أخبار العالمالشرق الأوسط

اتفاق «درع أخيل» :  تسليح أوروبي يثير أسئلة العدالة والاستقرار الإقليمي

 

نور الهدى فجراوي

 

دخل التعاون العسكري بين اليونان والكيان الصهيوني مرحلة جديدة مع توقيع الطرفين في 31 أوت 2026 اتفاقاً دفاعياً ضخماً تبلغ قيمته نحو 3 مليارات يورو أي ما يعادل قرابة 3.5 مليارات دولار يقضي بإنشاء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات لصالح القوات المسلحة اليونانية في إطار مشروع أطلقت عليه أثينا اسم «درع أخيل». ويعد الاتفاق الأكبر في تاريخ العلاقات الدفاعية بين الطرفين ومن بين أكبر صفقات تصدير السلاح التي أبرمتها الصناعات العسكرية الإسرائيلية, الأمر الذي يعكس تحوّل الشراكة بينهما من تعاون عسكري محدود إلى ارتباط استراتيجي وصناعي طويل المدى وتشمل الصفقة بناء شبكة دفاع جوي متكاملة تعتمد على منظومات صهيونية عدة من بينها «مقلاع داود» و«سبايدر» التابعتان لشركة رافائيل إلى جانب منظومة «باراك إم إكس» التي تنتجها الصناعات الجوية الصهيونية كما يتضمن المشروع رادارات متعددة المهام و منظومة قيادة وسيطرة وطنية تهدف إلى دمج مختلف وسائل الدفاع الجوي اليونانية في إطار عملياتي موحد وقد أضيف إلى هذه الترتيبات اتفاق تكميلي بقيمة 26 مليون يورو لتزويد اليونان بمنظومات «درون دوم» المخصصة لمواجهة الطائرات المسيّرة وحماية المنشآت والمواقع الاستراتيجية

ولا يمثل اتفاق «درع أخيل» خطوة معزولة إذ سبقته في أفريل 2026 صفقة عسكرية أخرى تبلغ قيمتها نحو 750 مليون دولار لتزويد القوات المسلحة اليونانية بمنظومات المدفعية الصاروخية «بولس» التي تنتجها شركة إلبيت وتشمل الصفقة منصات إطلاق وذخائر تدريبية وصواريخ موجهة بدقة لمديات مختلفة إضافة إلى ذخائر جوالة مع فترة تنفيذ تمتد أربع سنوات ودعم تقني لاحق لعشر سنوات وهو ما يؤكد أن العلاقة الدفاعية بين أثينا والكيان الصهيوني لم تعد مقتصرة على شراء منظومة محددة بل تتجه نحو بناء اعتماد متزايد على التكنولوجيا العسكرية الصهيونية

دوافع اليونان

من الجانب اليوناني تأتي هذه التعاقدات في سياق برنامج واسع لتحديث القوات المسلحة تبلغ قيمته نحو 28 مليار يورو حتى عام 2036 وتسعى أثينا من خلاله إلى تعزيز قدراتها الجوية والبحرية ومواجهة التحولات في طبيعة التهديدات الإقليمية والتكنولوجية كما يرتبط جانب مهم من هذا التوجه بالمنافسة التاريخية والتوترات المستمرة مع تركيا وبالرغبة اليونانية في تطوير منظومة قادرة على التعامل مع الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات الهجينة ومع ذلك فإن اختيار التكنولوجيا الصهيونية تحديداً يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الاعتبارات التقنية البحتة و رغم أن تركيا لم تذكر رسميا باعتبارها الهدف المباشر من وراء الصفقة، فإن السياق الجيوسياسي يجعل من الصعب فصل مشروع «درع أخيل» عن التنافس الاستراتيجي القائم بين أثينا وأنقرة فالبلدان يحتفظان بخلافات تاريخية مرتبطة بالمجال البحري والحدود البحرية والمجال الجوي والسيادة على مناطق متنازع عليها في بحر إيجه وشرق البحر المتوسط كما تراقب اليونان التطور المتسارع للقدرات التركية في مجال الطائرات المسيّرة والصناعات الدفاعية، وهو ما يفسر أهمية إدماج أنظمة مضادة للطائرات بدون طيار ضمن البنية الدفاعية الجديدة وفي الوقت نفسه، يشهد شرق البحر المتوسط تناميا في التعاون العسكري والأمني بين اليونان وإسرائيل وقبرص، في مقابل استمرار التوترات السياسية والاستراتيجية بين تركيا و بعض أطراف هذا المحور

مكاسب الكيان الصهيوني

أما بالنسبة إلى إسرائيل فإن الصفقة تمثل مكسباً اقتصادياً واستراتيجياً مزدوجاً فمن الناحية الاقتصادية تمنح الصناعات العسكرية الصهيونية عقداً ضخماً وتفتح المجال أمام نقل الخبرات والتعاون الصناعي مع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ومن الناحية السياسية تسمح للكيان بتعزيز شرعيته الدولية وتقديم نفسه بوصفه مورداً رئيسياً للأمن والتكنولوجيا العسكرية رغم استمرار الانتقادات الدولية لسياسته في الأراضي الفلسطينية المحتلة والانتهاكات الجسيمة التي ارتبطت بالحروب والعمليات العسكرية التي خاضها ضد الفلسطينيين وهنا تبرز المفارقة الأساسية في الاتفاق إذ إن جزءاً من القيمة التسويقية التي تقدمها الصناعات العسكرية الصهيونية يرتبط بما تصفه السلطات والشركات الصهيونية بـ«الخبرة العملياتية» التي اكتسبتها منظوماتها خلال الحروب والصراعات الأخيرة غير أن هذا الخطاب يتجاهل الثمن الإنساني والسياسي الذي دفعه المدنيون الفلسطينيون نتيجة استخدام القوة العسكرية بصورة واسعة وفي هذا السياق يصبح تحويل الخبرة المتراكمة في ساحات الصراع إلى ميزة تجارية دولية مسألة تثير إشكالاً أخلاقياً حقيقياً إذ تتحول معاناة الشعوب الواقعة تحت الاحتلال والحصار إلى عنصر غير مباشر في تسويق الأسلحة وتوسيع أسواقها الدولية

كما أن تعميق التعاون العسكري بين اليونان و إسرائيل يحمل مخاطر جيوسياسية تتعلق بتزايد الاستقطاب في شرق البحر المتوسط فمنظومة التحالفات الجديدة لا تنفصل عن التنافس على النفوذ والمجالات البحرية وموارد الطاقة وعن العلاقات المتوترة بين اليونان وتركيا كما أنها تعزز حضور الكيان الصهيوني كفاعل عسكري خارج حدوده الجغرافية المباشرة وتمنحه شبكة أوسع من الشراكات الاستراتيجية داخل الفضاء الأوروبي والمتوسطي

البعد الجيوسياسي

لا يمكن فصل هذه التطورات عن القضية الفلسطينية إذ إن توسيع التعاون العسكري والاقتصادي مع الكيان الصهيوني في وقت تستمر فيه معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال يبعث برسالة سياسية مفادها أن الاعتبارات الاستراتيجية والمصالح العسكرية يمكن أن تتقدم على مبادئ القانون الدولي والعدالة وحقوق الشعوب ومن هذا المنظور فإن الصفقة لا تبدو مجرد اتفاق تقني لتحديث الدفاعات الجوية اليونانية بل تمثل أيضاً مساهمة في تعزيز المكانة الدولية لصناعة عسكرية تستفيد من قوة دولة الاحتلال ومن الدعم السياسي والعسكري الذي تحصل عليه من حلفائها

إن اتفاق «درع أخيل» يكشف في النهاية عن اتجاه أوسع يتمثل في تزايد عسكرة شرق المتوسط وربط أمن الدول الأوروبية بمنظومات وشبكات عسكرية صهيونية وبينما قد تحقق اليونان مكاسب دفاعية قصيرة المدى فإن الرهان على تعميق الشراكة مع قوة احتلال متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد الشعب الفلسطيني يطرح تساؤلات عميقة حول مفهوم الأمن ذاته فالأمن المستدام لا يمكن أن يقوم فقط على الصواريخ والرادارات ولا على تحويل الحروب إلى مختبرات لتطوير السلاح بل يتطلب احترام القانون الدولي وإنهاء الاحتلال ومعالجة جذور الصراعات ومن دون ذلك قد يصبح «درع أخيل» رمزاً لمفارقة سياسية كبرى تتمثل في البحث عن الاستقرار عبر شراكات تسهم في تكريس منطق القوة وتهميش منطق العدالة والسلام

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق