أحداث وشخصياتأخبار العالمأنشطة المركز

كلمة السيدة ليلى السهيلي في اللقاء الحواري حول تطور قضايا المرأة  الصين وتونس

ﺗﺣول ﺻورة اﻟﻣرأة ﻓﻲ اﻟﻣرآة اﻹﻋﻼﻣﯾﺔ واﻟﺳردﯾﺎت اﻟرﻗﻣﯾﺔ

اﻟﻣرأة واﻟﻔن ﺟﺳراً ﻟﻠﺣوار ﺑﯾن ﺗوﻧس واﻟﺻﯾن

يسعدني ويشرفني أن أشارك في هذا اللقاء الحواري التونسي–الصيني، وأن أتحدث عن موضوع المرأة من زاوية قريبة جداً من تجربتي، وهي زاوية الفن والثقافة والحوار بين الحضارات.

وإذا كان محور حديثنا اليوم يتناول صورة المرأة في الإعلام والسرديات الرقمية المتعلقة بها، فإني أود أن أطرح زاوية موازية لهذا الموضوع، وهي زاوية الفن التشكيلي، الذي أراه لغة بصرية توازي اللغة الإعلامية في قدرتها على صناعة صورة المرأة وتشكيل التصورات حولها، وإن اختلفت الوسيلة واختلف المجال.

أنا فنانة تشكيلية ورسامة، وأستاذة جامعية في علوم وتقنيات الفنون، وحاصلة على دكتوراه في هذا المجال. وقد كانت لي خلال السنوات الماضية تجربة خاصة وعميقة مع الصين، أعتبرها من أهم التجارب التي أثرت في مسيرتي الفنية والإنسانية.

زرت الصين عدة مرات، بدعوات للمشاركة في لقاءات وورشات فنية للفنانين العرب في الصين. وكانت هذه التجربة تقوم على اكتشاف الصين عن قرب: مدنها، وطبيعتها، وعمارتها، وتراثها، وثقافتها، وحياتها اليومية، ثم تحويل ما نشاهده ونعيشه إلى أعمال فنية، كل فنان بلغته الخاصة ورؤيته المعاصرة.

بالنسبة إليّ، لم تكن هذه الرحلات مجرد سفر، وإنما كانت رحلة لاكتشاف الصين من خلال عين الفنانة. كنت أكتشف الألوان، والحدائق، والمعابد، والعمارة، والمدن الحديثة، والخط الصيني، والطبيعة، وحركة الناس، والتعايش اللافت بين التراث والحداثة. ثم أعود إلى المرسم لأعيد صياغة هذه التجربة بطريقتي التشكيلية الخاصة والمعاصرة، لا بهدف تقليد الفن الصيني، وإنما للتعبير عن الأثر الذي تركته الصين في عيني وذاكرتي ومخيلتي كفنانة تونسية.

وهنا تلتقي تجربتي مباشرة بموضوع هذا اللقاء.

فالمرأة في المجال الثقافي والفني لم تعد فقط موضوعاً يتم تمثيلها في اللوحة أو الصورة، وإنما أصبحت صاحبة رؤية، وصانعة للصورة، ومنتجة للمعرفة والثقافة، تماماً كما أصبحت اليوم صانعة لصورتها في الفضاء الإعلامي والرقمي.

ومن خلال تجربتي، شعرت أن الفن يمنح المرأة مساحة واسعة للحضور والتعبير والحوار، وأن الفنانة تستطيع أن تكون سفيرة لثقافتها، وأن تمثل بلدها، دون أن تتخلى عن خصوصيتها وهويتها. ومن هذا المنطلق، أجد أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت هي الأخرى فضاءً مهماً للفنانة للتعريف بذاتها وبعملها؛ فأنا أحرص على مشاركة صور أعمالي ولوحاتي وجوانب من تجربتي في الصين عبر WeChat وFacebook وInstagram، وبذلك أساهم بنفسي في بناء صورتي كفنانة تونسية، ونقل تجربتي إلى جمهور تونسي وعربي وصيني ودولي.

وقد كان للصين فضل كبير في مسيرتي الفنية، وأنا أقول ذلك بكل تقدير وامتنان.

فقد أتاحت لي فرصاً عديدة للتعرف على فنانين ومثقفين، والمشاركة في ورشات وفعاليات فنية، وعرض أعمالي في المتحف الوطني المتميز والعريق في بكين في مناسبات متعددة، كما شاركت، بعد اجتياز الاختبار، في عدة دورات من بينالي بكين الدولي، وهو من المحطات المهمة في تجربتي الفنية.

كما أعتز بأن لدي أعمالاً ضمن مجموعة وزارة الثقافة الصينية، إضافة إلى اقتناء إحدى لوحاتي من قبل وزارة الخارجية الصينية، ووجود عمل لي ضمن مقتنيات متحف دافن في شنزن.

وهناك محطة أعتز بها بشكل خاص، وهي دعوتي للمشاركة في Rendezvous Artists’ Road: Silk، الذي استضافته وزارة الثقافة والسياحة في جمهورية الصين الشعبية، والذي أقيم في جينغدتشن بمقاطعة جيانغشي، حيث شاركت، كفنانة تونسية، في سلسلة من الأنشطة الفنية، في إطار لقاء الفنانين العرب في الصين.

كما تمت دعوتي من طرف وزارة الثقافة الصينية والسفارة الصينية كفنانة وامرأة تونسية لتمثيل كل الفنانين العرب الذين شاركوا في ورشات الرسم والنحت بعنوان: الإحساس بروح الصين، للاحتفال بالذكرى العاشرة لهذه التظاهرة المهمة.

وقد كانت هذه التجارب بالنسبة إليّ أكثر من مجرد مشاركات فنية. فهي جعلتني أشعر بأن الفنانة التونسية يمكن أن تكون حاضرة في المشهد الثقافي الصيني، وأن الفن قادر فعلاً على بناء علاقة مباشرة بين الشعوب. إن وجود أعمال لفنانة تونسية ضمن مجموعات ومقتنيات مؤسسات ثقافية صينية يحمل بالنسبة إليّ معنى يتجاوز القيمة الفنية للعمل نفسه.

فاللوحة عندما تنتقل من تونس إلى الصين، فإنها لا تحمل فقط اسم الفنانة، وإنما تحمل معها جزءاً من ذاكرتها، وثقافتها، وبيئتها، ونظرتها إلى العالم. ومن هنا تصبح اللوحة سفيرة صامتة بين الثقافات.

والأجمل بالنسبة إليّ أن هذا التواصل لم يتوقف بانتهاء الزيارات. لدي اليوم أصدقاء كثيرون في الصين من الفنانين والأكاديميين والشخصيات الثقافية والسياسية، وما زال التواصل بيننا مستمراً إلى اليوم، خصوصاً عبر WeChat.

وهذا التواصل الإنساني المستمر جعل علاقتي بالصين تتجاوز فكرة الزيارة أو المشاركة في فعالية، لتصبح علاقة ثقافية وإنسانية متواصلة.

فعندما تسافر الفنانة التونسية إلى الصين، وتلتقي بفنانين صينيين، وتكتشف ثقافتهم، ثم تعود لتقدم تجربتها من خلال أعمالها، فإنها لا تكتفي باكتشاف الآخر، وإنما تساهم أيضاً في تعريف الآخر بتونس وثقافتها.

وهكذا يصبح التبادل الثقافي تبادلاً في الصور والرؤى والتجارب الإنسانية.

وقد كانت الصين بالنسبة إليّ نموذجاً ملهماً في قدرتها على الجمع بين التراث والحداثة، والهوية والانفتاح، والتطور والمحافظة على الذاكرة الثقافية. وهذا أمر أقدره كثيراً كفنانة وأستاذة جامعية.

وعندما أنظر اليوم إلى تجربتي مع الصين، أشعر أنني لم أكن أذهب إليها فقط لأرسم ما أراه، وإنما كنت أعود في كل مرة وأنا أحمل معي شيئاً جديداً: صورة، وفكرة، وتجربة فنية، وعلاقة إنسانية، وطريقة مختلفة للنظر إلى العالم.

لقد كانت كل عودة بالنسبة إليّ امتداداً للتجربة، وليست نهايتها، لأن ما عشته في الصين ظل حاضراً في ذاكرتي وفي رؤيتي الفنية، وأعاد تشكيل الكثير من أسئلتي حول الإنسان والثقافة والهوية والعلاقة مع الآخر. وهكذا تحولت هذه التجربة من مجرد من سفر ومشاركة في فعاليات إلى مسار مستمر من التعلم والتأمل والإبداع، ترك أثراً حقيقياً في مسيرتي كفنانة تونسية.

لذلك، عندما نتحدث عن قوة المرأة، أعتقد أن إحدى أهم صور هذه القوة هي قدرتها على أن ترى، وأن تتعلم، وأن تبدع، وأن تحول تجربتها إلى معرفة وفن وحوار، سواء عبر اللوحة أو عبر السرديات الرقمية التي تروي بها قصتها بنفسها.

وأنا أؤمن بأن الفنانة يمكن أن تكون جسراً بين الشعوب، وأن اللوحة يمكن أن تكون لغة مشتركة، وأن الثقافة تستطيع أن تبني جسوراً قد تكون أقوى وأطول عمراً من أي خطاب.

وهنا أعود إلى محور لقائنا اليوم، لأقول إن الصورة التي تصنعها اللوحة عن المرأة، شأنها شأن الصورة التي يصنعها الإعلام والفضاء الرقمي، تحمل مسؤولية كبيرة تجاه المجتمع: فكما يمكن للسرديات الإعلامية أن تعيد إنتاج الصورة النمطية للمرأة أو أن تعيد تفسيرها وتوسيعها، كذلك يمكن للفن أن يقدم نموذجاً بديلاً لصورتها، نموذجاً يتجاوز الأدوار التقليدية ليؤكد أنها صانعة معرفة وثقافة وحوار.

وفي هذا الإطار، أعتبر تجربتي بين تونس والصين جزءاً من ذلك الجسر الذي نطمح جميعاً إلى توسيعه بين الشعبين التونسي والصيني، وبين الشعوب العربية والصينية.

وأتمنى أن يستمر هذا الحوار، وأن تتاح للنساء والفنانين والشباب من الجانبين فرص أكبر للقاء والإبداع والتبادل.

كما تشرفت بأن أكون مدعوة ضمن الوفد التونسي في إطار الفعاليات المرتبطة باللقاء الحادي عشر للحزب الشيوعي الصيني في مؤتمر الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية، وكان من ضمن الوفد الدكتورة بدرة قعلول. كانت فرصة للتعرف على امرأة متميزة بمبادئها وأفكارها، التي تعرف كيف تحضر بفكرها وشخصيتها، وكيف تعبر عن مواقفها بثقة ووضوح لتعزيز العلاقة الصينية التونسية، وقد لمست فيها نموذجاً للمرأة التونسية القادرة على أن تكون فاعلة ومؤثرة في فضاءات الحوار، وأن تجمع بين قوة الشخصية والوعي والمسؤولية، وهو ما يجعل حضورها بالنسبة إليّ صورة مشرفة للمرأة التونسية القادرة على تمثيل بلدها وإيصال صوتها.

وأختم بالقول إن الصين بالنسبة إليّ لم تكن فقط بلداً زرتها، وإنما كانت تجربة فنية وإنسانية تركت أثراً حقيقياً في مسيرتي. وأنا ممتنة لكل الفرص التي منحتني إياها، ولكل الفنانين والأصدقاء الذين تعرفت إليهم، ولكل لحظة جعلتني أرى الصين ليس فقط بعيني، وإنما أيضاً من خلال إنسانها وثقافتها وفنها.

وأشعر اليوم باعتزاز خاص لأن جزءاً من تجربتي كفنانة تونسية أصبح حاضراً في الصين من خلال أعمالي الموجودة ضمن مجموعات ومقتنيات مؤسساتها الثقافية، ومن خلال المعارض والبيناليات واللقاءات الفنية التي شاركت فيها.

وهذا الحضور الفني هو بالنسبة إليّ صورة جميلة من صور الصداقة والتبادل بين تونس والصين، ودليل على أن الفن، كما الإعلام والسرديات الرقمية، قادر على أن يحول الحوار بين الحضارات إلى تجربة إنسانية حية وملموسة.

وفي الختام، أتوجه بجزيل الشكر والامتنان إلى الدكتورة بدرة قعلول على دعوتها الكريمة، وعلى جهودها في دعم وتعزيز الصداقة والتواصل بين تونس والصين، كما أتوجه بالشكر إلى سفارة جمهورية الصين الشعبية على هذه الدعوة الكريمة، وعلى ما تبذله من جهود في دعم التبادل الثقافي والحوار بين الشعبين.

وأتمنى أن تتواصل مثل هذه اللقاءات، وأن يظل الفن والثقافة فضاءً مشتركاً يجمعنا ويقرب بيننا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق