أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

مصر بين حرب إيران وتصعيد اليمن.. كيف تحمي القاهرة مصالحها دون الانجرار إلى حرب مفتوحة؟

عند قراءة الموقف المصري مما يجري في الخليج، وتطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تشهده الساحة اليمنية من تصعيد، نعتقد أن المسألة تتجاوز مجرد إعلان المواقف أو التضامن مع الحلفاء. فمصر دولة محورية في المنطقة، ولديها مصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية تجعلها معنية مباشرة بتداعيات هذه الحروب، حتى وإن لم تكن طرفًا في المواجهة العسكرية.

القاهرة تدرك أن اتساع الصراع قد يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من الاضطراب، وأن تداعياته لن تقتصر على الدول المشاركة فيه، بل ستمتد إلى دول أخرى، وفي مقدمتها مصر، التي يرتبط أمنها واستقرارها بأمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس.

ومن هنا، فإن فهم الموقف المصري يتطلب النظر إلى طبيعة علاقاتها الحالية مع السعودية ودول الخليج، وحساباتها تجاه إيران، ومخاوفها من اتساع الحرب إلى اليمن، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية التي قد تترتب على استمرار المواجهة.

من صراع الستينيات إلى الشراكة المصرية السعودية

لا يمكن تناول الموقف المصري من اليمن دون استحضار التجربة التاريخية التي خاضتها مصر في ستينيات القرن الماضي. ففي أعقاب قيام الجمهورية في شمال اليمن عام 1962، تدخلت مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر لدعم الجمهوريين، بينما دعمت السعودية الملكيين، فتحولت اليمن إلى ساحة مواجهة إقليمية بين القاهرة والرياض.

استمرت الحرب سنوات، وانخرطت القوات المصرية في ظروف جغرافية وعسكرية معقدة، وتحولت المواجهة إلى تجربة استنزاف مكلفة، قبل أن تنسحب القوات المصرية تدريجيًا، وتنتهي الحرب عام 1970.

لكن استحضار هذه التجربة اليوم لا يعني أن العلاقات المصرية السعودية ما زالت محكومة بصراعات الماضي. فالمشهد تغير بصورة جوهرية، وأصبحت القاهرة والرياض شريكين في ملفات الأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي.

فمصر اليوم تدعم أمن السعودية ودول الخليج، وتعتبر استقرار المنطقة جزءًا من مصالحها الاستراتيجية. ولذلك، فإن المقارنة بين الماضي والحاضر لا تتعلق بطبيعة العلاقة بين البلدين، بقدر ما تتعلق بالدروس التي يمكن استخلاصها من تجربة التدخل العسكري في اليمن.

لقد تغيرت العلاقة المصرية السعودية، لكن الدرس التاريخي يبقى حاضرًا: اليمن ساحة معقدة، والتدخل العسكري فيها قد يتحول إلى حرب استنزاف تتجاوز أهدافها الأولية.

الحرب على إيران.. تداعيات تتجاوز أطراف المواجهة

إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لا يمكن النظر إليها باعتبارها مواجهة محصورة بين أطرافها المباشرة، لأن تداعياتها تمتد إلى الخليج والممرات البحرية وأسواق الطاقة والتجارة العالمية، وقد تفتح المجال أمام تصعيد في ساحات أخرى.

ومصر، بحكم موقعها الجغرافي ومصالحها الاقتصادية، ليست بعيدة عن هذه التطورات. فاضطراب الملاحة في الخليج أو البحر الأحمر، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، وتراجع حركة التجارة، كلها عوامل يمكن أن تزيد الضغوط على الاقتصاد المصري.

وقد أظهرت اضطرابات البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة مدى تأثر إيرادات قناة السويس بالتوترات الأمنية. وهذا يعني أن مصر قد تتحمل جزءًا من كلفة الحرب الاقتصادية، حتى دون المشاركة فيها عسكريًا.

ومن هنا، فإن القاهرة لديها مصلحة واضحة في احتواء التصعيد ومنع اتساع رقعة المواجهة. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت المخاطر على الاستقرار الإقليمي، وارتفعت كلفة تداعياتها الاقتصادية والأمنية.

