أحداث وشخصياتأخبار العالمأنشطة المركز

كلمة نور الهدى آيت مسعود في اللقاء الحواري حول تطور قضايا المرأة  الصين وتونس

عندما نتحدث عن المرأة بین الأمس والیوم و تطور قضایاھا، أعتقد أن من المھم الا ننظر إلى ھذا التطور باعتباره قطیعة بین الماضي والحاضر وإنما كونھا مسارا تراكمیا ساھم فیھا كل جیل بطریقتھا.  وفي حدود ما أتیح لھا من فرص وما واجھھا من تحدیات جسدت واقعھا الاجتماعي.

فما تتمتع به المرأة الیوم من حضور في التعلیم والعمل والحیاة العامة لم یكن أمًرا بدیھیا أو ولید الصدفة بل إنھا نتیجة لتحولات اجتماعیة وثقافیة واقتصادیة ساھمت فیھا أجیال متتالیة من النساء وكل جیل مھد الطریق أمام الجیل الذي یلیه ففي بدایة المسار لعب النضال النسوي إلى جانب التطور التشریعي دور أساسي في نقل قضایا المرأة من الفضاء الخاص إلى الفضاء العام ومن المطالبة إلى الاعتراف بالحق و حمایتھا و ترسیخھا في المجتمع وفي تونس یمكن أن نلمس ھذا التحول في محطات مختلفة بدایة بالحركة النسائیة التونسیة و الاصلاحات التي جاءت بھا مجلة الأحوال الشخصیة سنة 1956 وصولا إلى الحركات النسویة التى نشھدھا الیوم وھذا المسار لم تصنعھا القوانین وحدھا و النضال وحده.
وإنما كان نتاج تفاعل بین نساء طالبن ومجتمع تغیر وتشریعات استجابت لھذا التغییر ودفعت بھا إلى الأمام بالتأكید أن لكل جیل له خصوصیته و ما یمیز الجیل الجدید و رؤیاه من وجھة نظري تحدیدا لیس فقط اتساع حضور المرأة في المجتمع فھي لطالما ساھمت وقدمت وإنما إتساع قدرتھا على الاختیار و عدم اختزالھا في قالب جاھز فھي الیوم لا تدخل مجال التعلیم أو العمل لكي تؤدي دورا اجتماعیا أو اقتصادیا متوقعا منھا بل لانھا تستطیع أن تختار مسار حیاتھا بنفسھا إذ أضح أمامھا خیار بناء حیاة تتسع لـطموحھا المھني و لحیاتھا األسریة في آن واحد و احداھما ان ارتأت ذلك إذ لم یعد.

ھناك نموذج نمطي یفترض أن تسیر جمیع النساء نحوه خاصة في ظل مجتمع أعاد تعریف مفھوم النجاح الذي أصبح أكثر تنوعا وأصبح للمرأة مجال أكبر لتحدید ما یعنیه النجاح بالنسبة إلیھا. وھذا التطور لم یغیر مسار المرأة فقط بل المجتمع بأكمله.

اذ بفضل الاستقلالیة والحریة تم اعادة تشكیل  مفاھیم الأسرة والعلاقات بین أفرادھا وتوزیع المسؤولیات داخلھا بعیدا عن الصورة النمطیة للأدوار الجندریة و أضحت العالقة أقرب إلى مفھوم الشراكة من الطبقیة التي یفرضھا المجتمع على الشریكین. 

لكن ھذا التحول لا یعني أن قیما جدیدة حلت ببساطة محل القدیمة فالأسرة والأحترام والمسؤولیة والتضامن ظلت حاضرة وإن أعید تعریفھا من جیل إلى آخر. وھذا ما یجعل الحوار بین الأجیال ضروریا لكي نفھم كیف انتقلنا من تصور إلى آخر وماذا أخذ كل جیل ممن سبقھا وماذا سیضیف إلیھا.
الا أنھا رغم ھذا التطور والمراحل التي قطعتھا مجتمعاتنا لا تزال قضایا المرأة تطرح نفسھا باعتبارھا قضیة مفتوحة وشائكة في كثیر من جوانبھا وتحتاج إلى مزید من الأھتمام والعمل فما نعتبره الیوم حقا مكتسبا أو حریة متاحة لنا لا تزال نساء أخریات محرومات منھا بل قد لا یدركن أصلا أن لھن حقا في امتالكھا والمطالبة بھا فإن ما وصلنا إلیه لیس نھایة المسار بل بدایتھا و مسؤولیة نتحملھا جمًیعا لمواصلة الطریق حتى تصبح الفرص متاحة لكل امرأة أینما كانت رغم اختالفھا.

ومن تونس إلى الصین رغم اختالف التجارب والسیاقات أعتقد أن ما یجمعنا ھو أن قضایا المرأة أصبحت جزءا من سؤال أوسع حول نوع المجتمع الذي نرید أن نبني أسسه فحین تتطور قضایا المرأة تتقاطع معھا بالضرورة الأسرة والتعلیم وسوق العمل وطریقة توزیع المسؤولیات ولھذا فإن الحوار لا ینبغي أن یكون بحثا عن نموذج مثالي للمرأة أو عن تجربة یمكن نقلھا كما ھي من مجتمع إلى آخر بل قیمتھا تكمن في أن لكل مجتمع تجربته الخاصة وفي أن الأستماع إلى تجربة مختلفة یمكن أن یساعدنا على التطور و مواصلة المشوار معا نحو مجتمع أكثر إنصافا وعالم أفضل للنساء والأجیال القادمة.

وفي النھایة أؤمن بأن التطور لا یقاس فقط بعدد الأبواب التي أمام المرآة وإنما بقدرتھا الفعلیة على اختیار الباب الذي ترید أن تعبر منھا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق