أخبار العالمأنشطة المركزبحوث ودراسات

كلمة ناصر بن حمد العبري الصحفي والباحث في الشؤون الصينية في ملتقى الصيني العربي

معالي السيد جين شين نائب وزير دائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني الزملاء الخبراء والسياسيين من الدول العربية المختصين في الشأن الصيني العربي … الإخوة والأخوات.. الحضور الأعزاء أسعد الله مساءكم بكل خير إنَّه لمن عظيم الشرف أن اشارك اليوم معكم من سلطنة عمان أرض المحبة والسلام

الإخوة الأعزاء…

منذ فجر التاريخ، ارتكزت نهضة الأمم في جميع الحقب والأزمنة، على العنصر البشري، الذي مثل القوة المؤثرة في أي حضارة إنسانية، مهما بلغ حجم تطورها؛ إذ ظل الإنسان محور هذه الحضارة، والفاعل الرئيس فيها، والباحث عن التقدم من خلالها .. وعندما نعود بجذور الحضارات الإنسانية في هذا العالم، تتكشف لنا حضارتين عظيمتين، تزامنتا في العصور القديمة، واتفقتا على التعايش السلمي والتبادل التجاري والاستفادة المشتركة، ألا وهما الحضارتين الصينية والعربية، وفي القلب من الحضارة العربية، نلمس إسهاما عمانيا لا تُخطئه عين، إسهام يتجاوز حدود الجغرافيا في جزيرة العرب، ليصل إلى أعالي البحار في أعماق المحيط الهندي والهادئ، لتكتب بحروف من ذهب علاقات حضارية ما يزال صداها يُسمع حتى اليوم وعندما نتحدث عن التواصل الحضاري بين العرب والصين، لا يُمكن أن نغفل الإسهام النوعي للعُمانيين، الذين أدركوا منذ القدم أن التعاون مع الأمم الأخرى هو السبيل لبناء مستقبل مشترك، وأن الحوار والتبادل هما أساس التقدم الإنساني.

ولقد كانت عُمان من أوائل الأمم التي شديت جسور التواصل مع الشرق، وتحديدًا نحو الصين؛ حيث حمل التاجر العُماني أبو عبيدة عبد الله بن القاسم في القرن الثامن الميلادي رسالة الانفتاح والتواصل؛ ليؤكد أن العُمانيين سعوا منذ قرون إلى مَدِ جسور التعاون مع مختلف شعوب الأرض، وأنهم كانوا روادًا في اكتشاف طرق جديدة وبناء علاقات قائمة على الشراكة والمصالح المشتركة، نابذ ين الفتن والصراعات والحروب، التي لا تبني الحضارة ولا تؤسس لأي نهضة إنسانية، وإنما تُدمّر وتستنزف خيرات الشعوب وتهلك الحرث والنسل ومما يعكسُ قِدَم وعراقة العلاقات العمانية الصينية، الرحلات الاستكشافية التاريخية السبعة للأدميرال شنغ خه في القرن الخامس عشر، والتي استمرت بين عامي 1403 و 1433؛ أي على مدى ثلاثين عامًا، وقد شكلت هذه الرحلات البحرية الكبرى دليلًا على انفتاح الصين على العالم، كما كانت شاهدًا على التقاء المسارات الحضارية بين الشرق الأقصى والخليج العربي؛ حيث مارس العُمانيون دورًا محوريًا في تعزيز التبادل التجاري والثقافي، وترسيخ قيم التعايش والتواصل بين الشعوب وقد استمرت هذه العلاقات العمانية – الصينية عبر العصور، محتفظةً بعمقها ورصانتها، حتى وإن شهدت فترات من الخفوت، لكنها لم تنقطع يومًا.

وعندما نهضت عُمان في سبعينيات القرن الماضي على يد السلطان الراحل قابوس بن سعيد طيب الله ثراه انطلقت مسيرة متجددة من بناء العلاقات مع الصين؛ فارتقت هذه العلاقات إلى مستويات غير مسبوقة من التعاون والتفاهم؛ حيث إن في عام ألفين وثمانية عشر، احتفل البلدان بمرور أربعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، وأعلنا عن شراكة استراتيجيةٍ شكَّلت نقلة نوعية في مسار التعاون والبناء المشترك؛ لتصبح العلاقات العمانية الصينية أُنموذجًا حضاريًا يقوم على التعايش، والتبادل الثقافي، والتكامل الاقتصادي؛ بما يحقق تطلعات القيادتين والشعبين الصديقين.