فمصر قد لا تكون طرفًا في الحرب، لكنها ليست بمنأى عن نتائجها، وقد تدفع ثمنًا اقتصاديًا وأمنيًا لمواجهات لا تتحكم في مساراتها.

اليمن.. هل تتكرر تجربة الاستنزاف؟

تزداد أهمية هذا السؤال مع احتمالات اتساع المواجهة الإقليمية إلى اليمن، وتداخل الصراع مع إيران مع التوتر بين السعودية والحوثيين.

فإذا تحولت اليمن إلى جبهة إضافية في الحرب، فإن المخاطر لن تقتصر على أطراف الصراع الداخلي، بل قد تمتد إلى أمن السعودية والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، بما ينعكس على قناة السويس والاقتصاد المصري.

ومن وجهة النظر المصرية، فإن الخطر لا يتمثل في تطورات اليمن وحدها، بل في احتمال تحول البحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة للتهديدات والهجمات المتبادلة، بما يهدد المصالح التجارية والأمنية لدول المنطقة.

وهنا تظهر أهمية الدرس التاريخي. فالتدخل العسكري المباشر في اليمن قد يبدأ بأهداف محددة، لكنه قد يتحول إلى صراع طويل يصعب التحكم في مساره أو تحديد نهايته.

ولهذا، فإن الحذر المصري من الانخراط العسكري المباشر يمكن فهمه في إطار حسابات تتعلق بكلفة الحرب، وحدود الدور العسكري، ومخاطر اتساع المواجهة.

فدعم السعودية لا يعني بالضرورة أن تتحمل مصر أعباء كل مواجهة عسكرية، كما أن التضامن السياسي والأمني لا يعني تلقائيًا المشاركة في عمليات قتالية داخل الأراضي اليمنية.

دعم الحلفاء لا يعني الدخول في كل حرب

تواجه القاهرة معادلة دقيقة؛ فمن جهة، لديها شراكة استراتيجية مع السعودية ودول الخليج، وتدرك أهمية أمنها واستقرارها بالنسبة إلى الأمن القومي المصري. ومن جهة أخرى، لديها حساباتها الخاصة التي تتعلق باستقرارها الاقتصادي، وأمن الملاحة، وتجنب الانجرار إلى صراعات مفتوحة.

وهنا ينبغي التمييز بين التضامن السياسي مع الحلفاء، والتنسيق الأمني والدبلوماسي، والمشاركة العسكرية المباشرة. فلكل مستوى حساباته والتزاماته، ولا يعني الانتقال من أحدها إلى الآخر بالضرورة.

يمكن لمصر أن تدعم السعودية في مواجهة التهديدات التي تستهدف أراضيها، وأن تعمل على حماية الملاحة، وأن تنسق المواقف مع دول الخليج، من دون أن يعني ذلك تلقائيًا دخولها في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران أو انخراطها في حرب برية داخل اليمن.

كما أن الحفاظ على قنوات التواصل مع طهران لا يتعارض بالضرورة مع دعم السعودية، بل قد يشكل أداة دبلوماسية للمساعدة في خفض التوتر ومنع اتساع المواجهة.

وبذلك، فإن الموقف المصري لا يمكن اختزاله في سؤال: هل تقف القاهرة مع السعودية أم لا؟ فالسؤال الأهم هو: كيف تدعم مصر أمن حلفائها وتحمي مصالحها، من دون أن تتحول إلى طرف إضافي في حرب مفتوحة؟

الاقتصاد المصري.. عامل أساسي في حسابات القاهرة

لا يمكن فهم السياسة المصرية بمعزل عن الظروف الاقتصادية. فالقاهرة تحتاج إلى استقرار إقليمي يساعدها على استعادة حركة الملاحة في قناة السويس، وجذب الاستثمارات، وتقليل الضغوط المرتبطة بالطاقة والتجارة والتمويل.

وأي حرب طويلة في الخليج أو اليمن قد تزيد الأعباء الاقتصادية، سواء من خلال اضطراب طرق التجارة، أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، أو تراجع الإيرادات المرتبطة بالممرات البحرية.

وهذا يفسر لماذا لا تنظر مصر إلى الحرب من زاوية عسكرية فقط، بل من زاوية كلفتها الشاملة على الدولة والمجتمع.

فالدول لا تقيس نتائج الحروب بما تحققه من مكاسب عسكرية فحسب، وإنما أيضًا بما تخسره من موارد وفرص تنمية واستقرار اقتصادي.

ومن ثم، فإن القاهرة معنية بمنع تحول المواجهة الحالية إلى صراع طويل يستنزف المنطقة، ويجعل الدول التي لم تشارك في إشعال الحرب تدفع ثمنها اقتصاديًا وأمنيًا.

مصر بين الدبلوماسية وحماية الأمن العربي

تسعى مصر إلى الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع السعودية ودول الخليج، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى إبقاء المجال الدبلوماسي مفتوحًا أمام جهود التهدئة والتفاوض.

ويمكن للدبلوماسية المصرية أن تسهم في خفض التوتر، وتشجيع العودة إلى المفاوضات، ودعم المبادرات التي تحول دون انتقال المواجهة إلى ساحات جديدة.

لكن نجاح هذا الدور يرتبط بمدى استعداد الأطراف المتحاربة للقبول بالتسويات، وبقدرة القوى الإقليمية والدولية على معالجة أسباب الصراع، وليس الاكتفاء بإدارة تداعياته.

كما أن أمن البحر الأحمر وباب المندب لا يمكن ضمانه بالحلول العسكرية وحدها، بل يتطلب معالجة جذور الأزمة اليمنية، ودعم مسار سياسي شامل، وتعزيز قدرة المؤسسات اليمنية على استعادة الاستقرار.

وهنا تلتقي المصالح المصرية والسعودية في ضرورة حماية الملاحة ومنع التهديدات العابرة للحدود، والعمل على تسوية الأزمة اليمنية، مع احتفاظ كل دولة بحقها في تقدير طبيعة مساهمتها وحدود التزاماتها.

الخلاصة: حماية المصالح دون استنزاف جديد

نعتقد أن قراءة الموقف المصري مما يجري في الخليج واليمن تحتاج إلى تجاوز فكرة الاصطفاف مع طرف ضد آخر، والنظر إلى المصالح والمخاطر التي تحكم حسابات القاهرة.

فمصر اليوم حليف للسعودية ودول الخليج، وتدرك أن أمنها يرتبط إلى حد كبير بأمن الخليج والبحر الأحمر. لكنها تدرك أيضًا أن اتساع الحرب على إيران، وامتداد تداعياتها إلى اليمن، قد يضع المنطقة أمام صراع طويل تتجاوز كلفته الدول التي تخوضه مباشرة.

ومن هنا، فإن القاهرة لا تستطيع تجاهل ما يجري، لكنها في الوقت نفسه ليست معنية بأن تتحول إلى طرف إضافي في حرب مفتوحة لا تملك وحدها تحديد مسارها أو نهايتها.

إن المعادلة المصرية تقوم على دعم أمن الحلفاء، وحماية المصالح الوطنية، وتأمين الملاحة، والعمل على احتواء التصعيد، مع تجنب الانزلاق إلى استنزاف عسكري جديد.

وتبقى تجربة اليمن في ستينيات القرن الماضي درسًا تاريخيًا مهمًا، لا لأنها تحدد شكل العلاقة المصرية السعودية اليوم، بل لأنها تذكّر بصعوبة الحسم العسكري في اليمن، وبأن الحروب التي تبدأ بأهداف محددة قد تتجاوز حسابات من يخوضها.

فالسؤال بالنسبة لمصر ليس فقط كيف تقف إلى جانب حلفائها، وإنما كيف تحمي أمنهم ومصالحها في الوقت نفسه، دون أن تتحول مسؤولية التضامن العربي إلى التزام بحرب مفتوحة تستنزف موارد المنطقة وتؤجل فرص الاستقرار والتنمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق