أمريكا وإيران.. حرب بلا حسم ومعركة على طرق الطاقة

اعداد ادريس احميد: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 07-09-2026
لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة عسكرية تبحث عن منتصر، ولا مجرد معركة حول البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي. فكلما طال أمد المواجهة، اتضح أن المعركة الأوسع تدور أيضاً حول سؤال آخر: من يملك القدرة على إعادة رسم طرق الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط بعد الحرب؟
فمضيق هرمز، الذي كان لعقود شرياناً لا غنى عنه لتدفقات النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق العالمية، أصبح في قلب الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية معاً. وبينما لم تصل المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية إلى تسوية نهائية، بدأت الدول والشركات تتعامل مع احتمال أكثر حساسية: ماذا لو لم يعد العالم يريد الاعتماد على هرمز بالدرجة نفسها التي كان يعتمد بها عليه قبل الحرب؟
المفارقة أن الحرب لم تُسقط أهمية هرمز، لكنها كشفت هشاشته.
وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، كانت تدفقات النفط والسوائل النفطية عبر المضيق تبلغ في المتوسط نحو 20.9 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2025، أي ما يعادل قرابة خمس استهلاك السوائل النفطية العالمي. لكن التدفقات انخفضت إلى نحو 4.9 مليون برميل يومياً في الربع الثاني من 2026 مع تصاعد الحرب والاضطرابات.
وهنا تكمن أهمية الرقم: العالم لم يجد بديلاً كاملاً لهرمز، لكنه بدأ بالفعل في البحث عن بدائل واستخدام ما هو متاح منها.
سوريا تدخل معادلة هرمز
لعل التطور الأكثر إثارة في هذا السياق هو دخول سوريا إلى الحسابات الجديدة.
فمنذ أبريل، بدأت شاحنات تنقل النفط من جنوب العراق عبر الأراضي السورية إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، في محاولة عراقية للالتفاف على أزمة هرمز. وتقول تقارير حديثة إن نحو 5 آلاف شاحنة نفط يومياً أصبحت تسلك هذا الطريق.
لكن الأهم من الشاحنات هو ما يجري التفكير فيه على المدى الأطول.
فالإدارة الأمريكية دعمت مشروعاً تقوده مجموعة بقيادة «شيفرون» لخط أنابيب يصل البصرة في جنوب العراق بميناء بانياس، بطاقة مستهدفة تصل إلى مليوني برميل يومياً. والمشروع المقترح يمتد لنحو ألف ميل، وتُقدّر كلفته بنحو 5.7 مليار دولار، بينما يحتاج إلى عامين ونصف على الأقل للبناء.
وهذا التفصيل وحده يجيب عن سؤال مهم: هل يمكن استبدال هرمز بسرعة؟
الجواب: لا.
يمكن استخدام الشاحنات والطرق البرية والموانئ القائمة بسرعة نسبية، ويمكن إعادة توجيه جزء من التدفقات خلال فترة قصيرة نسبياً، لكن إنشاء ممرات استراتيجية قادرة على نقل ملايين البراميل يومياً يحتاج إلى سنوات، واستثمارات ضخمة، واتفاقات سياسية وأمنية، قبل أن يحتاج إلى الأنابيب نفسها.
وبالتالي، فإن البديل السوري ليس بديلاً فورياً لهرمز، بل هو جزء من استراتيجية طويلة لتقليل الاعتماد عليه.
هرمز لا يمكن استبداله بممر واحد
الأرقام تؤكد ذلك بوضوح.
فالقدرات القائمة لدى السعودية والإمارات لتجاوز هرمز تصل مجتمعة إلى نحو 4.7 مليون برميل يومياً، وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وهي قدرة مهمة، لكنها تظل أقل بكثير من حجم التدفقات التي كانت تمر عبر المضيق.
وهذا يعني أن الحديث عن «إغلاق صفحة هرمز» مبالغ فيه.
المشروع الحقيقي الذي بدأ يتشكل ليس استبدال هرمز بممر واحد، وإنما بناء شبكة من البدائل: خطوط أنابيب إلى البحر الأحمر، موانئ المتوسط، طرق برية عبر العراق وسوريا والأردن وتركيا، وتوسيع قدرات بعض الموانئ والأنابيب القائمة.
