لبنان بين ضغوط نزع السلاح ومخاطر إعادة إشعال الصراع: هل يتحول الملف السوري إلى مدخل لمواجهة حزب الله؟

اعداد ادريس احميد: قسم البحوث والدراسات 25-06-2026
عاد ملف حزب الله في لبنان إلى واجهة الأحداث بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إمكانية قيام سوريا بدور في مواجهة الحزب، وهي تصريحات أثارت جدلاً واسعاً لما تحمله من أبعاد سياسية وأمنية، في ظل استمرار الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المطالبة بنزع سلاح حزب الله، وسط انقسام لبناني حول مستقبل هذا السلاح ودور المقاومة داخل الدولة.
لكن هذه التطورات تأتي في سياق إقليمي معقد، فالمواجهة مع حزب الله لا يمكن فصلها عن تاريخ طويل من الصراع اللبناني–الإسرائيلي، وعن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، خاصة بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، والذي شكل نقطة تحول أدت إلى ظهور المقاومة اللبنانية التي حصلت لاحقاً على دعم إيراني، كما استفادت من تحالفات إقليمية أبرزها العلاقة مع سوريا.
المقاومة اللبنانية والصراع مع إسرائيل
منذ نشأته، ارتبط حزب الله بمشروع مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وخاض عدة مواجهات عسكرية كان أبرزها تحرير جنوب لبنان عام 2000 بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، ثم حرب عام 2006 التي شكلت محطة مهمة في تاريخ الصراع، حيث استطاع الحزب الصمود أمام الجيش الإسرائيلي رغم الفارق الكبير في الإمكانيات العسكرية.
ولهذا فإن أي قراءة لمستقبل حزب الله يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الخبرة العسكرية والتنظيمية التي اكتسبها خلال سنوات طويلة من المواجهة، إضافة إلى امتلاكه قاعدة شعبية وحضوراً سياسياً داخل لبنان.
بين سلاح المقاومة وسيادة الدولة
يبقى ملف سلاح حزب الله من أكثر القضايا تعقيداً في الداخل اللبناني. فهناك من يرى أن وجود السلاح خارج إطار الدولة يمثل تحدياً لسيادة المؤسسات الرسمية، بينما يرى مؤيدو الحزب أن هذا السلاح ارتبط تاريخياً بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي وحماية لبنان في ظل ضعف قدرة الدولة على القيام بهذا الدور.
ومن هنا فإن أي محاولة لمعالجة هذا الملف عبر الضغوط الخارجية أو فرض حلول بالقوة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وتزيد من حالة الانقسام الداخلي.
فالطريق الأكثر واقعية يجب أن يكون عبر حوار لبناني–لبناني يراعي هواجس جميع الأطراف، ويبحث مستقبل السلاح ضمن استراتيجية دفاع وطنية تحفظ دور الدولة وتحمي لبنان من الأخطار الخارجية.
هل يمثل التدخل السوري حلاً أم إعادة إنتاج للأزمة؟
إن الحديث عن دور سوري عسكري في لبنان يثير الكثير من التساؤلات، خصوصاً أن التجربة التاريخية مختلفة تماماً. فقد دخل الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 في سياق الحرب الأهلية اللبنانية، وبغطاء عربي من خلال قوات الردع العربية التي تشكلت بقرار من جامعة الدول العربية، قبل أن يتحول الوجود السوري لاحقاً إلى نفوذ سياسي وأمني واسع انتهى بالانسحاب عام 2005.
أما الحديث اليوم عن دخول مجموعات مسلحة سورية إلى لبنان لمواجهة حزب الله، فإنه يحمل مخاطر كبيرة، خاصة في ظل تعقيدات الوضع السوري الداخلي وحاجة سوريا إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة.
كما أن حزب الله يمتلك تجربة طويلة في مواجهة الجماعات المسلحة خلال الحرب السورية، حيث لعب دوراً عسكرياً دعماً لحلفائه هناك، وهو ما يجعل أي محاولة لاستخدام مجموعات مسلحة في مواجهة الحزب داخل لبنان مغامرة قد تؤدي إلى تصعيد واسع.
مشروع إقليمي أم حل لبناني؟
يرى مراقبون أن الضغط الأمريكي والإسرائيلي على حزب الله يأتي ضمن صراع أوسع مع إيران، باعتبار الحزب أحد أبرز حلفائها في المنطقة. ولذلك فإن أي مواجهة معه قد تتجاوز الحدود اللبنانية لتصبح جزءاً من صراع إقليمي أكبر.
وفي المقابل، فإن إسرائيل التي خاضت مواجهات طويلة مع حزب الله لم تتمكن من إنهاء وجوده، وهو ما يجعل اللجوء إلى أدوات أخرى، ومنها الضغط السياسي أو محاولة تغيير البيئة المحيطة بالحزب، أحد الخيارات المطروحة في الصراع الدائر.
لكن تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية قد يعيد البلاد إلى أجواء الانقسام والصراع الداخلي، وهي تجربة دفع اللبنانيون ثمنها خلال الحرب الأهلية.
دور تركيا وحسابات الاستقرار الإقليمي
في ظل هذه التطورات، يظهر الدور التركي باعتباره عاملاً مهماً في المشهد السوري واللبناني، حيث تنظر أنقرة بحذر إلى أي تصعيد جديد قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، خصوصاً إذا تحول الملف اللبناني إلى مواجهة مفتوحة بين قوى إقليمية.
فأي صدام واسع داخل لبنان لن يقتصر تأثيره على الداخل اللبناني، بل قد يمتد إلى سوريا والعراق والمنطقة بأكملها.
لبنان يحتاج إلى التوافق لا الفتنة
إن مستقبل لبنان لا يمكن أن يبنى على التدخلات الخارجية أو محاولات فرض موازين قوى جديدة بالقوة. فلبنان يحتاج إلى مصالحة وطنية حقيقية تعيد بناء الدولة وتضمن مشاركة جميع مكوناته.
ومن حق اللبنانيين مناقشة مستقبل سلاح حزب الله ودور الدولة، لكن هذا النقاش يجب أن يتم داخل الإطار الوطني اللبناني، بعيداً عن الضغوط الخارجية والاستقطابات الإقليمية.
فالخطر الأكبر ليس فقط في الخلاف حول السلاح، بل في تحويل هذا الخلاف إلى فتنة داخلية قد تعيد لبنان إلى مرحلة مؤلمة من تاريخه.
وفي النهاية، فإن استقرار لبنان يتطلب الاعتراف بتعقيدات الواقع، وعدم إنكار الأدوار التي لعبتها مختلف الأطراف خلال مراحل الصراع، مع ضرورة أن يكون القرار اللبناني بيد اللبنانيين، لا أن يتحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين.



