أخبار العالمبحوث ودراسات

طبيعة المثقّف العضوي والمثقّف التقليدي داخل الدولة

اعداد صبرين العجرودي: قسم البحوث والدراسات السياسية والعلاقات الدولية

أثار مفهوم “المثقف” الكثير من الجدل في الفترات السابقة التي تزامنت مع الفترات الاستعمارية وهيمنة الرأسمالية على السلطة، وقد اشتدت النقاش حوله خاصة بعد تحقيق الشعوب لاستقلالها، نظرا لدوره الجوهري وتأثيراته الكبيرة في أنظمة الحكم وفي الشعوب وفي مختلف مناحي الحياة الاجتماعية خاصة منها الجانب المتعلق بالسلطة والسياسة.

ويجدر القول بأنّه لا يمكن حصر مفهوم المثقف ضمن زاوية واحدة أو الاقرار بوجود نموذج واحد يجمع بين كلّ المثقفين، ذلك لأنه في الفترات ما بعد الاستعمارية ومع ظهور الثورات الفكرية تفكّك مفهوم المثقّف وفقا لدوره وغاياته وطبيعته في المجتمعات، فلم نعد نتحدّث عن تأثير موحّد يجمع بين كلّ المثقفين.

يعتبر “انطونيو غرامشي” من الفلاسفة الماركسيين (الذين يحلّلون المجتمع تحليلا طبقيا) الذين سلّطو الاضواء كثيرا على هذا المفهوم،ويرتبط المثقف بالنسبة لهارتباطا وثيقا بـ”الدولة و”الهيمنة”، إذ لا يمكن فهم سمات المثقف وخصائصه  وما يضطلع به من أدوار داخل المجتمع بمعزل عن المفهومين السابق ذكرهما، لانه يمثّل عنصرا فاعلا في الدولة وتتشابك علاقته بالهيمنة والرأسمالية، فنجد ذلك المثقف المنصهر عضويا في قضايا مجتمعه، وذلك المنشغل بأنشطته بعيدا عن هموم الطبقات المهمّشة.

باعتبار أن غرامشي من الفلاسفة الماركسيين، سنقوم أوّلا بتوضيح الرؤيا الماركسية للمجتمع وكيف يتبنى غرامشي جزءا هامّا منها، وذلك سيحملنا بالضرورة الى تسليط الاضواء على وظيفة المثقّف العضوي والمثقّف التقليدي، ممّا سيبيّن أوجه الاختلاف بينهما.

المنظور الطبقي للمجتمع

يسلّط الفيلسوف وعالم الاجتماع “كارل ماركس” الضوء على الصراع الطبقي معتبرا إياه انه من أهم السمات المميّزة لطبيعة المجتمعات، ويقسّمه الى طبقتين دون سواهما، الطبقة الرأسمالية القريبة من وسائل الانتاج (من يملكون الثروة) والطبقة العاملة (من لا يملكون الثروة وليس لهم القدرة على ذلك).

فمثلا هناكفارق كبير بالنسبة له بين أصحاب الاراضي والعاملين فيها (الفلاحين)، وبين اصحاب المصانع والعمّال، إذ ينتج عن هذا الاختلاف حدوث صراع في نظام الانتاج الاجتماعي ككل.

والفرق الكامن بين “كارل ماركس” و”فلاديمير لينين” هو ان الاول يقسّم المجتمع الى طبقتين رئيسيتين، الطبقة الرأسمالية المالكة لوسائل الانتاج والطبقة العاملة الغير مالكة لهذه الوسائل.

 في حينيرى الثاني أن المجتمع ينقسم الى مجموعة طبقات، ويجدر القول أنّ ذلك لا يلغي وجود الطبقة الرأسمالية المالكة لوسائل الانتاج والطبقة العاملة، لكن تتواجد فيما بينهم مجموعة من الطبقات الاخرى التي تشغل مواقع مختلفة من نظام الانتاج الاجتماعي ووسائل الانتاج، وتعكس طريقة تحصيلها للثروة المكانة التي تحتلها في المجتمع.

يجدر القول أنه مع الفكر اللينيني القائل بوجود عديد الطبقات الاجتماعية المتباينة فيما بينها، فإن حدّة الصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة ستكون منخفضة، لكن إذا ما تقيّدنا بالفكر الماركسي المقر بوجود طبقتين فقط فإن التوتر بينهما سيكون في أعلى مستوياته بقدرالفارق الكبير في توزّع الثروة بين هاذين الطبقتين.

الطبقية في المجتمعات الحديثة

تعتبر المجتمعات البدائية خارج المنظور الطبقي للمجتمع، فباعتبار أن ماركس يرىبأنّ وسائل الانتاج هي المؤدية لظهورالطبقات الاجتماعية وتحدّدموقعها من نظام الانتاج الاجتماعي وتحصيل الثروة، فإن ضعف الانتاج  في الفترات البدائية لا يمكنه أن يؤدي الى تراكم الثروات لدى فئة معيّنة مقابل ضعفها لدى اخرى،والمقصود بذلك هو غياب تام لمفهوم الملكية الخاصة.

ومع تطور وسائل الانتاج وارتفاع الانتاجية، أصبح للأفراد القدرة على الامتلاك والتحكم في الانتاج وتقسيم العمل وتحقيق الارباح ممّا أدى الى ظهور الطبقة الاجتماعية المالكة لوسائل الانتاج والطبقة العاملة، وأصبح الصراع هو السمة الاساسية المميّزة للمجتمعات المعاصرة، فبمجرّد أن ظهرت طبقة لها القدرة على الامتلاك والتحكم في نظام الانتاج مقابل وجود طبقة اخرى تعمل لحساب هذه الطبقة المهيمنة على وسائل الانتاج، خرجت المجتمعات من شكلها الموحّد الغير متمايز، لتظهر بعناصرها الجديدة المتناقضة المفضية للصراع.

بالتالي نستخلص في هذا الجزء بالقول أن تقسيم المجتمعات في الفكر الماركسي مرتبط أساسا بالملكية الخاصة لوسائل الانتاج، حيث يلعب هذا العنصر دورا رئيسيا في تحديد الطبقات الاجتماعية ومختلف وظائفها كما يؤدي الى بروز الصراع جرّاء التناقضات الواسعة بين الطبقة المهيمنة على نظام الانتاج الاجتماعي والطبقة المُهيمن عليها والتي تعمل لحساب مالكي وسائل الانتاج.

ويجدر القول أن الفكر الماركسي لا يتمحور فقط على الجانب الاقتصادي باعتبار أنه يصنّف فئات المجتمع على أساس اكتساب وسائل الانتاج، بل يعتبر أنّ بداية الهيمنة تنطلق ضرورة من الجانب الاقتصادي لتشمل فيما بعد جوانب اخرى، فتتكوّن الهيمنة السياسية والقانونية والعسكرية ..

الدولة كجهاز سيطرة على الناقضات الطبقية

اعتبر ماركس أنّ ظهور الطبقات الاجتماعية ارتبط بتطوّر المجتمعات وظهور الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، ويرتبط مفهوم الدولة لدى ماركس ارتباطا وثيقا بهذه الطبقية الاجتماعية، أو تحديدا يمكن القول أن وجود الدولة ليس إلا نتيجة الصراع بين الطبقة المالكة لوسائل الانتاج والطبقة العاملة، أي أننا لا نستطيع الحديث عن دولة في المجتمعات البدائية لأن انعدام الطبقية ووسائل الانتاج في الاخيرة لا يستوجب ذلك العنصر المنظّم والقاهر.

ومن هنا يمكننا توضيح مفهوم الدولة في الفكر الماركسي بأنها ليست بمعزل عن المجتمعات المتطوّرة، بل إنّها نتاج استعصاء التناقضات الطبقية، فكلما احتد الصراع الطبقي بين أصحاب المصالح الاقتصادية ودخلت المجتمعات في حالة عميقة من التناقضات والفوضى زادت الحاجة الى ظهور الدولة كقوة تنظيم وسيطرة على هذه الاوضاع، بالتالي فإن هذه الدولة وليدة مجتمع تطوّر داخله نظام الانتاج الاجتماعي ليفضي الى طبقات مهيمنة واخرى خاضعة تتصارع فيما بينها لتجعل المجتمع متداخلا، متناقضا، غير منظّم، …  ليبرز مفهوم الدولة بدوره التنظيمي.

الدولة عنصر هيمنة لصالح الرأسمالية

رغم أنّ الدولة تضطلع بدور السيطرة على صراعات المجتمع إلا أنها لا تتموقع بموضوعية بين الطبقات، ويعني ذلك أن الطبقة البرجوازية هي التي تمارس هذا الدور التنظيمي في كنف الدولة وتمثّل أهم عناصرها، أي الاقوى اقتصاديا هو من يحافظ على استقرار المجتمع ويقمع كل الحركات الثورية للطبقة العاملة الساعية نحو تغيير الاوضاع لصالحها، بالتالي فإن الدولة ليست إلا أداة تعمل لصالح الطبقة الاقوى.

ارتبط ظهور الدولة بالحاجة الى قوة تضبط الفوضى القائمة نتيجة الصراعات بين الطبقات الاجتماعية، وتقوم الطبقة العاملة بتحريك اسباب الفوضى ضد الطبقة الرأسمالية المهيمنة على وسائل الانتاج والتي تقوم باستغلالهم، لذلك فإن وظيفة الدولة ودواعي ظهورها هي قمع الفوضى التي تقوم بها الطبقة الكادحة ضدّ الطبقة المهيمنة، وبالتالي فهي تسعىلضمان استقرار الاوضاع لصالح البرجوازيين الذين بدورهم يمثلون هذه الدولة نظرا في أن الهيمنة الاقتصادية تبيح لهم كافة الاشكال الاخرى من الهيمنة والتي على رأسها الهيمنة السياسية (عن طريق الدولة تصبح الطبقة المهيمنة اقتصاديا مهيمنة سياسيا) وبالتالي تظهر وسائل اخرى للهيمنة خلافا للوسائل المعهودة (وسائل الانتاج). وباختصار الدولة هي أداة تضمناستمرار هيمنة الطبقة البرجوازية على الطبقة العاملة.

الدولة في الفكر الغرامشي بين القمع والايديولوجيا

يعتبر ماركس أنّ الدولة هي أداة أو جهاز لمراقبة المجتمع، بحيث تضطلع العناصر الحكومية البرجوازية بهذا الدور الرّقابي، غير أنّ “غرامشي” لا يقر بأن هذه الوظيفة الرقابية هي حكر فقط على الطبقة السياسية، بل يسلّط الضوء على المجتمع المدني، ويعتبر ان السيطرة على الصراعات هي وظيفة يقع تأمينها من العناصر المدنية والحكومية.

بالتالي يتشكّل مفهوم الدولة بالنسبة لغرامشي من نصفين مختلفين، أحدهما حكومي له وظائف قمعية قهرية تهدف الى السيطرة على الاوضاع وتكريس الشكل البيروقراطي لمؤسسات الدولة، أما الاخر فهو مدني ايديولوجي تكونه الاحزاب ومختلف المؤسسات الاجتماعية (المؤسسة الاعلامية، المؤسسة التعليمية، المنظمات، النقابات، الاحزاب، الجمعيات …) وتضطلع هذه العناصر بدور ايديولوجي سياسي، وهو مختلف تماما عن مفهوم السيطرة الحكومية ووظائف الهيمنة القمعية، وتكوّن عناصر المجتمع المدني ذلك النسق الاجتماعي المتكامل من العلاقات والتفاعلات الخ..التي تمارس نوعا مغايرا من السيطرة السياسية والقانونية، ليست كالسيطرة الحكومية (الديكتاتورية).

تعتبر الوظيفة الرئيسية للمجتمع المدني هي نشر الافكار والمبادئ والقيم الخاصة بطبقة ما، بحيث تبرز منطقة صراع اخرى الى جانب الصراع الطبقي، وهي صراع بين عناصر المجتمع المدني الساعية لكسب تأييد جماهيري لصالح طبقة معيّنة، فمثلا تسعى بعض الوسائل الاعلامية من المجتمع المدني لكسب تأييد جماهيري من خلال العمل الدعائي لأيديولوجية نظام سياسي معيّن، كما يمكن ان تعمل الاحزاب والمنظمات والجمعيات لصالح فكر معيّن من خلال الاقناع بأن الوضع الذي يمر به مجتمع ما هو سليم وأن سياسات المجتمع الحكومي ديمقراطية (الاقناع بوضع الهيمنة).

يعتبر الفكر الماركسي أنّ الدولة هي في الحقيقة أداة تفرض بها الطبقة المهيمنة سيطرتها وتساهم في ديمومتها، في حين يعتبر “غرامشي” أنّ الطبقة المهيمنة قد تلجأ في الكثير من الاحيان الى تهدئة الاوضاع وترويض الصراعات من خلال التحالفات والمشاريع المشتركة للحفاظ على استقرارها كطبقة مسيطرة سياسيا.

بالتالي فإن مفهوم الدولة بالنسبة له هو أعمق من كونه مجرّد آلة لكبح الصراعات وفرض الهيمنة، فعندما يقتصر دورها على ذلك الجانب فقط تكون مهدّدة بالانهيار بكل سهولة، واستمرارها مرتبط بمدى ليونتها وقدرتها على التحول من وضعية القمع الى التحالفات والحلول والتنازل عن المصالح إذا ما تطلّب الوضع ذلك، ويمكن اختصار الوضعية المخالفة للقوة والقهر فيما نطلق عليه “ايديولوجية المجتمع المدني”، أي تلك الافكار والقيم المهيمنة على العقول، وبذلك فإن مفهوم الدولة المهيمنة يتكرّس بالجمع بين القوة والايديولوجيا، حيث تُمارس الاولى عن طريق العناصر الحكومية، والثانية هي وظيفة المجتمع المدني.

ويجدر القول أنّ هذا الاخير (المجتمع المدني) يعتمد على أدوات واستراتيجيات مختلفة في السيطرة السياسية، لذلك تكون تأثيراته أكثر قوة من استراتيجيات المجتمع الحكومي المقتصرة فقط على القوة والقمع، وذلك ما يبرر نجاح الدولة في استمرارها بشكلها الجدلي الذي يجمع بين قمع الجهاز الحكومي وايديولوجية المجتمع المدني.

المثقف العضوي

بالنسبة لغرامشي تستمد كل جماعة في المجتمع وجودها من وظيفتها في نظام الانتاج الاجتماعي، وينبثق عن كل طبقة أو جماعة مثقف عضوي يكوّن لدى عناصر طبقته وعيا بهذه الوظيفة ويقوم بتقسيم وتنظيم أدوارها داخل الطبقة، ويحدث ذلك عن طريق ديناميكيته في الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية … حيث تُوضع على عاتقه العديد من المسؤوليات التنظيمية والرقابية …

يعمل المثقف العضوي على نشر قيم وأفكار طبقته قدر الامكان وصياغتها ضمن ايديولوجية واضحة أي توحيدها في منظومة موحّدة لضمان تجانسها، ذلك لأن هدفه الرئيسي هو هيمنة طبقته على المجتمع وفرض مصالحها والدفاع عن حقوقها.

وبالتالي فإن دور المثقف العضوي هو بناء قواعد ثابته وخاصة بالطبقة التي ينتمي إليها، من خلال العمل على صقل فكر أفرادها وتصوراتهم وتمثلاتهم اتجاه الاشياء، ليقوم فيما بعدبالدخول في موجة صراع مع الطبقات الاخرى لفرض الهيمنة.

وبالنسبة له لا يمكن اعتبار أنّ كل المثقفين هم مثقفونعضويون، ذلك لأن كل الافراد لهم القدرة في أن يكونوا مثقفين بأي معنى من المعاني وفقا لتصورات مجتمعاتهم، لكنهم غير قادرين على أن يكونوا مثقفين عضويين بسهولة، لأن المثقف العضوي له وظائف اجتماعية وله روابط عضوية بمجتمعه وهو قادر على تحديد اهدافه مسبقا ومن ثم العمل على تحقيقها من خلال الكفاءات الفكرية التي يحملها.

ومن هنا يمكننا تحديد الفرق بين كل من المثقف بالمعنى التقليدي لدى المجتمعات والمثقف العضوي بمعناه العملي المرتبط بالإنجاز والتحقيق والافكار والوظائف، إذ ان المثقف التقليدي له وعي مبالغ فيه بمكانته الاجتماعية ما يجعله يتخذ مسافة عن مختلف الطبقات الاخرى في المجتمع (منغلق على ذاته ومتمحور عليها)، إلا ان المثقف العضوي ينصهر في قضايا مجتمعه وطبقته ويسعى الى التغيير والهيمنة وتحقيق أهدافه،وهو يحمل وعيا كبيرا بمشاكل المجتمع ويسعى لتوظيف معارفه وقدراته لتحقيق تطلعات الطبقات العاملة مواجها الفكر الرأسمالي المهيمن والمسيطر على النظام الانتاج الاجتماعي وكل الجوانب القانونية والسياسية في المجتمع.

يرى “غرامشي” أنّ الخلل يكمن تحديدا في المعايير التي على اساسها يقع تثمين أنشطة المثقفين وتمييزها، فالمثقف الحقيقي بالنسبة له هو المثقف الذي يمارس أنشطة تحقق تغييرا فعليا في المجتمع الذي يعيش فيه وتخدم غايات للطبقة التي يؤمن بها، لذلك فإن تمييز الانشطة وإعطائها قيمة خارج أنساق المجتمع وقضاياه لا يعتبر تقييما ناجعا بالنسبة له.

 كما يرى أنّ الرأسمالية الجديدة عندما اتجهت الى الاساليب والعناصر المعتمدة على الادوات الأيديولوجية كان هدفها الرئيسي هي تلافي وقوع ثورة تقودها الطبقة العاملة (البروليتارية) وذلك جدير في أن يتسبّب في انهيارها، فوجدت في المراوحة بين وسائل القوة وأسلوب الارضاء تكريسا لثباتها وحفاظا على هيمنتها، ويُطلق “غرامشي” على هذا النوع من الرأسمالية بـ “الرأسمالية الجديدة”، وهي تعتبر أقوى وأكثر تأقلما من المفهوم الذي يقدمه “ماركس” والذي يقول بأنها لا تعتمد إلا على القوة في فرض هيمنتها وتعتمد على الدولة في السيطرة على الصراعات خدمةًلمصالحها. لكن قد يشكّل المثقّف الوظيفي نقطة مفصلية هامّة في تغيير الاوضاع لصالح البروليتارية دون أن تنطلي عليه استراتيجية الرأسمالية الجديدة التي يمكن تظهر في أغلب الاحيان بشكل عدد من “المثقفين التقليديين” المهيمنين على الطبقة العاملة، ويكون ذلك عن طريق “الحزب الثوري” المكوّن من طبقة من المثقفين العضويين الذين يحملون هدفا واضحا، وهو مجابهة الرأسماليين والمثقفين التقليديين المسيطرين على مختلف مجالات الحياة الاجتماعية لصالح الفلاحين والعمال والافراد المهمّشين، ويمكن أن تسمح فاعلية هذه الطبقة (من المثقفين العضويين) بأن يشكّلوا قوّة هيمنة بديلة عن هيمنة الرأسمالية، فكلّما كان الارتباط بين المثقف وهموم مجتمعه وقضاياه عضويا تمكّن هذا الاخير من الانجاز والتحقيق وخدمة مصالح الطبقة التي يعمل للدفاع عنها.

ويبيّن لنا ذلك بعمق الفرق بينه وبين المثقف التقليدي، إذ أنّ الاخير لا يحمل في داخله قضايا المجتمع بل يركّز اهتمامه على مصالحه دون الالتفات الى هموم الطبقات المهمّشة، اعتقادا منه أنّ ذلك قد يمس من مصلحته وعلاقاته مع الطبقات المهيمنة، وذلك على عكس المثقف العضوي الذي يستمد صفته ووجوده من الانجازات التي يمكن أن يحققها لصالح الطبقات التي آمنت بقدرته على الدفاع عنها وقيادتها وتنظيمها دون يولي اهتماما لانطباع البرجوازية المسيطرة على السلطة، فالمثقّف التقليدي خُلق من رحم الرأسمالية.

كما تدرك الطبقة البرجوازية تمام الادراك مدى قدرة المثقف العضوي على صنع التغيير لصالح الطبقة المهيمنة عليه وفي هذا الصدد يقول “غرامشي” “ان البرجوازية تخشاهم وتعرف أنّ نفوذهم كبير ولذلك تحاول أن تشتريهم بأي شكل”.

ويجدر الذكر أنّ المثقف العضوي ضمن المفهوم الغرامشي لا يعتبر كذلك بمجرّد أنه يعادي الرأسمالية، إذ يمكن للمثقف التقليدي أن يمثّل هذا الدور علنا في حين أنه يعمل في الخفاء لصالح الطبقة المهيمنة لارتباطها بمصلحته، كما انّ المناداة بشعارات الديمقراطية والحرية دون إنجازات وانشطة حقيقة تستجيب لمتطلّبات الواقع  هي من أبرز سمات المثقف التقليدي الغير ديناميكي والغير الفاعل في مجتمعه، بل يتسم المثقف التقليدي بكونه ينادي بمشاريعنظريةليست ناجعة او متوافقة مع الواقع الذي يعيشه مجتمعه، ذلك لأنه لا يدرك من الاساس ملامح وسمات الواقع الذي تعشيه الطبقات المهمشة، أي أنروابطه ليست وطيدة أو عضوية لدرجة أن يفهم متطلبات الطبقات العاملة، وذلك على عكس المثقف العضوي الذي يسعى دائما لرسم برامج ومشاريع تخدم فعليا الطبقة التي ينتمي إليها.

حول جدلية المثقف العضوي والسلطة

تختلف العلاقة بالسلطة بين كل من المثقف العضوي والمثقف التقليدي، ويجدر الذكر بأنه أينما حل المثقف التقليدي في السلطة إلاّ كانت الرأسمالية ترمي عليه بظلالها، فالاختلاف الكامن بينهما يؤثر على كيفيةالتفاعل مع متغيرات السلطة. ويقول “غرامشي” عن المثقف العضوي بأنّه “مثقف الكتلة التاريخية المُهمشة، مُثقف عضوي؛ أي كعضو فاعل فيها، وكساع لإزاحة القوى التاريخية القديمة والمهيمنة عن طريق كسر هيمنتها وفضح تزييفها لوعي المُهمّشين، وأخيرًا هو المُلتحم مع الجماهير فى نضالها الاجتماعي والسياسي”.

والسؤال المطروح في هذا الاطار، ماذا إن كان المثقف العضوي في السلطة، وكيف يمكن وصف وضعيته إذا ما نجح في تحقيق هيمنته البديلة ؟

عموما لا تبدو علاقة السلطة بالمثقف العضوي منسجمة، أو على الاقل يمكن القول بأنّها لا تتوافق مع الكثير من سماته وخصائصه، فالسلطة كانت ولا تزال حكرا على الرأسماليين وإلى يومنا هذا يقع التشكيك في النماذج الديمقراطية الحديثة وفي مدى نزاهتها أو تلبيتها لجميع احتياجات طبقات المجتمع، لذلك يمكن القول بأنه تقريبا لم يشهد العالم نظاما سلطويا يمكن وصفه بأنه ناجح بالمفهوم المطلق، فالمثقف العضوي خُلق لمقاومة الرأسمالية المحتكرة للسلطة، أي حتى وجوده ضمنها سيظل مرتبطا دائما بالجانب الاصلاحي ونقد كل ما لا يخدم مصالح الطبقة التي ينتمي إليها، لذلك فإن طبيعة الانظمة السياسية الحديثة لا تتماشى مع طبيعته النقدية وذلك يؤثر على علاقته بالسلطة ويخلق دائما حالة من التوتر.

إذ كان مفهوم الديمقراطية قديما في منتصف القرن التاسع عشر يتلخّص في اختيار الشعب لمصيره بنفسه دون وجود أي طبقة فوقية تتحكم بهم وتفرض قراراتها، وبمرور تلك الفترة تمّ إعادة صياغة هذا المفهوم لتصبح السلطة حكرا على النخبة البرجوازية، و أخذ الأمور من يد الشعب ” المشاغب “

و” المتسرع ” والذي لا يجب الاعتماد عليه وإلا سوف تتأزم الأمور.

من هنا فقدت الديمقراطية معناها الأصيل وهو حكم الشعب لنفسه وأصبحنا نتحدّث عن ديمقراطية

” مزيّفة ” أو التي وقع تحويلها وفقا لرغبات الطبقة المالكة وكان نتيجة ذلك حدوث فجوة عميقة بين فئتين هما الطبقة المتوسطة والفقيرة مع الطبقة الرأسمالية.

و قد بدأ هذا المعنى الجديد للديمقراطية  بالتفشي مع النموذج الامريكي الذي أعلن انتصاره اقتصاديا مع بداية تحالف السياسيين مع النخب المثقفة (المثقفين التقليديين) ورجال المال والأعمال (الرأسماليين)،لذلك أصبح نظام الولايات المتحدة الامريكية مغريا بالنسبة للعديد من الدول وأصبح التوجه العالمي يقر بضرورة الجمع بين الديمقراطية والرأسمالية في نظام حكم كل بلد وذلك بعد إثبات قدرته على الرقي بالمجتمعات مثل ما حصل في اليابان والمانيا  والعديد من الدول الغربية الاخرى .

في خضم كل ذلك، كانت الدول العربية منجذبة الى ما توصل إليه العالم الغربي من تطور اقتصادي دون التركيز على حقوق الافراد ومشاركتهم  في الحكم  والقضايا التي تواجهها الطبقة المهمّشة، أي ارتباط العملية الديمقراطية ارتباطا وثيقا بكل ما هو تنموي، حتى أنها أصبحت ضمن معادلة ضيقة جدّا ولم نعد نتحدث عنها كمفهوم قائم بنفسه، نتيجة لذلك أصبحت نقطة قوة اقتصاد العالم الغربي هي نفسها سبب انهيار انظمة العالم العربي، لأن التقليد لم يأخذ بعين الاعتبار العديد من المتغيرات والوقائع التي يتميّز بها العالم العربي، واصبح الجمع بين الديمقراطية والرأسمالية ملاذا للنخب الثرية لتزيد من ثروتها وتتحكم في المال العام بما يتوافق مع مصالحها وهو ما زادا الامور تعقيدا في مختلف الاوضاع، والتي على رأسها الوضع الاقتصادي .

ولا ينشقّ المثقّف التقليدي على المفهوم الجديد للديمقراطية التي يُسيطر عليها الرأسماليون، لذلك فإن وجوده داخل السلطة سيرتبط حتما بالمصالح المشتركة بينه وبين الطبقة البرجوازية.

المصادر:

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق