أخبار العالم

مستقبل الردع الوطني في ظل الحروب غير المتماثلة

 

لم تعد قوة الدول تُقاس بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ التي تمتلكها فقط؛ لأن الحروب الحديثة لم تعد تبدأ دائماً عند الحدود، ولم يعد الخصم مضطراً إلى امتلاك جيش مماثل كي يهدد أمن الدولة.

في الحروب غير المتماثلة قد يبدأ الهجوم من هاتف، أو منصة رقمية، أو اختراق سيبراني، أو حملة تضليل، أو أزمة اقتصادية مصطنعة، أو شبكة صغيرة تعرف جيداً أين توجد نقطة الضعف.

وهنا تتغير فلسفة الردع.

فالردع الحديث لا يعني فقط أن تقول الدولة لخصمها: إذا هاجمتني سأعاقبك، بل أن تبني منظومة تجعله يدرك أن محاولته لن تحقق هدفها أصلاً.

الدولة القوية اليوم هي التي تستطيع حماية حدودها، وبياناتها، واقتصادها، وبنيتها التحتية، ومؤسساتها، ووعي مجتمعها، والأهم من ذلك قرارها الوطني.

لذلك أصبح الأمن السيبراني، والإنذار المبكر، والمناعة المجتمعية، والاقتصاد المرن، والتفوق المعلوماتي، وسرعة اتخاذ القرار، عناصر لا تقل أهمية عن القوة العسكرية في صناعة الردع.

فالخصم غير المتماثل لا يبحث غالباً عن أقوى نقطة في الدولة، بل عن أضعف حلقة فيها؛ وقد تكون هذه الحلقة معلومة مسرّبة، أو مؤسسة هشة، أو انقساماً مجتمعياً، أو شائعة تتحول في الوقت المناسب إلى أزمة ثقة.

ومن هنا فإن مستقبل الردع الوطني يقوم على معادلة جديدة:

قوة عسكرية + أمن سيبراني + مرونة اقتصادية + مناعة مجتمعية + تفوق معلوماتي + إرادة سياسية = ردع وطني أكثر فاعلية.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي ستصبح المعركة أكثر تعقيداً؛ لأن الأفضلية لن تكون دائماً لمن يمتلك السلاح الأقوى، بل لمن يستطيع اكتشاف التهديد وتحليله واتخاذ القرار قبل خصمه.

إن أخطر ما في الحروب غير المتماثلة أنها قد تجعل الدولة تخسر من الداخل قبل أن تُهزم في الخارج.

لذلك فإن الردع الحقيقي يبدأ من قوة الدولة من الداخل.

فالمستقبل لن يكون لمن يستطيع توجيه الضربة الأكبر فقط، بل لمن يستطيع أن يقول لخصمه:

قد تستطيع أن تضغط علينا… لكنك لن تستطيع تعطيل دولتنا، أو كسر مجتمعنا، أو السيطرة على قرارنا.

وهنا تتحول القوة من مجرد امتلاك للسلاح إلى قدرة وطنية على الصمود والمنع والاستباق وصناعة الردع.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق