أخبار العالمأنشطة المركزبحوث ودراسات

كلمة الاستاذ هيثم السيّد في الملتقى الصيني العربي: بناء المجتمع الصيني العربي لمستقبل المصير المشترك في ظل التغيرات غير المسبوقة

أصحاب السعادة، أصحاب المعالي، السيدات والسادة الباحثون والخبراء، السلام عليكم

ورحمة الله وبركاته.

يسعدني أن أشارك معكم في هذه الورشة العلمية التي تناقش أحد أهم الموضوعات في العلاقات الدولية المعاصرة، وهو بناء المجتمع الصيني العربي لمستقبل المصير المشترك، في وقت يشهد فيه العالم تغيرات متسارعة تعيد تشكيل موازين القوى، وأنماط التعاون، وأولويات الدول.

عندما نتحدث عن العلاقات العربية الصينية، فإننا لا نتحدث عن علاقة طارئة فرضتها الظروف الدولية، وإنما عن علاقة تمتد جذورها إلى طريق الحرير قبل أكثر من ألفي عام، والذي كانت قصة إنشائه تتمحور حول جذب التنمية وتحييد الصراعات وخلق الاستقرار، ومن خلال هذا الطريق عاشت الحضارتين العربية والصينية أوج ازدهارها في عصور صدر الإسلام والدولتين الأموية والعباسية بالنسبة للعرب، قابلها في الصين عصر أسرة تانغ، ولكن تدهور هذا الطريق ومن ثم انقطاعه أدى بنهاية المطاف إلى عصور توارت فيها شمس الحضارتين في التأثير على مشهد النفوذ العالمي.

واليوم تعود هذه العلاقة بصورة أكثر نضجاً، مدفوعة بالمصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، والرغبة في بناء شراكة تحقق التنمية والاستقرار للطرفين، لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن العالم العربي والصين يمتلكان فرصاً كبيرة لتطوير هذه الشراكة، فالصين أصبحت الشريك التجاري الأول لعدد كبير من الدول العربية، بينما تمثل المنطقة العربية شريكاً محورياً في أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، ومبادرة الحزام والطريق، إضافة إلى موقعها الجيوسياسي الذي يربط بين ثلاث قارات.

ومن وجهة نظري، فإن مستقبل العلاقات العربية الصينية لن يتوقف عند التعاون الاقتصادي والتجاري فقط، إذ تتجه الرؤى بصورة متزايدة نحو مجالات أكثر عمقاً، مثل الابتكار، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والأمن الغذائي، والتعليم، والبحث العلمي، والتبادل الثقافي، وهذه المجالات هي التي ستحدد شكل الشراكة خلال العقود المقبلة.

وفي المقابل، فإن نجاح بناء المجتمع الصيني العربي لمستقبل المصير المشترك يتطلب مواجهة عدد من التحديات، من أبرزها استمرار الاضطرابات الإقليمية، وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، ومحاولات استقطاب دول المنطقة ضمن محاور متنافسة.

لذلك فإن الحفاظ على استقلالية القرار، وتعزيز الحوار، واحترام خصوصية كل دولة، سيظل أساساً لاستمرار هذه الشراكة.

ومن الشراكة السعودية الصينية، نلاحظ نموذجاً عملياً لهذا التوجه، فقد شهدت العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة تطو ارً غير مسبوق على المستويات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والثقافية، كما أسهم توافق رؤية المملكة 2030 مع مبادرة الحزام والطريق في فتح آفاق واسعة للتعاون، وأصبح هذا النموذج مثالًا يمكن البناء عليه لتوسيع التعاون العربي الصيني.

إن بناء مجتمع صيني عربي ذو مصير مشترك يتطلب رؤية تقوم على المصالح المتبادلة، والتنمية المشتركة، واحترام التنوع الحضاري، والإيمان بأن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة، وأن التعاون هو الخيار الأكثر استدامة في عالم تتزايد فيه التحديات.

وأخيرا، أؤمن بأن المرحلة القادمة تتطلب من مراكز الفكر والجامعات والباحثين في الجانبين القيام بدور أكبر في إنتاج المعرفة، والتعاون المشترك في تقديم رؤى عملية تساعد الطرفين على تطوير هذه العلاقة بما يخدم مصالح الشعوب العربية والصينية، ويعزز الاستقرار والتنمية على المستويين الإقليمي والدولي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق