آسياأخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

لماذا تدخل علاقة باكستان بالإمارات “مرحلة رمادية” بعد وساطة طهران وواشنطن؟

خلال الأشهر الأخيرة، تتحرك العلاقة بين أبوظبي وإسلام آباد في مساحة رمادية، يتداخل فيها الهدوء الرسمي مع مؤشرات توتر متراكمة، من سداد وديعة إماراتية كبيرة في توقيت مالي ضاغط على باكستان، إلى ترحيل آلاف الباكستانيين من الإمارات.

وتتسع هذه المؤشرات مع انتقال التوتر إلى دوائر السياسة والأمن الإقليمي؛ حيث تتقدم الشراكة الإماراتية الهندية نحو المجال الدفاعي، في وقت تعمّق فيه باكستان ارتباطها الأمني بالسعودية، وتتعامل بحذر مع ملف إيران. 

فهل تعبر العلاقة بين الطرفين عن برود قابل للاحتواء، أم أن تغيّر التحالفات في الخليج وجنوب آسيا يدفع الشريكين القديمين نحو افتراق سياسي أعمق؟

ظهر أول مؤشر مباشر في ملف الوديعة الإماراتية، ففي أفريل 2026، واجهت باكستان استحقاقًا ماليًا ثقيلًا تمثل في سداد 3.5 مليار دولار للإمارات، وهي وديعة كانت أبوظبي قد وضعتها لدى البنك المركزي الباكستاني منذ عام 2018 لدعم ميزان المدفوعات. ووفق تقرير نشرته وكالة رويترز في 7 أبريل، كانت الوديعة تُمدد سابقًا، أولًا على أساس سنوي ثم على أساس شهري، قبل أن تسددها إسلام آباد كاملة عند حلول أجلها، في وقت بلغت فيه احتياطياتها الأجنبية نحو 16.4 مليار دولار، ما جعل قيمة السداد تعادل نحو 18 بالمئة من الاحتياطي.

هذه النسبة منحت الملف بعدًا سياسيًا، كون باكستان التي تعاني ضغطًا خارجيًا على السيولة كانت تميل عادة إلى تمديد الودائع الخليجية أو إعادة تدويرها ضمن تفاهمات جديدة، لا إخراج مبلغ كبير دفعة واحدة. لذلك فتح التوقيت باب التأويل حول ما إذا كان السداد مجرد استحقاق مالي، أم رسالة ضغط في علاقة بدأت تفقد شيئًا من مرونتها القديمة؟

وقدمت وزارة الخارجية الباكستانية تفسيرًا ماليًا للخطوة، نافية أن يكون السداد مرتبطًا بخلاف جيوسياسي مع الإمارات، ومؤكدة أن إعادة الوديعة جاءت ضمن الالتزامات المالية للبلاد ومع برنامج صندوق النقد الدولي.

وقالت صحيفة South China Morning Post، اليومية ومقرها هونغ كونغ، في 11 أبريل 2026: إن أبوظبي كانت تطلب سداد الوديعة قبل أيام من مساعدة باكستان في ترتيب وقف إطلاق النار في حرب إيران، وإن الخطوة رافقتها موجة انتقادات إماراتية على مواقع التواصل ضد موقف إسلام آباد. 

ونقل التقرير ردًا إماراتيًا متداولًا يقول: “نسمع دبلوماسية، لكن لا نسمع وضوحًا”، في إشارة إلى أن المشكلة لم تكن مالية فقط في نظر بعض الأصوات الإماراتية.

وفي منتصف أبريل 2026، دخلت السعودية على خط السيولة الباكستانية، فقد أكد وزير المالية الباكستاني محمد أورنغزيب أن الرياض وافقت على تقديم 3 مليارات دولار دعمًا إضافيًا لبلاده، كما أكد متحدث باسم وزارة المالية بالمملكة الاتفاق على الوديعة.

وفي القراءة المالية، تظهر الرياض كمنقذ للسيولة الباكستانية، ولكن سياسيا، يفتح التزامن سؤالًا حول اختلاف حسابات أبوظبي والرياض تجاه إسلام آباد في لحظة ضاغطة.

ويتعلق المؤشر الثاني بملف الجالية الباكستانية في الإمارات، ففي ماي 2026، قالت صحيفة Dawn اليومية الباكستانية الناطقة بالإنجليزية: إنه جرى إحالة ملف ترحيل باكستانيين من الإمارات إلى لجنة في مجلس الشيوخ الباكستاني.

وجاء ذلك بعدما أعلنت وزارة الداخلية في إسلام أباد أن 3494 مواطنًا باكستانيًا رحلوا بين يناير وأبريل 2026 لأسباب قالت: إنها مرتبطة بمخالفات قانونية أو شؤون إقامة.

وفي الشهر نفسه، قال المتحدث باسم الخارجية الباكستانية طاهر أندربي: إن السلطات أصدرت نحو 1500 وثيقة سفر طارئة لإعادة مواطنين في إطار إجراءات عفو وإقامة، وإن الملف لا يحمل دافعًا سياسيًا.هذه الرواية الرسمية اصطدمت برواية أخرى أكثر حساسية، ففي 25 مايو 2026، نشرت رويترز تقريرًا نقلت فيه عن قاعدة بيانات لحزب مجلس وحدة المسلمين في باكستان أن نحو 7500 باكستاني شيعي رحلوا من الإمارات منذ 28 فبراير 2026.

ونفت السلطات الباكستانية أن يكون الترحيل قائمًا على أساس طائفي، وذكرت أن الحالات مرتبطة بمخالفات قانونية وإدارية، لكن التوقيت أبقى باب الشك مفتوحًا، خاصة أن الترحيلات جاءت في ظل حرب إيران وما أثارته من حساسية أمنية وطائفية داخل الخليج. 

ومع وجود نحو 1.8 مليون باكستاني في الإمارات، وتحويلات سنوية تتجاوز 6 مليارات دولار، بحسب تقديرات أوردتها رويترز في تقريرها عن الترحيلات، لم يعد الملف مسألة هجرة فقط، بل صار اختبارًا لأحد الأعصاب الاقتصادية في علاقة البلدين.

ولا تأتي حساسية الترحيلات من عدد المرحلين وحده، بل من موقع الجالية الباكستانية في اقتصاد إسلام أباد وفي العلاقة مع الإمارات. وذكرت منصة Mettis Global الباكستانية المتخصصة في بيانات الأسواق والاقتصاد أن تحويلات العاملين إلى باكستان بلغت 4.25 مليارات دولار في مايو 2026، جاء منها 1.01 مليار دولار من الإمارات، بينها 828 مليون دولار من دبي وحدها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق