معادلة تونس الصعبة: الدعم بين الحماية الاجتماعية واكراهات المالية العمومية

اعداد خولة خولة الكلاحشي: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 23-06-2026

تكشف الأرقام الرسمية الواردة ضمن وثيقة “ميزانية المواطن 2025” الصادرة عن وزارة المالية عن الحجم الفعلي للكلفة التي تتحملها الدولة التونسية للحفاظ على أسعار جملة من المواد الأساسية والمحروقات، في وقت تتزايد فيه الضغوط على التوازنات المالية العمومية وتتسع فيه فجوة العجز والاقتراض.
وتبرز المعطيات أن أكبر أعباء الدعم تتجه نحو المواد ذات الاستهلاك اليومي الواسع، حيث تصل مساهمة الدولة إلى 28 دينارًا في قارورة الغاز المنزلي الواحدة، بما يجعلها من أكثر المواد استنزافًا لميزانية الدعم، بالنظر إلى الانتشار الواسع لاستهلاكها في الأسر التونسية.
وفي قطاع الطاقة، تتحمل المالية العمومية 504 مليمات عن كل لتر بنزين، و649 مليمًا عن لتر الغازوال العادي، و674 مليمًا عن غازوال 50، وهو ما يعكس استمرار حساسية هذا الباب أمام تقلبات السوق الدولية للمحروقات وأسعار الصرف، خاصة وأن تونس تستورد جزءًا هامًا من حاجياتها الطاقية.
أما في باب المواد الغذائية الأساسية، فتظهر الأرقام تفاوتًا لافتًا في مستويات الدعم. إذ يبلغ دعم لتر الزيت النباتي 3078 مليمات، وهو أعلى مستوى دعم ضمن المواد الغذائية، بما يعكس الثقل الكبير لهذه المادة على ميزانية الدعم الغذائي. كما تتحمل الدولة 1945 مليمًا عن كل كيلوغرام كسكسي، و1937 مليمًا عن العجين الغذائي، و1252 مليمًا عن السميد، و432 مليمًا عن الفارينة.
وفي المواد ذات الاستهلاك الشعبي المباشر، تساهم الدولة بـ465 مليمًا في الخبزة الواحدة، و234 مليمًا في الباقات، و410 مليمات عن لتر الحليب، وهي أرقام تبرز حجم التدخل العمومي اليومي في تأمين الاستقرار الاجتماعي والمحافظة على القدرة الشرائية.
اقتصاديًا، تكشف هذه المعطيات عن مفارقة هيكلية في المالية العمومية التونسية: فمن جهة، يمثّل الدعم أداة اجتماعية أساسية لتخفيف أثر التضخم واحتواء التوترات الاجتماعية، لكنه من جهة أخرى يشكّل أحد أكبر أبواب الإنفاق غير المنتج، باعتباره استهلاكًا جاريًا لا يتحول إلى استثمار أو خلق مباشر للثروة.
ويشير تفكيك هذه الأرقام إلى أن الدعم في تونس لا يقتصر على كونه آلية حماية اجتماعية، بل تحوّل إلى عنصر بنيوي في توازن السوق الداخلية، بما يجعل أي تعديل فيه ذا أثر فوري على الأسعار والتضخم. فرفع الدعم أو تقليصه في مواد مثل الغاز أو الخبز أو الوقود قد ينعكس سريعًا على كلفة النقل والإنتاج والاستهلاك، وبالتالي على مجمل الدورة الاقتصادية.
من زاوية المال العام، يطرح هذا الواقع إشكال النجاعة والعدالة في التوزيع، إذ تؤكد تقارير اقتصادية متواترة أن منظومة الدعم بصيغتها الحالية لا تستفيد منها الفئات الهشة وحدها، بل تشمل أيضًا الشرائح الميسورة والمؤسسات الاقتصادية، ما يعني أن جزءًا معتبرًا من الموارد العمومية يُصرف خارج هدفه الاجتماعي الأصلي.
الخلاصة:
الاستنتاج العام الذي تفرضه هذه المعطيات هو أن تونس لا تواجه فقط معضلة “حجم الدعم”، بل أساسًا معضلة “هندسة الدعم”. فالإشكال لم يعد متعلقًا بكم تنفق الدولة، بل بكيفية توجيه هذا الإنفاق، ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية.
وفي غياب إصلاح هيكلي شامل يربط الدعم بسياسة عمومية واضحة للحماية الاجتماعية والإنتاج، ستظل الدولة عالقة بين ضغط الشارع وإكراهات الميزانية، في معادلة تزداد تعقيدًا سنة بعد أخرى.



