من الطاقة والتجارة إلى الإعلام والتعليم… الترحيب بالصين في العالم العربي

إعداد الدكتورة أماني سليمان، أستاذة التاريخ الحديث والعلاقات الدولية بجامعة الإسكندرية.
تشهد العلاقات العربية- الصينية تحسنا مطردا ومتنوعا في الآونة الأخيرة، يرتكز على ثقة الطرفين في توافر عناصر الاحترام المتبادل وروابط الصداقة، ورعاية مصالح الأطراف جميعها من دون استغلال أو انتقاص من طموحات الآخر. فلم تعد العلاقات العربية- الصينية تتمحور حصريا حول النفط أو التبادل التجاري، بل امتدت إلى مجالات الإعلام والسينما والتعليم وتبادل الخبرات التكنولوجية. وقد استطاعت الصين مؤخرا، من خلال عناصرها المؤثرة وروابطها التاريخية الثقافية مع العالم العربي، أن تمثل إحدى مناطق الاهتمام الثقافي والفني والتعليمي لدى الإنسان العربي؛ فلم يعد دورها يقتصر فقط على الشراكة الاقتصادية أو التجارية- رغم استمرارها في القيام بجميع هذه الأدوار بكفاءة- بل امتد إلى التأثير الوجداني والثقافي، وحتى الترفيهي.
ومن الجدير بالذكر أن التبادل الثقافي أو العلمي ليس بجديد على العلاقات العربية- الصينية، فطريق الحرير القديم شهد انتقال الفلسفة واللغات والكتب والمخطوطات والعلوم- مثلها مثل السلع والبضائع- من مدينة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر. وتروي حكايات الرحالة والفلاسفة الكثير من الحكايات عن السمر والحديث والنقاشات الأدبية والمساجلات الفلسفية بين التجار والرحالة وأهل القوافل على امتداد هذا الطريق العظيم، الذي امتد من الصين شرقا إلى الأندلس غربا لقرون طويلة.
روابط تاريخية وتطلعات مستقبلية
تميزت العلاقات العربية- الصينية بالسلمية والتعاون واحترام الآخر، والرؤية المشتركة فيما يخص القضايا العربية والقضايا الدولية بشكل عام. وتوج هذا التناغم بتأسيس منتدى التعاون العربي- الصيني في عام 2004، والذي لم يقتصر على آليات التعاون السياسي والاقتصادي والأمني؛ بل وضع آليات تفصيلية للتعاون الثقافي والاجتماعي، وعلى رأسها الحوار بين الحضارتين العربية والصينية، والمنتدى الصيني- العربي للإصلاح والتنمية، ومهرجان الفنون الصينية ومهرجان الفنون العربية، ومنتدى التعاون الصيني- العربي في مجال الإعلام، ومؤتمر الصداقة الصينية- العربية، ومنتدى المدن الصينية والعربية، ومنتدى التعاون الصيني- العربي لنظام بيدو، ومنتدى المرأة الصينية والعربية، ومنتدى التعاون الصيني- العربي في مجال الصحة، ومنتدى التعاون الصيني- العربي في مجال الإذاعة والتلفزيون، واجتماع الخبراء الصينيين والعرب في مجال المكتبات والمعلومات، ومؤتمر التعاون الصيني- العربي لنقل التكنولوجيا والابتكار، والمنتدى الصيني- العربي لتنمية الشباب ورابطة المراكز الفكرية الصينية- العربية وغيرها من مناطق التعاون التي تفيد الأطراف كافة وتحترم خصوصياتها الثقافية والمجتمعية، من دون إملاءات أو أحكام مسبقة.
