أعمال الدورة الـ81 للأمم المتحدة: الحروب والأزمات الدولية ومستقبل النظام متعدد الأطراف في صدارة النقاشات

اعداد نور الهدى فجراوي : قسم الاخبار الدولية 22-09-2026
انطلقت في نيويورك يوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 أعمال المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في ظل ظرف دولي يتسم بتعدد بؤر التوتر وتصاعد الأزمات الأمنية والسياسية والإنسانية، إلى جانب التحولات المتسارعة في موازين القوى الدولية. وتستمر المناقشة العامة من 22 إلى 26 سبتمبر، على أن تُستأنف في 28 سبتمبر، بمشاركة ما يقارب 130 رئيس دولة وحكومة حضورياً، إلى جانب وزراء الخارجية وكبار ممثلي الدول الأعضاء. وتنعقد الدورة تحت شعار «استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع»، في إشارة إلى التحديات التي تواجه منظومة العمل متعدد الأطراف والحاجة إلى إعادة بناء الثقة في المؤسسات الدولية.
وتكتسب هذه الدورة أهمية خاصة بسبب تزامنها مع استمرار عدد من الحروب والأزمات، وفي مقدمتها الحرب في الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية، فضلاً عن أزمات أخرى في السودان ومناطق مختلفة من العالم. كما تحضر على جدول الأعمال قضايا الأمن الدولي والطاقة والممرات البحرية والتغير المناخي والتنمية المستدامة والذكاء الاصطناعي، في وقت تواجه فيه الأمم المتحدة نفسها نقاشاً متزايداً حول قدرتها على أداء دورها في ظل الخلافات بين القوى الكبرى.
كلمة أنطونيو غوتيريش: الدبلوماسية في مواجهة منطق القوة
افتُتحت أعمال المناقشة العامة بكلمة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي يقدم تقريره السنوي عن أنشطة المنظمة في آخر مشاركة له في هذا المنصب أمام الجمعية العامة قبل انتهاء ولايته في نهاية العام.
وركز غوتيريش على اتساع الانقسامات الجيوسياسية وتراجع الثقة في المؤسسات الدولية، داعياً الدول إلى احترام ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وحقوق الإنسان وتعزيز التعاون متعدد الأطراف. وشدد على أن العالم لا يمكن أن يعتمد على القوة العسكرية وحدها لتحقيق الأمن والاستقرار، مؤكداً أن الحلول الدبلوماسية والحوار وخفض التصعيد تظل ضرورية لمعالجة النزاعات.
وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، جعل غوتيريش خفض التصعيد أولوية، ودعا الأطراف إلى وقف الأعمال التي تعرض المدنيين للخطر وضمان وصول المساعدات الإنسانية. كما شدد على ضرورة استعادة حرية الملاحة وحقوق العبور في مضيقي هرمز وباب المندب وفقاً للقانون الدولي، وربط تحقيق السلام الإقليمي بالتوصل إلى حل سياسي للقضية الفلسطينية يقوم على حل الدولتين.
وتطرق الأمين العام كذلك إلى الحرب الروسية الأوكرانية، داعياً إلى وقف فوري لإطلاق النار باعتباره خطوة أولى نحو تسوية سياسية دائمة وشاملة، مع التأكيد على أن أي مسار للسلام يجب أن يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وقرارات المنظمة.
كما تناول غوتيريش التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، داعياً إلى وضع أطر دولية للتعامل مع المخاطر الناجمة عن التطور السريع لهذه التكنولوجيا، بما يشمل آثارها المحتملة على الأمن والتنمية والمجتمع الدولي.
خطاب البرازيل: انتقاد النظام متعدد الأطراف
وبحسب التقاليد المعتمدة في المناقشة العامة، كانت البرازيل أول دولة عضو تلقي خطابها، وتولى الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا عرض موقف بلاده أمام الجمعية العامة.
وركز لولا في خطابه على أزمة النظام متعدد الأطراف، منتقداً عجز المؤسسات الدولية عن منع الحروب والتعامل مع النزاعات الدولية. كما انتقد بنية مجلس الأمن واستخدام حق النقض، داعياً إلى إصلاح المؤسسات الدولية بما يعكس التحولات التي طرأت على النظام العالمي.
وتناول الرئيس البرازيلي أيضاً الحرب في غزة، داعياً إلى حل الدولتين، كما تحدث عن الحرب الروسية الأوكرانية ودعا إلى إعطاء الأولوية للدبلوماسية. وفي الجانب الإقليمي، شدد لولا على سيادة دول أمريكا اللاتينية ورفض التدخلات الخارجية، مؤكداً أن البرازيل تدعو إلى التعاون الدولي في مواجهة الجريمة المنظمة بدلاً من التدخل الخارجي.
ويعكس الخطاب البرازيلي توجهاً أوسع لدى عدد من دول الجنوب العالمي يركز على إصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية، وتوسيع تمثيل الدول النامية في المؤسسات الرئيسية للنظام الدولي، وربط الأمن الدولي بالتنمية والسيادة الوطنية.
خطاب الولايات المتحدة: الدفاع عن سياسة واشنطن
وشكل خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إحدى أبرز محطات اليوم الأول من المناقشة العامة، خصوصاً في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية والتوترات الإقليمية المتصاعدة.
ودافع ترامب أمام الجمعية العامة عن سياسة إدارته تجاه إيران، مقدماً الحرب باعتبارها جزءاً من استراتيجية أمريكية لمنع طهران من تطوير قدرات نووية، كما ركز على ما وصفه بجهود الولايات المتحدة لتحقيق السلام وإعادة تشكيل العلاقات الدولية بما يخدم المصالح الأمريكية. وفي الوقت نفسه، وجه انتقادات إلى الأمم المتحدة ومؤسسات دولية أخرى، معتبراً أنها تتدخل في قضايا مرتبطة بالسيادة الوطنية الأمريكية.
ويأتي الخطاب الأمريكي في وقت تتواصل فيه الحرب مع إيران وتنعكس تداعياتها على أسواق الطاقة وحركة الملاحة والأمن الإقليمي، الأمر الذي جعل الملف الإيراني أحد المحاور الرئيسية في لقاءات القادة ومشاوراتهم في نيويورك.
غياب محمود عباس حضورياً
وتحتل القضية الفلسطينية مكانة بارزة في أعمال الدورة الحالية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب في قطاع غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية والإقليمية.
ويبرز في هذا السياق عدم حضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس شخصياً إلى نيويورك، بعد رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة دخول للسنة الثانية على التوالي. وكانت الجمعية العامة قد صوتت في 17 سبتمبر لصالح السماح لعباس بتقديم خطاب عبر الفيديو بدلاً من الحضور الشخصي.
وقد أضاف هذا التطور بعداً دبلوماسياً إلى أعمال الجمعية العامة، إذ أثار قرار منع الوفد الفلسطيني من المشاركة بالطريقة المعتادة نقاشاً حول الالتزامات المرتبطة باستضافة الولايات المتحدة لمقر الأمم المتحدة، وحول حدود قدرة الدول المضيفة على تقييد مشاركة مسؤولين في اجتماعات المنظمة الدولية.
ومن المتوقع أن تستمر القضية الفلسطينية في احتلال مساحة واسعة من خطابات الدول ومداولاتها خلال الدورة، بالتزامن مع الدعوات إلى وقف الحرب وتوسيع المساعدات الإنسانية والبحث عن مسار سياسي للقضية.
أوكرانيا والتصعيد الروسي الأوكراني
الحرب الروسية الأوكرانية تحضر بدورها بقوة في أعمال الدورة، في ظل استمرار العمليات العسكرية وعدم التوصل إلى تسوية نهائية.
ويشارك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أعمال الأسبوع رفيع المستوى، فيما يتضمن برنامجه سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وقادة دول أخرى. ومن بين أبرز لقاءاته المقررة اجتماعه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب لقاءات مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورؤساء حكومات بريطانيا واليابان والدنمارك.
وتحظى الحرب بأهمية إضافية في ظل النقاش حول مستقبل الدعم الغربي لأوكرانيا، وإمكانات وقف إطلاق النار، ومستقبل الأمن الأوروبي، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية والأمنية العالمية للحرب.
اللقاءات الثنائية والمشاورات الدبلوماسية
ولا تقتصر أعمال الجمعية العامة على الجلسات الرسمية والخطابات، إذ تتحول نيويورك خلال أسبوع المستوى الرفيع إلى مركز مكثف للاتصالات الدبلوماسية.
ويعقد القادة ووزراء الخارجية سلسلة من اللقاءات الثنائية والجماعية التي تتناول الأزمات الدولية والعلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية. وتكتسب هذه الاجتماعات أهمية خاصة لأنها توفر مساحة للتفاوض وتبادل المقترحات بعيداً عن المنبر الرسمي للجمعية العامة.
ويشارك الرئيس الأمريكي في سلسلة واسعة من اللقاءات مع قادة ومسؤولين من أوروبا وأوكرانيا ودول الخليج ودول أخرى، في وقت تتصدر فيه الحرب مع إيران والحرب في أوكرانيا جدول أعمال اتصالاته. ووفق التقارير، يتضمن برنامجه لقاءات مع عدد كبير من القادة خلال يوم 22 سبتمبر.
وفي المقابل، يجري الرئيس الأوكراني لقاءات مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين ومؤسسات مالية دولية، بما في ذلك لقاء مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، في إطار التحركات الدبلوماسية المصاحبة للجمعية العامة.
وتشهد نيويورك كذلك اتصالات بين الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ودول عربية وآسيوية وإفريقية، بما يعكس طبيعة الجمعية العامة باعتبارها فضاءً لا تقتصر وظيفته على الخطابات الرسمية، بل يشكل أيضاً محطة رئيسية للتفاوض والتنسيق السياسي.
أزمات الشرق الأوسط والممرات البحرية
ويبرز الشرق الأوسط كأحد أكثر الملفات حضوراً في أعمال الدورة، بسبب تداخل عدة أزمات في المنطقة، من الحرب في غزة إلى الحرب الأمريكية الإيرانية والتوترات المرتبطة بأمن الملاحة.
وقد حذر غوتيريش قبل افتتاح أعمال الجمعية العامة من التداعيات الإقليمية والدولية للتوترات في المنطقة، داعياً إلى استعادة حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، باعتبارهما من الممرات البحرية الحيوية للتجارة والطاقة العالمية.
ويمنح هذا الملف أهمية إضافية للقاءات الدول الخليجية والقوى الدولية، خصوصاً في ظل ارتباط أمن الطاقة واستقرار الأسواق العالمية بحرية الملاحة في هذه الممرات.
إلى جانب الملفات العسكرية والأمنية، تكشف خطابات اليوم الأول عن نقاش أوسع حول مستقبل النظام الدولي نفسه. فقد تكررت في كلمات عدد من القادة الدعوات إلى إصلاح المؤسسات الدولية، وتعزيز التعددية، وتوسيع التمثيل داخل مجلس الأمن، في وقت تواجه فيه الأمم المتحدة انتقادات بسبب محدودية قدرتها على التعامل مع النزاعات الكبرى.
وتطرح هذه النقاشات سؤالاً أساسياً حول قدرة النظام متعدد الأطراف على التكيف مع التحولات الجارية في توزيع القوة العالمية. فمن جهة، تتمسك الأمم المتحدة بدورها كمنصة للحوار والتفاوض؛ ومن جهة أخرى، تتزايد الخلافات بين القوى الكبرى وتتعطل أحياناً آليات اتخاذ القرار الجماعي.
كما تضيف التطورات التكنولوجية بعداً جديداً إلى هذا النقاش، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتكنولوجيا العسكرية جزءاً من القضايا التي تتطلب قواعد دولية مشتركة.
تكشف أعمال اليوم الأول من الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة عن جدول أعمال يتجاوز مجرد عرض مواقف الدول، ليعكس طبيعة المرحلة التي يمر بها النظام الدولي. فقد تركزت الخطابات حول الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، والأزمة الإنسانية في غزة، وأمن الممرات البحرية، وإصلاح مجلس الأمن، ومستقبل التعددية الدولية، إضافة إلى الذكاء الاصطناعي والتنمية.
وفي موازاة المنبر الرسمي، تشهد نيويورك حركة دبلوماسية واسعة من خلال اللقاءات الثنائية والمشاورات بين القادة، في محاولة للتعامل مع الملفات التي تتطلب تفاوضاً مباشراً.
وتتواصل أعمال الدورة خلال الأيام المقبلة مع اجتماعات رفيعة المستوى تتناول التنمية وحقوق الإنسان والمناخ وارتفاع مستوى سطح البحر والوقاية من الجوائح وغيرها من القضايا العالمية. وبذلك تمثل الدورة الـ81 مساحة تجمع بين الخطاب السياسي الرسمي والدبلوماسية الموازية والتفاوض متعدد الأطراف، في مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى آليات دولية قادرة على احتواء النزاعات والتعامل مع التحولات العميقة في النظام العالمي.



