صقر 358.. السلاح الإيراني الرخيص الذي يصطاد المسيرات ويقلق المروحيات

قسم البحوث والدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 21-06-2026
نشرت صحيفة “كالكاليست” الإسرائيلية، تقريرا موسعا سلطت فيه الضوء على القدرات الهجومية والتكتيكية للطائرة المسيرة الإيرانية الفريدة من نوعها المعروفة باسم “صقر 358”.
ووصفت الصحيفة، في تقريرها، هذا السلاح بعبارات دقيقة تعكس خطورته الميدانية؛ إذ أشارت إلى أنه “يبدو كصاروخ، ويتصرف كلغم جوي، وبات يشكل كابوسًا حقيقيًا لأجهزة الأمن حول العالم”، نظرًا لقدرته العالية على إسقاط المروحيات الهجومية والمسيرات المتطورة، فضلًا عن التهديد الوجودي الذي قد يفرضه مستقبلاً على خطوط الملاحة الجوية المدنية.
البداية من خليج عدن: لغم جوي في هيئة صاروخ
وذكرت الصحيفة أن القصة بدأت في شتاء عام 2019 وسط أمواج خليج عدن، عندما طاردت المدمرة الأمريكية “فورست شيرمان” سفينة صيد يمنية اشتبهت التقارير الاستخباراتية في نقلها لأسلحة إيرانية نوعية متجهة إلى الحوثيين.
وعقب دهم السفينة والسيطرة عليها، عثر الفريق الأمريكي على صيد ثمين، طائرة مسيرة غير تقليدية، صُممت لتكون العدو الأول للمسيرات والمروحيات في أجواء الشرق الأوسط.
وأوضح المحلل العسكري للصحيفة أن هذا السلاح أثبت فاعلية لافتة في الساحات المختلفة؛ حيث استخدمه حزب الله لإسقاط مسيرات إسرائيلية فوق لبنان، كما استعانت به جماعة الحوثي لإسقاط عشرات المسيرات الأمريكية من طراز “ريبر” في اليمن.
ومؤخرا، حقق هذا السلاح سبقًا عسكريًا عالميًا بإسقاط مروحية هجومية من طراز “أباتشي” تعد الأحدث تكنولوجيًا، ليكون أول إسقاط موثق لمروحية قتالية بواسطة طائرة مسيرة ذاتية القيادة بالكامل.
الهندسة العكسية والأبعاد الفنية
وأضافت الصحيفة أن طهران طورت منظومة “صقر 358” لتزويد حلفائها في المنطقة بقدرات دفاع جوي متطورة بمدى يصل إلى 100 كيلومتر، وبتكلفة زهيدة للغاية، ودون الحاجة إلى بنى تحتية عسكرية معقدة أو رادارات ضخمة يسهل استهدافها.
وأبرز التقرير المواصفات الفنية للمسيرة على النحو التالي:
الأبعاد:
يبلغ قطر جسم المسيرة نحو 150 ملم (ما يعادل حجم ثمرة غريب فروت تقريبًا)، ويصل طولها إلى 2.7 متر.
الدفع والتحليق:
تنطلق المسيرة في البداية بواسطة معزز صاروخي صلب ينفصل عنها لاحقًا، لتواصل الطيران عبر محرك نفاث صغير ذي كفاءة عالية في استهلاك الوقود، تشير التقديرات إلى أنه نسخة مهندسة عكسيًا من محركات تشيكية أو هولندية تُستخدم عادة في صواريخ الكروز.
السعة والتوجيه:
يستغل جسم المسيرة بالكامل تقريبًا لتخزين الوقود لضمان بقائها أطول فترة ممكنة في الجو. وهي مزودة بوحدة اتصالات ضخمة تتيح استقبال بيانات الهدف قبل الإطلاق أو أثناء التحليق، إلى جانب قدرتها الذاتية على البحث عن الأهداف.
آلية الاصطياد:
تعتمد المسيرة في الوصول إلى منطقة الهدف على الملاحة عبر الأقمار الصناعية، بينما يحتوي رأسها على كاميرا حرارية ذكية تلتقط البصمة الحرارية للطائرة المعادية وتناور لإبقائها في مركز الرؤية. هذا التوجيه البصري النقي يمنحها حصانة كاملة ضد أنظمة التشويش الحرب الإلكتروني.
وعند الاقتراب، يعمل صاعق تقاربي بمستشعرات بصرية لتفجير رأس حربي متشظٍ يزن 10 كيلوغرامات.
ثلاثة أنماط هجومية و”الكمين الجوي” المرعب
وبحسب محلل الصحيفة العسكري، فإن “صقر 358” قادرة على تنفيذ هجماتها عبر ثلاثة أنماط عملياتية:
1.الهجوم المباشر:
الإطباق الفوري على هدف مرئي على الأرض أو في الجو والمضي نحوه مباشرة (محدود بخط الرؤية البصري).
الهجوم خلف الأفق:
تلقي إحداثيات الهدف من مستشعرات خارجية (رادارات أو حلفاء) والتوجه إليه عبر مسافات طويلة.
الكمين الجوي:
وهو النمط الأكثر إثارة للقلق؛ حيث يتم إطلاق المسيرة دون هدف مسبق لتتسكع في أجواء منطقة معينة بارتفاعات محددة وتنتظر بملل. وبمجرد دخول أي طائرة أو مسيرة معادية في نطاق رؤيتها، تنقض عليها تلقائيًا.
ولفتت الصحيفة إلى أن هذا الأنبوب المصنوع من الألمنيوم البالغ طوله 2.7 مترًا يمتلك بصمة رادارية صغيرة جدًا، مما يجعل اكتشافه في الوقت المناسب أمرًا بالغ الصعوبة، ويجبر الجيوش على تغيير مسارات طائراتها ومروحياتها بالكامل لمجرد الشك في وجوده بالأجواء.
سلاح بلا رادار: التحدي الذي يواجه المنظومات الغربية
وأشارت الصحيفة إلى أن منظومات الدفاع الجوي التقليدية التي يصل مداها إلى 100 كم تعتمد دائمًا على بث راداري نشط (رادار كشف، ورادار تتبع، وتوجيه مستمر للصاروخ)، وهو ما يجعلها صيدًا سهلاً للصواريخ المضادة للإشعاعات والرادارات مثل (صاروخ إيه جي إم-88 هارم الأمريكي) أو المسيرات الانتحارية المتخصصة مثل (هاربي الإسرائيلية).
أما في حالة “صقر 358″، فلا توجد رادارات أو انبعاثات لاسلكية مستمرة، مما يعمي وسائل الاستطلاع الإلكتروني عن معرفة وجودها أو رصد منصات إطلاقها مسبقًا. كما أن المنظومة لا تحتاج لمولدات طاقة ضخمة؛ إذ يمكن إطلاقها عبر تطبيق بسيط ومن منصة إطلاق خفيفة جدًا (قضبان حديدية) يقوم حزب الله بتركيبها وإخفائها فوق سيارات النقل الصغيرة (الميني فان) والشاحنات التجارية التمويهية.
التطور الميداني وسيناريو التهديد المدني
وأقرت الصحيفة بنجاح المنظومة ميدانيًا في إسقاط مسيرات إسرائيلية من طراز “زيك” و”ماحاتس” فوق لبنان، وطائرات أخرى داخل الأراضي الإيرانية خلال المواجهات الأخيرة.
ورغم أن المقاتلات الحربية السريعة (مثل إف-35 أو إف-15) تعد أقل عرضة لهذا التهديد لكونها تطير بارتفاعات وسرعات تفوق قدرة المسيرة (التي يبلغ سقف تحليقها العملياتي ما يزيد قليلاً عن 28 ألف قدم وتفقد مرونتها هناك)، إلا أن طائرات الدعم القريب منخفضة الارتفاع والمروحيات تظل في دائرة الخطر المباشر.
ونبهت الصحيفة إلى أن عائلة هذا السلاح تشهد توسعًا مستمرًا؛ حيث أطلقت إيران طراز “359” الأكبر حجمًا بمدى يصل إلى 150 كم وسرعة تقارب 1000 كم/ساعة ومزود بمظلة للاستعادة، وكشفت في فبراير 2025 عن طراز “قائم 118” الصغير المخصص للمديات القصيرة، والذي وثقت اللقطات إسقاطه لمسيرة إسرائيلية متطورة من طراز “كوخاف”.
وحذرت الصحيفة من السيناريو الأكثر رعبًا لأجهزة الأمن الغربية، والمتمثل في إمكانية استخدام المجموعات المسلحة لهذا السلاح لاستهداف الطائرات المدنية أثناء اقترابها من المطارات.
وبخلاف الصواريخ المحمولة على الكتف التي تجبر المسلحين على التواجد على بعد كيلومترات قليلة من المطار نظرًا لمداها المحدود، فإن “صقر 358” يمنح المجموعات القدرة على قنص الطائرات التجارية وممرات الملاحة الجوية من مسافات آمنة وبعيدة، وربما من أراضي دول مجاورة تمامًا.
التوازن العملياتي وحرب الاستنساخ
واختتمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن المنظومات الدفاعية الغربية والإسرائيلية بدأت بالفعل تطبيق حلول عملياتية واستخباراتية مضادة للحد من خطر هذه المسيرة، تضمنت استهدافها على الأرض واصطيادها أثناء التسكع بناءً على رصد معهد “ألما” البحثي.
إلا أن المفارقة الأبرز في هذا الصراع تكمن في لجوء الولايات المتحدة لنسخ المفهوم الإيراني بالكامل؛ حيث قامت شركات دفاعية أمريكية عملاقة مثل “ريثيون” و”أندوريل” بتطوير مسيرات دفاع جوي تعتمد ذات الفكرة التوجيه البصري والملاحة المستقلة والتسكع للكمائن، في حين يبدو طراز “قائم 118” الإيراني الصغير بدوره مستوحى من الهيكل الأمريكي، مما يؤكد أن حرب استنساخ التكنولوجيا باتت تسير في الاتجاهين.