إنها عملية إعادة توزيع للمخاطر أكثر منها عملية إلغاء لمضيق استراتيجي.
الصين.. المتضرر الأكبر والصامت الأكثر واقعية
إذا كانت واشنطن تنظر إلى هرمز من زاوية الضغط على إيران، فإن الصين تنظر إليه من زاوية مختلفة تماماً: أمن الإمدادات.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة إلى أن نحو 89% من النفط الخام والمكثفات التي عبرت هرمز في النصف الأول من 2025 كانت متجهة إلى الأسواق الآسيوية، فيما استحوذت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعة على نحو 74% من تلك التدفقات.
بمعنى آخر، أزمة هرمز ليست أزمة أمريكية بالدرجة الأولى، بل أزمة آسيوية أيضاً.
ولهذا لا تبدو بكين معنية بانتصار طرف على آخر بقدر اهتمامها بمنع تحول الطاقة إلى أداة دائمة في الصراع الجيوسياسي. ومن المنطقي أن تنظر الصين بإيجابية إلى أي طريق جديد يخفف اعتمادها على نقطة اختناق واحدة، حتى لو لم يكن الطريق الجديد قادراً على تعويض هرمز بالكامل.
فالسياسة الصينية في هذه الحالة لا تحتاج إلى إعلان صريح؛ يكفي أن تكون لديها خيارات أكثر.
وأوروبا؟ المتوسط يعود إلى الواجهة
أما أوروبا، فالمسألة بالنسبة إليها أكثر تعقيداً.
فأوروبا لا تستطيع أن تنظر إلى البدائل باعتبارها بديلاً واحداً للنفط الخليجي، لكنها تستطيع أن تنظر إليها باعتبارها جزءاً من تنويع مصادر الطاقة ومسارات وصولها.
وهنا تستعيد منطقة المتوسط أهميتها.
العراق عبر سوريا إلى بانياس، والخطوط المحتملة عبر تركيا، والموانئ المصرية، والبحر الأحمر، كلها تعيد رسم خريطة الطاقة حول المتوسط. وفي هذه الخريطة تصبح دول شمال أفريقيا أكثر أهمية، ليس لأنها تستطيع منفردة أن تحل محل الخليج، وإنما لأنها توفر مصادر ومسارات إضافية أقرب إلى الأسواق الأوروبية.
وهنا تأتي ليبيا كإشارة مهمة داخل المشهد، لا كبديل مباشر لهرمز.
فاستقرار ليبيا وتوسيع قدرتها على الإنتاج والتصدير يمكن أن يزيد من أهمية المتوسط بالنسبة لأوروبا، خصوصاً في ظل رغبة القارة في تنويع مصادر الطاقة وتقليل مخاطر الاعتماد على ممر واحد. لكن ذلك يبقى مشروطاً قبل كل شيء بالاستقرار السياسي والأمني في ليبيا.
واللافت أن الولايات المتحدة نفسها تحاول، وفق تحليلات حديثة، دفع الملف الليبي باتجاه تسوية سياسية وربط الاستثمار النفطي بتفاهمات حول تقاسم السلطة.
وهذا لا يعني أن واشنطن تتحرك في ليبيا لمجرد البحث عن النفط، لكن النفط بالتأكيد أصبح جزءاً من قيمة ليبيا الجيوسياسية في مرحلة يعاد فيها ترتيب خريطة الطاقة.
هل تستطيع البدائل منافسة هرمز؟
هنا يجب الفصل بين مرحلتين.
على المدى القصير: نعم، جزئياً.
فالطرق البرية موجودة، والشاحنات تتحرك، وبعض خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية تعمل بالفعل، ويمكن إعادة توجيه جزء من الصادرات عبر البحر الأحمر أو المتوسط.
لكن على المدى المتوسط والطويل، الأمر يحتاج إلى أموال وأمن واستقرار سياسي.
فالخط الممتد من البصرة إلى بانياس مثال واضح: مشروع ضخم يحتاج مليارات الدولارات وسنوات للبناء. وحتى بعد إنجازه، لن يستطيع وحده نقل كل ما كان يعبر هرمز.
كما أن الطريق السوري نفسه يمر في منطقة شديدة الحساسية أمنياً، فيما لا تزال مسألة السيطرة السياسية والأمنية على كامل المسار السوري والعراقي تحدياً قائماً. ولذلك فإن حماية خطوط الأنابيب قد تصبح في حد ذاتها جزءاً من المعادلة العسكرية الجديدة.
وبمعنى آخر، المشكلة ليست فقط في بناء الأنبوب، بل في ضمان بقائه آمناً لعقود.
إيران.. هل تخسر هرمز أم ورقة هرمز؟
بالنسبة إلى إيران، يبقى مضيق هرمز إحدى أهم أوراق القوة التي تستطيع استخدامها في مواجهة خصومها.
لكن استمرار الحرب كشف في المقابل حدود هذه الورقة.
فواشنطن تقول إن الضغط الاقتصادي والعسكري قلّص قدرة إيران على استخدام المضيق للضغط على الاقتصاد العالمي، فيما لا تزال طهران تراهن على قدرتها على إبقاء كلفة الحرب مرتفعة ومنع واشنطن من تحقيق انتصار سياسي واضح. وتظهر التطورات الحالية أن الطرفين لم يصلا بعد إلى تسوية نهائية، مع استمرار البحث عن صيغة تسمح بخفض التصعيد دون أن يبدو أي طرف وكأنه قدم تنازلاً كاملاً.
وهنا ربما تكمن العقدة الحقيقية.
فالسؤال لم يعد: من انتصر عسكرياً؟
بل: من سيكون قادراً على فرض قواعد المرحلة التالية؟
إذا خرجت إيران من الحرب وهي لا تزال قادرة على تهديد هرمز، فقد تحتفظ بجزء مهم من نفوذها.
أما إذا خرجت الحرب وقد بدأت الدول الخليجية والعراق وتركيا وسوريا وحتى أوروبا وآسيا في بناء شبكة واسعة من البدائل، فإن قيمة هرمز كسلاح سياسي ستتراجع تدريجياً، حتى لو بقي المضيق أهم ممر للطاقة في العالم.
الحرب قد تنتهي.. لكن خريطة الطاقة لن تعود كما كانت
هذه هي النقطة الأهم.
حتى لو توصلت واشنطن وطهران إلى اتفاق، وأعيد فتح هرمز وعادت حركة الناقلات إلى مستوياتها السابقة، فإن الدول والشركات التي ذاقت مخاطر الاعتماد على ممر واحد لن تنسى ما حدث.
فالأسواق تتعلم من الأزمات.
وقد يكون أكبر أثر استراتيجي للحرب أنها دفعت دولاً كانت ترى هرمز أمراً ثابتاً في النظام العالمي إلى التعامل معه باعتباره مخاطرة يجب إدارتها.
ومن هنا يمكن فهم التحرك باتجاه سوريا والعراق، وتطوير خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية، والاهتمام بالمتوسط، وعودة الحديث عن ليبيا وتركيا ومصر والأردن كممرات محتملة ضمن شبكة أوسع.
إنها ليست حرباً على النفط فقط، بل حرب على الجغرافيا التي يتحرك عبرها النفط.
ولهذا قد يكون السؤال الأكثر أهمية بعد انتهاء الحرب ليس: من ربح ومن خسر؟
بل:
هل يبقى هرمز مركز النظام القديم، أم تكون الحرب الأمريكية ـ الإيرانية قد بدأت، من حيث لا يريد الطرفان أو يريدان، ولادة نظام جديد للطاقة يقوم على تعدد الطرق والممرات؟
ربما لن يُغلق هرمز إلى الأبد، وربما تعود ناقلات النفط إلى عبوره بكثافة بعد انتهاء الحرب.
لكن ما تغير بالفعل هو شيء آخر:
العالم بدأ يتعلم كيف يعيش مع هرمز أقل مركزية.
وهذه، في حد ذاتها، قد تكون إحدى أهم النتائج السياسية والاستراتيجية لهذه الحرب.