الحضور الكريم..

إنَّ هذه المسيرة التاريخية ليست مجرد صفحات من الماضي؛ بل هي رؤية متجددة تؤكد أن التعاون الدولي هو السبيل لتعزيز السلام والتنمية، وأن الحوار بين الحضارات يفتح آفاقًا واسعة للتكامل الإنساني. وعُمان، وهي تنظر إلى المستقبل، تؤمن أن شراكتها مع الصين ستظل ركيزة أساسيةً في بناء عالم أكثر تعاونًا، وأكثر قدرةً على مواجهة التحديات المشتركة بروح من التفاهم والاحترام المتبادل. إنني وعبر هذا المنبر، لأؤكد أن العلاقات العربية الصينية – وفي العمق منها العلاقات العُمانية – الصينية – ليست فقط إرثًا تاريخيًا نحتفي به ونفخر بتطويره ومواصلة البناء عليه، وإنَّما هو كذلك دعوة مفتوحة لتعزيز التعاون، وتوسيع مجالات الشراكة، وتكريس القيم المشتركة التي تجمعنا؛ قيم السلام والإخاء، والتنمية، والاحترام المتبادل ولا ينازعنا شك أن هذه الشراكة ستظل نموذجًا يُحتذى به في بناء عالم يقوم على التكامل والتآلف بين الشعوب.

الزملاء الأعزاء..

لقد قطعت العلاقات العربية الصينية شوطًا كبيرًا على مسار التعاون والشراكة، غير أنَّ التطورات التي نشهدها باستمرار والمستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، تُحتّم علينا- نحن العرب والصينيون أن نواصل الجهد من أجل تعزيز مجالات التعاون وفتح آفاق جديدة للشراكة بين الدول العربية والصين، مستفيدين من طبيعة أسواقنا العملاقة، وقوتنا البشرية الهائلة، ومواردنا الطبيعية النوعية، وحضارتنا وتنوعنا الثقافي ولذلك..

فإنَّ تعزيز التعاون العربي الصيني، يتطلب بناء شراكةٍ شاملة تتجاوزُ التجارة التقليدية؛ لتشمل مزيدًا من التعاون والشراكة في مجالات التكنولوجيا الحديثة، والطاقة وخاصة المتجددة منها، والثقافة والفنون، والتعليم وتحديدًا تعليم اللغتين العربية والصينية، ودعم جهود الاستفادة من “منتدى التعاون العربي الصيني”، هذا المحفل الرائد الذي يمثل حجر زاوية في مسيرة العلاقات العربية الصينية ونظرًا لأنَّ الصين تُعد أكبر شريك تجاري للدول العربية؛ حيثُ يتجاوز حجم التبادل التجاري سنويًا 400 مليار دولار، فإنَّ من الضروري تكثيف التعاون من أجل تنويع الصادرات العربية؛ لتشمل المنتجات الصناعية والزراعية، وليس فقط النفط والغاز، إلى جانب تشجيع الاستثمار في البنى التحتية، في ظل مبادرة “الحزام والطريق”، التي تربط الموانئ العربية بالممرات التجارية الصينية أما في جانب الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، فإن الدول العربية أمام فرصة استراتيجيه، لدعم هذا التوجه، خاصةً وأن الكثير من الرؤى الاستراتيجية في دولنا العربية، وخاصة الخليجية، تضع اقتصاد المعرفة في مقدمة أولوياتها التنموية ولا يجب أن يقتصر التعاون على هذه المجالات وحسب، وإنما ينطلق في مجالات واعدة وأكثر حضورًا، ومنها التعاون في مجال الطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، خصوصًا مع توجه الصين والدول العربية نحو الاقتصاد الأخضر ؛ إذ يمكن الاستفادة من التقنيات الصينية المتقدمة في تطوير مشاريع مستدامة تُقلل الاعتماد على النفط، وتُحفّز جهود التنويع الاقتصادي في دولنا العربية، لا سيما الدول ذات الاقتصادات الريعية القائمة على تصدير المواد الخام.

الحضور الأكارم..