اللغة الصينية والتعليم الجامعي.. بوابة الشباب العربي لمعرفة الصين
أبدى الشباب العربي اهتماما متزايدا بتعلم اللغة الصينية في العقود الأخيرة، وتجلى هذا الاهتمام على مستويين؛ الأول مؤسسي ورسمي تمثل في تزايد الإقبال على أقسام اللغة الصينية بكليات الآداب واللغات والترجمة في عشرات الجامعات العربية. والثاني هو التوجه للتعلم غير الرسمي من خلال الدراسة عبر الإنترنت وفي مراكز تعليمية خاصة، بل حتى عبر متابعة المسلسلات والأفلام والأغنيات الصينية المترجمة المعروضة على منصات عربية وعالمية مختلفة.
هذا ويلعب مركز تعليم اللغة والتعاون التابع لوزارة التعليم الصينية (المعروف سابقا باسم مؤسسة هانبان) دورا رائدا ومؤثرا في تعليم اللغة الصينية للطلاب العرب، حيث يعتمد على برنامجين رئيسيين: معاهد كونفوشيوس لتدريس اللغة الصينية وكذلك مسابقة جسر اللغة الصينية السنوية.
وتنتشر معاهد كونفوشيوس لتعليم اللغة الصينية في معظم الدول العربية، وتلقى رواجا واسعا وإقبالا كبيرا من المتخصصين والهواة على حد سواء ممن يرغبون في التعرف على اللغة ومن ثم الثقافة الصينية. تتأسس هذه المعاهد بناء على اتفاقيات حكومية بين الدولة المضيفة ووزارة التعليم في جمهورية الصين الشعبية. ويقوم المركز بتزويد المعاهد بمعلمين صينيين متخصصين ومناهج تعليمية وأدوات التدريس والمواد والوسائط التعليمية اللازمة لأداء مهمتها. كما تتولى الصين دفع رواتب هؤلاء المعلمين وتغطية التكاليف اللازمة المترتبة على إيفادهم إلى الدول العربية وغيرها.
وشهدت السنوات الأخيرة توجهات وطنية لتدريس اللغة الصينية في مدارس العديد من الدول العربية، ومنها جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية. وتتوقع بعض المصادر أن يصل عدد دارسي اللغة الصينية في المدارس السعودية إلى مئات الآلاف بحلول عام 2030، وذلك إثر قرار الحكومة السعودية بتدريس اللغة الصينية كأحد المقررات اللغوية الأساسية بالدراسة قبل الجامعية في مدارس البلاد.
ولا يقتصر التعاون التعليمي على تدريس اللغة الصينية فقط، فقد فتحت الصين أبوابها لآلاف الطلاب العرب للدراسة بجامعاتها في مختلف مناطق الصين، وفي تخصصات عديدة ومتنوعة. وقامت العديد من الدول العربية بإيفاد طلابها إلى الجامعات الصينية لدراسة علوم الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي والروبوتات والرقمنة والطب والهندسة، وغيرها من التخصصات التي يتطلع الطلاب العرب لتحصيل علومها الحديثة في الجامعات والمراكز البحثية الصينية.
كما أسست العديد من الدول العربية برامج للمنح الدراسية المخصصة للطلاب العرب في الجامعات الصينية، حرصا منها على إيفاد شباب الباحثين العرب إلى الصين والعودة بتلك العلوم المتقدمة. وشهد عام 2025 نقلة نوعية في هذا المجال، حيث تم في يونيو تأسيس منحة حازم بن قاسم للباحثين العرب في جامعة تشينغهوا ببكين، وهي أول منحة دراسية متخصصة لطلاب جامعة الدول العربية في هذه الجامعة. وتقدم المنحة دعما لخمسة عشر طالبا سنويا من الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، لاستكمال دراستهم لمدة تصل إلى خمسة أعوام أكاديمية. تعود هذه المنحة إلى مبادرة رواد الأعمال العرب، وتعكس بوضوح تحول اتجاه المنح الدراسية العربية: فبعد أن كان معظمها يتجه نحو جامعات أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، أصبحت تتجه اليوم شرقا نحو الصين.
كما في يوليو عام 2025، ولأول مرة، استضافة ثلاثة وثلاثين طالب عربي في برنامج الدراسة الصيفية بجامعة شرق الصين للعلوم والتكنولوجيا في شانغهاي. وهو البرنامج الذي تميز بالتنوع والتركيز في آن واحد، حيث شارك الطلاب في برامج القيادة والمهارات التكنولوجية والإعلام الحديث، وزاروا العديد من الشركات والمؤسسات الصينية واستمعوا إلى محاضرات حول العلاقات والشؤون الدولية.
التبادل الثقافي والإعلامي والعروض السينمائية
تشهد الذائقة العربية ميلا واضحا ومتزايدا تجاه الإنتاج السينمائي والدرامي الآسيوي، خلال العقود الأخيرة. وتأتي السينما والدراما الصينية ضمن عناصر التأثير التي تحرص الصين من خلالها على تقديم صورة أوضح عن المجتمع الصيني وثقافته وتنوعه خلال مراحل تاريخية قديمة ومعاصرة للجمهور العربي.
وتعد الفعاليات المتعددة والمتنوعة لأسبوع الفيلم الصيني شاهدة على هذا التوجه، من خلال عروض الأفلام السينمائية الصينية المترجمة إلى العربية والتي عرضت ولاقت رواجا كبيرا في القاهرة ودبي وكردستان بالعراق، وغيرها من العواصم والمدن العربية. ولا يتوقف اهتمام المشاهد العربي على مثل هذه الفعاليات المنظمة، بل تشهد القنوات التلفزيونية العربية الرسمية والخاصة على حد سواء عروضا متنوعة للأفلام والمسلسلات الدرامية الصينية. ولعل فوز الفيلم الصيني ((عالم النبات)) بجائزة أفضل فيلم آسيوي طويل (نيتباك) في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته السادسة والأربعين، شاهدا على اهتمام صناع السينما المصرية والنقاد المصريين بالإنتاج السينمائي الصيني وتقدير الإبداع الذي يقدمه السينمائيون الصينيون.
وقد تزايد الاهتمام مؤخرا بمتابعة المسلسلات الدرامية الصينية أو ما يسمى بـ”سي- دراما” والتي نجحت في جذب انتباه المشاهد العربي، تارة بعناصر الفنتازيا والخيال المستمد من التاريخ والأساطير الصينية، وتارة أخرى من خلال القصص الدرامية التي يرى فيها المشاهد العربي- خاصة النساء والشباب- قيما ليست بعيدة عن المجتمع العربي. فالعديد من الأعمال التي عرضت في المنطقة العربية قدمت دراما تتسق مع المعايير الأخلاقية المقبولة لدى الشارع العربي، الذي أرضى فضوله بالتعرف على الثقافة الصينية من دون أن يشعر بتضارب أو صراع مع ما تقدمه من منظور أخلاقي أو مجتمعي.
كما تتقدم الصين بقدراتها الإعلامية المتطورة تقنيا وفنيا نحو المشاهد العربي من خلال الوسائط الإعلامية الصينية المكتوبة أو الناطقة بالعربية، ومنها مجلة ((الصين اليوم)) وموقعها الإلكتروني، ووكالة أنباء ((شينخوا)) التي تنشر موادها بعدة لغات منها العربية، وكذلك القناة العربية لشبكة تلفزيون الصين الدولية (CGTN). وتعد تجربة هذه الأخيرة متميزة، نظرا لتقديمها محتوى مدبلج أو مترجم إلى اللغة العربية يشمل أفلام الرسوم المتحركة والمسلسلات الدرامية التاريخية والمعاصرة وبرامج عن السياحة في المدن الصينية، وكذلك المواد الوثائقية المتنوعة. فلم تعد هذه القناة تقتصر على الأخبار والتغطيات السياسية فحسب، وإنما أيضا يحرص القائمون عليها على مخاطبة أفراد الأسرة العربية من رجال ونساء وحتى الأطفال.
ومن الملاحظ أن العديد من المؤثرين الصينيين قد ذاع صيتهم مؤخرا على منصات التواصل الاجتماعي لتقديمهم محتوى فكاهي واجتماعي ناطق بالعربية، وهو ما لفت انتباه المستخدمين العرب لتلك الوسائط. ونجد أن صفحات المؤثرات والمؤثرين الصينيين على هذه المواقع، قد تجاوزت مئات الآلاف من المتابعين وحققت مشاهدات مليونية. ومن أشهر أمثلة ذلك، المدونة الصينية آسيا التي اشتهرت بتقليد الفنان المصري عادل إمام وتتلقى منشوراتها المصورة رواجا هائلا في المنطقة العربية. ويقدم هؤلاء المؤثرون صورا من المجتمع الصيني كذلك، ويتحدثون عن الاحتفالات التقليدية والعناصر التراثية الصينية بشكل محبب وخفيف يصل سريعا إلى المشاهد العربي ويقربه إلى ثقافة ومجتمع الصين المتنوع.
وقد أعلنت “مجموعة الصين للإعلام” مبادرة شراكة محورية ومهمة للغاية مع اتحاد إذاعات الدول العربية، في الرياض عام 2022 خلال منتدى التعاون الإعلامي الصيني- العربي. ارتكزت هذه المبادرة على تعميق التبادل الإعلامي وتعزيز التعاون بين وسائل الإعلام الصينية والعربية، مع التأكيد على المسؤولية المشتركة بين الجانبين لتقديم محتوى إعلامي مدقق وحقيقي غير مغلوط ولا يسيء للآخر أو ينشر الأكاذيب والافتراءات، خاصة وأن بعض هذه المواد المغلوطة تنتشر بسبب النقل عن أطراف ثالثة من دون التحقق من أهدافها. كما شددت المبادرة على أهمية الإنتاج المشترك، للوصول إلى ملايين المشاهدين الصينيين وكذلك العرب.
هذا ويلتقي صناع الإعلام الصينيون والعرب بشكل دوري، من خلال ملتقى التعاون الصيني- العربي في مجال الإذاعة والتلفزيون، لمناقشة مشروعات الإنتاج المشترك وتبادل الخبرات التقنية والفنية وتبادل الأفكار حول مجالات الاهتمام المشترك لدى المشاهدين في الصين والمنطقة العربية. وتحرص جامعة الدول العربية واتحاد الإذاعات العربية على المشاركة في هذا الملتقى، الذي تميزت دورته الأخيرة في مدينة تشونغتشينغ في نوفمبر عام 2025 بمشاركة واسعة من وسائل إعلام عربية رسمية وخاصة تمثل ست عشرة دولة عربية؛ حرصت على حضور الملتقى لعرض أعمالها، وكذلك للاطلاع على الأعمال الصينية التي تناسب ذائقة المشاهد العربي وتثير اهتمامه، خاصة في ظل فضول المشاهدين العرب حول الحياة في الصين وما تشهده من طفرة تكنولوجية امتدت حتى الحياة اليومية في الصين والبنية التحتية الحديثة والمتقدمة.
مما سبق يتضح لنا كيف استطاعت الصين استخدام مزاياها التعليمية والإعلامية والفنية للوصول إلى عقل وقلب الإنسان العربي، من دون الصدام مع أفكاره ومعتقداته ومن دون إملاءات سياسية أو تهديدات عسكرية أو ضغوط اقتصادية. فالميراث الحضاري المشترك للصينيين والعرب مكن كليهما من إدراك القيمة الحضارية للآخر ومن ثم إعلاء قيم التعاون والاحترام المتبادل. فمخاطبة العقول والمشاعر، طريق أسلم وأرقى من ممارسة التهديد أو الإملاء أو الضغوط أو الاستعلاء على الآخر.
***************
المصدر: الصين اليوم



