان وفقاً لميثاق روما الأساسي واتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948.

تجلت هذه الاستراتيجية في ثلاثة مسارات رئيسية:

تفكيك المقومات الحيوية للقطاع: تعمدت الآلة العسكرية الصهيونية إخراج المنظومة الصحية عن الخدمة عبر استهداف المجمعات الطبية، حصارها، واغتيال واعتقال الكوادر الطبية والدفاع المدني. هذا التدمير الممنهج حَرَم السكان من أي حماية خاصة تقرها اتفاقيات جنيف للأعيان المدنية والطبيّة.

سلاح التجويع والتعطيش: استخدم الكيان الحصار الخانق أداةً للعقاب الجماعي. إن منع الإمدادات الغذائية والوقود والدواء، وقطع شبكات المياه والكهرباء، يمثل انتهاكاً صريحاً للمادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، والتي تحظر بشكل قاطع استخدام تجويع المدنيين كأداة للقتال أو الحرب.

التهجير القسري تحت النار: أجبر القصف السجادي وأوامر الإخلاء المتكررة أكثر من 85% من سكان القطاع على النزوح القسري المتكرر نحو شريط ساحلي ضيق يفتقر لأدنى مقومات الحياة. هذا السلوك لا يمكن تصنيفه وفق القانون الدولي كـ “إخلاء موقت لأسباب أمنية”، بل هو تهجير قسري منظم يهدف إلى تفريغ الأرض وتغيير جغرافيتها السكنية.

الأبعاد الجيوسياسية وفشل عقيدة الردع الصهيونية

تتجاوز الأهداف الاستراتيجية للعدوان حدود قطاع غزة، لتستهدف تفكيك الركائز الأساسية للأمن القومي العربي والإقليمي:

ترميم الردع عبر استباحة الإقليم: حاول الكيان الصهيوني من خلال الاستخدام المفرط للنار استعادة هيبته العسكرية التي انكسرت في السابع من أكتوبر 2023. وقد امتدت هذه العقيدة لتشمل اعتداءات واغتيالات واختراقات للسيادة في عدة دول مجاورة، مما هدد ويهدد بالسقوط الكامل لمنظومة الاستقرار في الشرق الأوسط.

تعرية منظومة النظام الدولي: كشفت السنوات الثلاث الماضية عن عجز هيكلي وأخلاقي في مؤسسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، نتيجة المظلة السياسية والدبلوماسية والدعم العسكري المطلق من القوى الغربية للكيان. هذا الفيتو السياسي المتكرر حوّل المؤسسات الدولية إلى كيانات عاجزة عن فرض تدابير احترازية ملزمة توقف التطهير العرقي.

صمود الأرض وإخفاق الرهان: على الرغم من الكلفة الإنسانية الباهظة وحجم الدمار الذي طال أكثر من ثلثي العمران في غزة، أثبتت المعطيات الميدانية عجز المؤسسة العسكرية الصهيونية عن تحقيق أهدافها المعلنة في القضاء على المقاومة أو إيجاد بدائل سياسية موالية. لقد أثبت الصمود الميداني حقيقة استراتيجية ثابتة: إن سياسات الإبادة والبطش العسكري لا يمكنها إلغاء إرادة الشعوب الخاضعة للاحتلال أو القضاء على حقها المشروع في النضال وتقرير المصير.

التوصيات والمواقف المطلوبة

إن مخرجات السنوات الثلاث من العدوان تفرض على القوى الحية والدول العربية والمؤسسات الفكرية والاستراتيجية التخلي عن لغة التنديد التقليدية واعتماد خطوات عملية حاسمة:

تفعيل الدبلوماسية القضائية: تسريع وتيرة العمل أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية عبر تزويدهما بالأدلة الفنية والطبية والأمنية لإصدار ومتابعة تنفيذ مذكرات الجلب بحق قادة الكيان الصهيوني بتهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.

فرض كسر الحصار: ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية حقيقية لفرض فتح المعابر وإدخال قافلات الإغاثة والمستشفيات الميدانية ومعدات رفع الركام تحت مظلة وإشراف أممي مباشر.

بلورة مشروع عربي لإعادة الإعمار: وضع خطة استراتيجية متكاملة لإعادة بناء قطاع غزة وتثبيت المواطنين الفلسطينيين في أرضهم، لتفويت الفرصة على مخططات التهجير القسري وتفريغ القضية الفلسطينية من بعدها الديموغرافي والجغرافي.

خلاصة

إن الذكرى الثالثة للعدوان الصهيوني على غزة لا تسجل فقط حجم المأساة الإنسانية الفلسطينية، بل تضع العالم بأسره أمام مرآة كاشفة. لقد أثبتت هذه السنوات أن استمرار إفلات الكيان الصهيوني من العقاب وتجاوزه لكافة الخطوط الحمراء لا يهدد الشعب الفلسطيني وحده، بل يهدد بإسقاط ما تبقى من القواعد والمبادئ التي قام عليها القانون الدولي والإنساني. إن صمود غزة رغم الركام والألم يظل الحصن الأخير الذي يحمي المنطقة من الامحيار الكامل أمام مشاريع الهيمنة والتطبيع القسري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق