مصر والصين… زيارة ترسم ملامح مرحلة جديدة في التوازنات الإقليمية والدولية

اعداد ادريس احميد: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 31-08-2026
لا تبدو زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى مصر مجرد محطة في جولة خارجية، أو مناسبة للاحتفال بمرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، وإنما تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تتقاطع فيه التحولات الإقليمية مع إعادة تشكيل النظام الدولي، والتنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ والأسواق والشراكات الاستراتيجية.
وتكتسب الزيارة، التي تأتي بعد عشر سنوات من آخر زيارة للرئيس الصيني إلى مصر، حيث كانت زيارته إلى القاهرة في يناير 2016، أهمية خاصة لكونها تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات المصرية ـ الصينية، التي انتقلت خلال العقود الماضية من علاقات سياسية تقليدية إلى شراكة استراتيجية شاملة ومتعددة الأبعاد. ومن المقرر أن يبحث شي جينبينغ مع الرئيس عبد الفتاح السيسي تعزيز العلاقات الثنائية، إلى جانب ملفات إقليمية ودولية ذات اهتمام مشترك.
وتأتي الزيارة المرتقبة في الأيام الأولى من سبتمبر 2026، عقب مشاركة الرئيس الصيني في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في العاصمة القرغيزية بشكيك، ضمن جولة تمتد من 30 أغسطس إلى 3 سبتمبر، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية الصينية. ولم تحدد الرئاسة المصرية حتى الآن بصورة منفصلة اليوم الدقيق لوصول الرئيس الصيني إلى القاهرة، وهو ما يجعل الحديث عن «بداية سبتمبر» هو التعبير الأدق في الوقت الراهن.
وتكتسب الزيارة أيضاً دلالة خاصة بالنظر إلى كثافة الزيارات الرئاسية المتبادلة. فمنذ توليه الرئاسة عام 2014، قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة الصين سبع مرات، شملت مشاركته في قمم وفعاليات دولية وزيارات رسمية، فيما زار الرئيس الصيني شي جينبينغ مصر مرة واحدة في يناير 2016، لتكون الزيارة المرتقبة في سبتمبر 2026 ثاني زيارة له إلى مصر. وقد أسهم هذا التواصل الرئاسي المتكرر في ترسيخ الطابع الاستراتيجي للعلاقات بين البلدين.
وتعود العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى 30 مايو 1956، حين أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع جمهورية الصين الشعبية. ومنذ ذلك التاريخ، حافظت القاهرة وبكين على قدر من الاستمرارية السياسية، حتى في مراحل التحولات الدولية الكبرى، قبل أن تتطور العلاقات بصورة لافتة وصولاً إلى توقيع الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014. وفي مايو الماضي، احتفل البلدان بمرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية.
ولم تكن العلاقات المصرية ـ الصينية اقتصادية فقط، بل حملت على مدى عقود أبعاداً سياسية وعسكرية مهمة. فقد وقفت الصين إلى جانب مصر في مراحل تاريخية مختلفة، وقدمت دعماً اقتصادياً وعسكرياً، فيما حافظت القاهرة على سياسة مستقلة في علاقاتها الدولية، تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان إلى محور واحد.
اقتصاد يتجاوز التجارة
ويمثل الاقتصاد أحد أهم أعمدة الشراكة الجديدة. فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين مصر والصين إلى نحو 20.78 مليار دولار خلال 2025، مقارنة بنحو 17.37 مليار دولار في 2024، فيما بلغ نحو 11 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من 2026. وتكشف هذه الأرقام عن حجم المصالح الاقتصادية المتنامية بين البلدين، وإن كان الميزان التجاري لا يزال يميل بقوة لصالح الصين.
ولا تقتصر الآفاق الاقتصادية على زيادة حجم التجارة، بل تمتد إلى الاستثمار والصناعة والطاقة والنقل والاقتصاد الرقمي. وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها إحدى أهم ساحات التعاون، إلى جانب مشروعات في الطاقة الجديدة والسيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وهي قطاعات تسعى القاهرة إلى توسيع حضورها فيها بما يخدم أهداف التصنيع ونقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل.
ومن هنا، فإن أهمية الزيارة الاقتصادية لا تكمن فقط في توقيع اتفاقيات جديدة، وإنما في محاولة الانتقال بالعلاقة من نموذج يقوم بدرجة كبيرة على التجارة إلى نموذج أكثر توازناً يقوم على الإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا ونقل المعرفة.
المناورات… رسالة عسكرية في توقيت سياسي
وفي هذا السياق، تأتي المناورات الجوية المشتركة «نسور الحضارة 2026» باعتبارها إحدى الإشارات المهمة إلى اتساع التعاون بين البلدين في المجال العسكري. فقد انطلقت في 22 أغسطس بمشاركة طائرات مقاتلة متعددة المهام، وتنفذ على مدار عدة أيام في عدد من القواعد الجوية المصرية، في النسخة الثانية من التدريب بعد النسخة الأولى عام 2025. وتشمل التدريبات القتال الجوي والتفوق الجوي والبحث والإنقاذ القتالي وتوظيف القوات.
وتأتي زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة بعد أيام من انطلاق المناورات، وهو توقيت لا يمكن تجاهله عند قراءة الصورة الأشمل للعلاقات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود ارتباط مباشر بين الزيارة والتدريب. فالمناورات تعكس تطور مستوى الثقة والتنسيق العسكري، بينما تمنح الزيارة إطاراً سياسياً أوسع لمسار التعاون بين البلدين.
والأهم أن التعاون العسكري لا يعني بالضرورة تحول مصر إلى طرف في محور دولي، فالقاهرة حافظت تاريخياً على علاقات عسكرية واسعة مع قوى متعددة، وتتعامل مع تنويع مصادر التسليح والتدريب باعتباره جزءاً من استقلال قرارها الاستراتيجي.
الصين والولايات المتحدة… التنافس الذي يعيد رسم الخريطة
لكن قراءة زيارة شي جينبينغ إلى مصر لا تكتمل من دون وضعها في إطار التنافس المتصاعد بين الصين والولايات المتحدة.
فبكين تتحرك خلال السنوات الأخيرة لتوسيع شبكة علاقاتها في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، ليس فقط من خلال التجارة والاستثمار، وإنما عبر الدبلوماسية والشراكات الاستراتيجية والبنية التحتية والتكنولوجيا. وللصين علاقات واسعة مع دول الخليج والسعودية وإيران وتركيا وباكستان، فضلاً عن حضور اقتصادي متزايد في أفريقيا.
وتكتسب مصر أهمية خاصة في هذه الاستراتيجية؛ فهي دولة عربية وأفريقية، وتتحكم في قناة السويس، وتمتلك موقعاً جغرافياً يربط المتوسط بالبحر الأحمر، كما تتمتع بثقل سياسي وعسكري وإقليمي يجعلها شريكاً يصعب تجاهله في أي تصور طويل الأمد للمنطقة.
وبالنسبة إلى بكين، فإن بناء علاقات قوية مع القاهرة لا يعني فقط تعزيز المصالح الثنائية، بل يمنح الصين موطئ قدم أكثر رسوخاً في منطقة شديدة الأهمية بالنسبة للتجارة والطاقة والأمن البحري، ويعزز حضورها في أفريقيا والعالم العربي.
وفي المقابل، تنظر واشنطن إلى التوسع الصيني في هذه المناطق في سياق منافسة عالمية أوسع. ومع تزايد الضغوط التي تواجهها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، واتساع الأزمات الإقليمية، فإن دخول الصين بقوة أكبر إلى شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية للمنطقة قد يؤدي تدريجياً إلى إعادة توزيع النفوذ.
وهنا تبرز أهمية مصر باعتبارها دولة قادرة على التعامل مع أكثر من قوة دولية في الوقت نفسه، بما فيها الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب انخراطها في تجمعات دولية مثل بريكس.
مخاوف إسرائيل ومشهد إقليمي جديد
ولا يمكن تجاهل أن تنامي التعاون العسكري المصري ـ الصيني يحظى بمتابعة إسرائيلية، خصوصاً بعد المناورات الجوية المشتركة. وقد أثارت تقارير إسرائيلية خلال العام الماضي مخاوف بشأن احتمال حصول مصر على مقاتلات صينية متطورة وصواريخ جو ـ جو بعيدة المدى، إلا أن مسؤولين وخبراء مصريين شددوا على ضرورة عدم ربط المناورات الحالية بصفقات تسليح محددة.
وتكمن أهمية المسألة في أن مصر لا تبحث، من خلال تنويع علاقاتها العسكرية، عن مواجهة طرف بعينه، بقدر ما تسعى إلى تعزيز قدراتها وخياراتها الاستراتيجية. ومن هذا المنظور، فإن تعدد الشراكات قد يسهم في خلق قدر أكبر من التوازن في المنطقة، بدلاً من احتكار قوة واحدة لمصادر التكنولوجيا والتسليح والنفوذ.
كما أن انفتاح مصر على الصين وروسيا ودول أخرى، بالتوازي مع استمرار علاقاتها بالولايات المتحدة وأوروبا، يعزز مساحة الحركة أمام القاهرة ويمنحها قدرة أكبر على المناورة السياسية في بيئة دولية شديدة الاستقطاب.
أفريقيا… القاهرة بوابة بكين
وتتضاعف أهمية الشراكة بالنسبة إلى الصين بالنظر إلى الدور المصري في أفريقيا. فالقاهرة لا تمثل فقط سوقاً كبيرة وموقعاً استراتيجياً على طرق التجارة الدولية، وإنما تمتلك أيضاً شبكة علاقات سياسية وتاريخية واسعة داخل القارة.
ومن خلال مصر، تستطيع الصين تعزيز حضورها في شمال أفريقيا والبحر الأحمر، وربط مصالحها الاقتصادية بممرات التجارة الدولية، فضلاً عن الاستفادة من موقع مصر في محيطها العربي والأفريقي.
وفي المقابل، تستطيع القاهرة الاستفادة من القدرات الصينية في مجالات التكنولوجيا والصناعة والبنية التحتية والطاقة والاتصالات، بما يدعم توجهها نحو التحول إلى مركز إقليمي للإنتاج والتجارة والخدمات.
التعاون العلمي والتكنولوجي… الرهان الأبعد
وقد يكون المجال العلمي والتكنولوجي هو أحد أكثر المجالات أهمية في المرحلة المقبلة. فالتعاون لم يعد محصوراً في البنية التحتية والتجارة، وإنما يتجه نحو الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة الجديدة والسيارات الكهربائية والفضاء والتكنولوجيا المتقدمة. وتؤكد الصين استعدادها لتوسيع التعاون مع مصر في هذه المجالات باعتبارها محركات جديدة للنمو.
وهنا يمكن أن تحقق الشراكة قيمة أكبر إذا انتقلت من مجرد استيراد المنتجات الصينية إلى بناء قدرات إنتاجية وعلمية محلية، بما يسمح لمصر بأن تكون قاعدة للتصنيع والتصدير إلى أفريقيا والمنطقة.
شراكة تتجاوز الحسابات الثنائية
في النهاية، فإن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تحمل رسالة تتجاوز حدود العلاقات الثنائية. فالصين تبحث عن شراكات طويلة الأمد مع دول محورية في العالم العربي وأفريقيا، ومصر تبحث عن توسيع خياراتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة.
ولا يعني ذلك بالضرورة قيام محور صيني في المنطقة، أو تراجع العلاقات المصرية مع الولايات المتحدة، وإنما يعكس واقعاً دولياً جديداً تتراجع فيه فكرة القطب الواحد لمصلحة شبكة أكثر تعقيداً من الشراكات والمصالح.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى التعاون المصري ـ الصيني باعتباره فرصة لبناء قدر أكبر من التوازن، شريطة أن تظل علاقات القاهرة مفتوحة ومتوازنة مع مختلف القوى، وأن يكون معيارها الأساسي هو تحقيق مصالح الشعب المصري ودعم الاستقرار والتنمية في المنطقة.
فالصين، بسياسة تقوم بدرجة كبيرة على الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا والدبلوماسية، تسعى إلى توسيع نفوذها بطريقة مختلفة عن أنماط النفوذ التقليدية. ومصر، بموقعها وثقلها الإقليمي وصلاتها العربية والأفريقية والدولية، تستطيع أن تكون شريكاً مهماً في هذا التحول.
ومن هنا، فإن زيارة شي جينبينغ ليست مجرد زيارة رئيس إلى حليف قديم، بل محطة في مسار قد يعيد تعريف طبيعة الشراكة المصرية ـ الصينية، ويمنح القاهرة خيارات أوسع، ويضيف إلى المنطقة عاملاً جديداً في معادلة التوازن الدولي، في وقت يشهد فيه العالم تحولات عميقة ستحدد ملامح النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.