لقد نجح الكثير من الدول العربية في بناء شراكات نوعية ومتقدمة مع جمهورية الصين الشعبية الصديقة، وفي مقدمتها سلطنة عُمان، التي أعلنت في 2018 الشراكة الاستراتيجية مع جمهورية الصين الشعبية، والتي تُمثل محطة مفصلية في مسار التعاون الثنائي؛ حيث إن هذه الاتفاقية تتجاوز كونها إطارًا سياسيًا بين البلدين؛ لتؤكد عُمق الروابط التاريخية الممتدة منذ قرون، ولتضع أُسسًا جديدةً للتعاون في مجالات الاقتصاد، والطاقة، والبنية الأساسية، والتبادل الثقافي؛ بما يعكس إرادة قيادتي البلدين للارتقاء بالعلاقات إلى مستوى أكثر شمولاً واستدامة ولا ريب أن آفاق هذه الشراكة الاستراتيجية واسعة ومتعددة؛ إذ فتحت المجال أمام مزيد من التعاون في مشاريع “الحزام والطريق”، وتطوير الاستثمارات المشتركة في الموانئ واللوجستيات، إضافةً إلى التعاون في مجالات التقنيات الحديثة والطاقة المتجددة، وهو ما نراه متجسدا في عدد من المشروعات المشتركة، علاوة على دور هذه الشراكة الاستراتيجية في تعزيز التبادل الثقافي والتعليمي؛ بما يُرسّخ قيم التعايش والتفاهم الحضاري بين الشعبين الصديقين لقد سعت سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية- عبر هذه الشراكة الاستراتيجية- إلى بناء نموذج متوازن من التعاون الدولي، يرتكز على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، ويُسهم في دعم التنمية المستدامة والاستقرار الإقليمي والدولي. وإذا ما نظرنا إلى نماذج عربية أخرى، حققت تقد ًا نوعيًا في ترى الشراكة الثنائية مع الصين، يُمكن الإشارة إلى جمهورية مصر العربية الشقيقة، التي أَسَّسَتْ شراكة استراتيجيةً شاملةً، تقوم على أُسس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وتمتد من التعاون السياسي والدبلوماسي إلى المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية، ويواصل البلدان تعميق هذه الشراكة وتوسيع آفاقها ؛ بما يخدم التنمية المستدامة والاستقرار الإقليمي. وتتعاون القاهرة وبكين في مجالات الاقتصاد والتجارة؛ إذ تُعد الصين أكبر شريك تجاري لمصر، مع توسع في الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومشاريع البنية التحتية، فضلا عن التعاون في مجالات الكهرباء، والنقل والاتصالات، ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، وفوق كل ذلك التعاون في مجالات التعليم والثقافة، من خلال برامج التبادل الطلابي، وإنشاء المراكز الثقافية، والدعم المتبادل في مجالات الترجمة والنشر.

الزملاء المحترمين

مثلت العلاقات السياسية والدبلوماسية بين الدول العربية والصين، ركيزة أساسيةً في تعزيز الأمن والسلم الإقليميين، في ظل الموقف الصيني الراسخ والداعم للحقوق العربية بما يتوافق مع مقررات الشرعية الدولية ومواثيق الأمم المتحدة، وهو الموقف الذي تؤكده بكين في غير موضع، مؤكدةً رؤيتها الرصينة تجاه القضايا العربية العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية كما إنَّ للصين دورًا فاعلا في دعم الاستقرار والسلم في منطقة الشرق الأوسط، وقد برز هذا الدور من خلال الوساطة الناجعة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية الشقيقة، وكذلك دورها اللافت في الأزمة الراهنة، بالتعاون مع مختلف الأطراف الإقليمية.

الحضور الأعزاء…

إنَّ العلاقات بين الدول العربية والصين في مختلف المجالات، تحقق المصلحة المشتركة لشعوبنا كافةً؛ الأمر الذي يفرض علينا نحن أهل الثقافة والإعلام أن نكون خير داعم لمسيرة تطور هذه العلاقات، وأن تسهم بقدر ما نستطيع في بناء جسور الشراكة والإخاء والتعايش المشترك، وأن نمد أيادينا جميعًا من أجل أن نوجد صفوفنا وتجمع كلمتنا على الحق والخير والسلام لشعوبنا، فكما كنا بناة حضارة الأمس، علينا أن نكون حماة ما تحقق من منجزات على صعيد التعاون العربي الصيني ولا يَسَعُنِي في ختام هذه الكلمة، إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل إلى القائمين على هذا المركز ، لما لمِسْنَاهُ من كفاءة التنظيم، واخص الدكتورة القديرة بدرة فعلول

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق