آسياأحداث وشخصياتبحوث ودراسات

سعي عربي للالتحاق بمنظمة شنغهاي وانضمام خمس دول منها وبيان ختامي مزلزل

الدكتورة بدرة قعلول: رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية بتونس

تعد منظمة شنغهاي منظمة حكومية دولية، تأسست عام 2001 بهدف التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية، وتوفير السلام والاستقرار في المجال الأوراسي، إلا أنها توسعت لتُغطي منطقة شاسعة، لتمتد ويصل عدد سكانها إلى ما يقترب من “نصف” سكان العالم.

ولقد وصل عدد أعضاء المنظمة إلى 09 دول، والأخطر أنها أصبحت تضم في عضويتها 05 دول تملك إمكانات نووية، مما دعا الإعلام الغربي لأن يُطلق عليها “التحالف الشرقي” وكذلك “المعسكر الشرقي” ومنهم من أطلق صيحة فزع معتبرا انها ستمثل “خطرا مستقبلي”.

أيضا تضم المنظمة 04 دول تحمل صفة “مُراقب”، فضلا عن دول أخرى لها صفة “شريك حوار”، من بينها 06 دول عربية.

كما انظمت مجموعة من الدول العربية الى منظمة شنغهاي للتعاون  وهي مصر والامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وقطر وذلك لأهميتهاالمتزايدة، بعد أن امتدت مساحتها الجغرافية والجيوسياسية، من المجال الأوراسي إلى امتداده الشرق أوسطي، بما يعكس “سياسة انفتاحية عربية” تُركز على توسيع قاعدة المصالح إقليمياً وعالمياً ومنها نستنتج التحوّلات العالمية الكبرى وتفعيلها على أرض الواقع.

هذا التوجه العربي يستند إلى عدد من الدوافع، فضلا عن إعادة التموضع وتنويع الشركاء والانفتاح على شركاء جدد خصوصا فيما يتعلق بمجالات الطاقة، من النفط والغاز، فهو توجه يسعى إلى الاستفادة من الجانب الاقتصادي لهذه المنظمة، إضافة إلى الاستفادة من إمكانية التعامل مع أعضاء المنظمة بالعملات الوطنية، بما يُخفف، ولو في الحد الأدنى، من الهيمنة السياسية للدولارالامريكي.

وفي 04 جويلية الجاري وضمن اجتماعها الدوري أقرت منظمة شنغهاي، انضمام إيران رسميا كعضو كامل العضوية، لتُصبح بذلك العضو رقم “9” في المنظمة وهذا يعتبر فوزا كبيرا لايران ومراوغة اقتصادية وسياسية.

وقد انعقدت القمة بالهند لأنها تترأس في هذه المرحلة المنظمة وقد صدر عنها بيان ختامي للقمة يعتبره أغلب الملاحظين والمتابعين من أقوى بيانات المنظمة وفيها خاصة أنها دعت إلى إصلاح منظمة التجارة العالمية، فضلا عن التأكيد على وجود “خارطة طريق” من قبل الأعضاء، لزيادة حصة التعامل بالعملات الوطنية في التسويات المتبادلة، هذا بالإضافة إلى تأكيد أعضاء المنظمة على معارضة التدخل في شؤون الدول الداخلية بحجة “مكافحة الإرهاب”.

وحسابيا الكثير من الدول تتسابق من أجل الانظمام الى هذه المنظمة الاقتصادية والى هذه القوة التي تظم 05 دول نواوية بل انه هناك العديد من الدول ما يزال ينتظر الموافقة على الانضمام إليها، هو ما دفع البعض لأن يعتبر منظمة شنغهاي نداً لـ”الناتو” ويتوجس خوفا من تمددها، وأن يعتبر البعض الآخر أنها تتضمن هيكلا هو أقرب إلى هيكل الاتحاد الأوروبي ولكنه سيكون أكثر تماسكا وانسجاما باعتبار أن الروابط الشرقية دائما تربطها “ايديولوجيا”.

ولكن السؤال الذي يطرح ما هي الدوافع العربية للانظمام الى منظمة شنغهاي؟

بعد الافلاس الكبير للمعسكر الغربي وفضح مؤامراته على الدول العربية خاصة “بعد فشل مخطط الربيع العربي” تزايدت الدوافع لدى الدول العربية، الفاعلة في المنطقة، للتوجه تدريجيا نحو “الشرق” بحثا عن توازن جديد لها في علاقاتها الدولية وحرية اختيار شركائها، والعمل على الانضمام إلى منظمات تحاول تقليص هيمنة الغرب عالميا وخاصة القطبية الواحدة، أو على الأقل الحد من ضغوط هذه الهيمنة، عبر “المرونة” التي تُتيحها تلك المنظمات، مثل “بريكس” و”شنغهاي”.

ومن أهم هذه الدوافع العربية هي:

  1. منظمة شنغهاي مركزا اقتصاديا عملاق: قدرات منظمة شنغهاي، خصوصاً في المجالات الخاصة بالطاقة، كبيرة بما يكفي لتكون مركزا اقتصادياً ضخماً.فالصين والهند من أكبر مستوردي النفط والغاز، فضلاً عن كون الصين هي ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم، ويأتي هذا في الوقت الذي تُعتبر فيه روسيا والإمارات والسعودية والكويت أكبر منتجي النفط، في حين أن أكبر منتجي الغاز الطبيعي يتمثل في روسيا وقطر وإيران، ولعل هذا ما يمنح منظمة شنغهاي قدرات هائلة للتحكم في أسواق الطاقة على مستوى العالم، سواء من حيث الإنتاج أو حتى الاستهلاك، ويمنحها أيضاً موقعاً مهماً في إعادة التموضع العربي، الخليجي خصوصاً، على مستوى أسواق الطاقة العالمية.
  2. الخروج من جلباب هيمنة القطب الواحد وتنويع الشركاء وإنشاء تحالفات دولية جديدة: إذ إن منظمة شنغهاي تضم 20 دولة، بين عضو مُراقب، وعضو شريك حوار، فضلاً عن الأعضاء القارين أو المؤسسين التسعة، ويمكن أن تتوسع المنظمة لتشمل عدداً كبيراً من الدول العربية والآسيوية والأفريقية أيضاً. ومن ثم فإن التوجه العربي إلى المنظمة يأتي في إطار تنويع الشركاء، سواء بخصوص القوى الدولية، أو الإقليمية، خاصة وأن أحد بنود تأسيسها هو حماية الوضع الجغرافي والجيوسياسي للدول الأعضاء.وفي المقابل هناك تتزايد المصالح المشتركة بين بكين وموسكو من جانب، والدول العربية من جانب آخر، بما يعني توافر قدر من المرونة لإنشاء تحالفات عربية جديدة مع القوى الدولية الآسيوية، وفي مقدمتها الصين وروسيا والهند.
  3. 3-   الدول العربية تفعّل التوازن الدولي: فإذا كان التوجه العربي للتوجه شرقاً، والانضمام إلى المنظمات الفاعلة في المجال الآسيوي والأوراسي، مثل بريكس وشنغهاي، لا يعني الابتعاد عن الحليف التقليدي إلا أن هذا التوجه نفسه يسعى إلى تفعيل استراتيجية “التوازن” بين القوى الدولية الكبرى.إذ إن تعدد الحلفاء الاستراتيجيين لا بد أن يُحقق في المستقبل نوعاً من التوازنات، وذلك تحسباً لأية تغيرات سياسية أو اقتصادية طارئة، وهو ما يبدو بوضوح عبر تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على مجالات متعددة، اقتصادية وتجارية وأمنية، وغيرها. هذا فضلاً عن أن منظمة شنغهاي يمكن النظر إليها كـ”نموذج حوكمة” عالمي، بديل لنماذج أخرى تتمحور حول الغرب وسياساته.
  4. الاستفادة من الجانب الاقتصادي للمنظمة باقتحام أسواق ضخمة: فهذه المنظمة، بفضل اتساع رقعتها الجغرافية والكثافة السكانية لأعضائها، تعتبر أكبر سوق عالمية لتصريف المنتجات بكافة أنواعها، ومن ثم تأتي جاذبية المنظمة التي تعود بشكل أساسي إلى البصمة الاقتصادية لها، لتُمثل دافعا عربيا مهما في التوجه إليها، خاصة أن وجود منطقة للتجارة الحرة بين أعضائها، وهو مسعى تحاوله الصين والهند، سيُتيح للدول الأعضاء أسواقاً ضخمة.وبالتالي، فإن سعي الدول العربية الخليجية، إضافة إلى مصر، للانضمام لهذه المنظمة، إنما يهدف إلى توسيع مصالحها الدولية والإقليمية، وتحقيق شبكة جديدة من المصالح الاقتصادية، والسياسية أيضا، حيث يمكن لهذه الدول، بفضل شراكتها مع منظمة شنغهاي، الوصول إلى أسواق جديدة، بل وإلى مشاريع بنية تحتية في مناطق أخرى، مثل جمهوريات آسيا الوسطى. أضف إلى ذلك، أن هذه الشراكة ستفتح أبواباً واسعة لصادرات هذه الدول، خاصة من النفط والغاز، حيث تأتي “ثُلث” واردات الصين، كمثال، من النفط، و”رُبع” وارداتها من الغاز الطبيعي والبتروكيماويات، من دول مجلس التعاون الخليجي.
  5. توسيع قاعدة التعامل بالعملات الوطنية: إذ يبدو هذا التوجه بوضوح في إطار المنظمة وأعضائها، خصوصاً روسيا والصين والهند. فمن جهة روسيا، فقد ألقى الرئيس الروسي بوتين، خلال القمة الأخيرة، خطاباً أكد فيه على أن “أكثر من 80 بالمائة من التجارة بين بلاده والصين تُنفذ بعملتي الروبل واليوان، بعيداً عن الدولار” ولم يكتف بوتين بذلك، بل حث أعضاء المنظمة على “اتباع نفس النهج”. أما من جهة الصين، فتكفي الإشارة إلى أن بكين قد نجحت في توسيع نطاق استخدام عملتها الوطنية من قبل بعض الدول العربية، حيث كانت قطر أول من أطلق مركز مقاصة للعملة الصينية “الرنمينبي”، حتى تتم المبادلات التجارية على أساسها في مجال الطاقة.وكما يبدو، عبر بوابة شنغهاي، تحاول القوى الدولية الآسيوية التوجه نحو التخليعن الدولارالأمريكي، بما يعنيه ذلك من استهداف سياسي لتخفيف عباءة الهيمنة الأمريكية. وهذا ما يُمثل دافعا عربيا قويا لتوسيع قاعدة التعامل بالعملات الوطنية، بما يُتيح تقوية قيمة هذه العملات، الوطنية وفك هيمنة الدولار واليورو.

الخلاصة:

يُمكن القول إن التوجه العربي إلى منظمة شنغهاي للتعاون لأجل الحصول على عضويتها، بما يعنيه من شراكة “عربية – آسيوية” او كما يسمى كذلك “الالتحاق بالمعسكر الشرقي” إنما يُعبر عن “توجه مستقبلي” لدى عديد من الدول العربية من منظور أن هذه المنظمة مستقبلاً، ستكون لها تأثيرات كبرى في قلب موازين القوى الاقتصادية والتجارية، وكسر الاحتكار الغربي لقيادة العالم عبر الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق