أخبار العالمإفريقيابحوث ودراسات

الطفولة بين الحق في الحماية والحق في التعبير إلى معركة السلامة الرقمية

في زمن أصبحت فيه الصورة أسرع من الخبر، والمنشور أوسع انتشارًا من الصحيفة، لم تعد حماية الطفل من الانتهاكات الإعلامية تقتصر على إخفاء اسمه أو الامتناع عن تصويره. فقد بات الطفل حاضرًا في فضاء رقمي مفتوح، تتداخل فيه فرص التعلم والتعبير والتواصل مع مخاطر التنمر والاستغلال وانتهاك الخصوصية والتعرض لمضامين غير ملائمة لسنه. وفي تونس، لم يعد هذا التحدي افتراضيًا؛ إذ تكشف المؤشرات الرسمية عن حضور يومي مكثف للإنترنت في حياة الأطفال، بما يفرض إعادة النظر في مسؤولية الإعلام والأسرة والمدرسة وشركات التكنولوجيا عن سلامتهم الرقمية.

السؤال لم يعد فقط: كيف ينبغي للإعلام أن يتعامل مع الطفل؟ بل أصبح أيضًا: كيف نحمي الطفل من بيئة رقمية تُصمَّم فيها المضامين والخدمات لجذب انتباه المستخدم وإبقائه متصلًا، في حين لا تتوافر دائمًا ضمانات كافية لحماية القاصرين والقاصرات واليافعين واليافعات؟

أرقام تكشف تحوّلًا في علاقة الطفل بالإنترنت

وفق المعطيات التي أعلنتها وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن في 17 فيفري 2026، استنادًا إلى التقرير الوطني حول وضع الطفولة في تونس لسنة 2024، فإن 75.9% من الأطفال بين 10 و17 سنة يستخدمون الإنترنت يوميًا. ويبلغ معدل الاستخدام، بحسب المصدر نفسه، أربع ساعات يوميًا خلال أيام الدراسة، وست ساعات خلال العطل المدرسية وعطلات نهاية الأسبوع.

لا تكمن أهمية هذه الأرقام في طول مدة الاتصال وحده، بل في ما تكشفه عن التحول الذي طرأ على الحياة اليومية للأطفال. فالإنترنت لم يعد مجرد وسيلة للبحث المدرسي أو الترفيه العابر، بل أصبح فضاءً للتعلم والتواصل وبناء العلاقات والتعبير عن الذات، وقد يكون أيضًا مصدرًا للمعلومات المضللة والضغط الاجتماعي والتعرض لممارسات مؤذية.

غير أن هذه المؤشرات تحتاج إلى قراءة دقيقة، فهي تتعلق باستخدام الإنترنت عمومًا، ولا تعني أن جميع الأطفال يقضون الوقت نفسه على شبكات التواصل، أو أنهم يتعرضون بالضرورة للمخاطر ذاتها. كما لا يجوز اعتبارها قياسًا مباشرًا لمعدلات التنمر الإلكتروني أو الاستغلال الرقمي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية إضافية عند مقارنتها بتشخيص سابق لليونيسف بشأن الوقاية من العنف ضد الأطفال عبر الإنترنت في تونس. فقد أشار التشخيص، مستندًا إلى مسح يعود إلى سنة 2017، إلى أن 43.9% من المراهقين بين 15 و17 سنة كانوا يستخدمون شبكات التواصل يوميًا. وهو مؤشر تاريخي لا يمثل تقديرًا للوضع الراهن، لكنه يوضح أن الحضور الرقمي للأطفال كان موضع اهتمام بحثي منذ سنوات.

وفي المقابل، أشار التشخيص نفسه إلى نقص البيانات المنهجية الخاصة بالعنف الرقمي الذي يستهدف الأطفال في تونس. وهنا تظهر إحدى أبرز الإشكاليات ألا وهي اتساع الاستخدام الرقمي لا يقابله بالضرورة رصد إحصائي منتظم وشفاف لكل أشكال الضرر، بما يصعّب تقييم حجم الظاهرة وقياس فعالية التدخلات الوقائية إذا توفرت أصلا.

مواقع التواصل الاجتماعي: التحدي الذي يتجاوز الرقابة الأسرية

إذا كانت وسائل الإعلام التقليدية تخضع، بدرجات مختلفة، لقواعد تحريرية ومهنية قبل بث المحتوى أو نشره، فإن المنصات الاجتماعية تسمح بتداول الصور ومقاطع الفيديو والتعليقات والمعلومات الشخصية بصورة متسارعة، وقد ينتشر المحتوى خارج سياقه الأصلي ويظل متداولًا حتى بعد حذفه من الصفحة التي نشرته أول مرة. وتتجاوز المخاطر مسألة مشاهدة محتوى غير مناسب. فقد يتعرض الطفل للتنمر الإلكتروني، أو لانتحال الهوية، أو لمحاولات الاستدراج والاستغلال، أو لابتزاز مرتبط بمعلومات وصور شخصية، فضلًا عن المضامين التي تروّج للعنف أو تكرّس التمييز والإقصاء.

ويُضاف إلى ذلك أن أنظمة التوصية الآلية قد تقترح على المستخدم محتويات متتابعة بناءً على تفاعلاته السابقة، بما قد يوسّع تعرضه لنمط معين من المضامين دون أن يكون قد بحث عنه بصورة واعية. كما أن بعض التصاميم التي تعتمد الإشعارات المتكررة والتشغيل التلقائي والمكافآت الاجتماعية قد تشجع على استمرار الاستخدام.

لكن من الضروري التمييز بين وجود هذه المخاطر وبين الادعاء بأن كل استخدام للشبكات الاجتماعية يسبب ضررًا نفسيًا أو سلوكيًا. فتأثير التجربة الرقمية يتوقف على عوامل متعددة، منها سن الطفل، وطبيعة المحتوى، ومدة الاستخدام، والعلاقات التي يبنيها عبر الإنترنت، ومدى توافر الدعم والحماية. وفي تقريرها Childhood in a Digital World الصادر في جوان 2025، دعت اليونيسف إلى مقاربة توازن بين حماية الأطفال وتمكينهم من الاستفادة من التكنولوجيا، مشيرة إلى ارتباطات قوية بين مخاطر الصحة النفسية وبعض التجارب الرقمية المؤذية، ولا سيما التنمر الإلكتروني والإساءة الجنسية عبر الإنترنت. كما شددت على ضرورة تحمّل المنصات مسؤوليتها في الوقاية من هذه الانتهاكات والحد منها.

وبذلك، فإن إلقاء المسؤولية كاملة على الأولياء، أو مطالبتهم بمراقبة كل ما يفعله أطفالهم على الإنترنت، لا يعالج المشكلة من جذورها. فالأسر لا تملك وحدها الأدوات التقنية أو المعرفية أو القانونية التي تمكّنها من مواجهة منصات عالمية معقدة، ولا تستطيع دائمًا اكتشاف المخاطر قبل وقوعها.المسؤولية هنا مشتركة، لكنها ليست متساوية، فالشركات التي تصمم المنصات وتتحكم في أنظمة التوصية وجمع البيانات والإبلاغ عن المحتوى تملك قدرة مباشرة على تعديل البيئة الرقمية نفسها، ولذلك ينبغي أن تتحمل نصيبًا واضحًا من مسؤولية جعلها أكثر أمانًا للأطفال.

القيود العمرية :حماية للأطفال أم حلّ غير مكتمل؟

أمام تصاعد المخاوف المتعلقة بسلامة الأطفال الرقمية، يتجه عدد من الدول إلى مناقشة قيود عمرية على استخدام بعض منصات التواصل الاجتماعي. وقد أصبحت هذه المقاربة محور نقاش دولي بشأن حدود الحماية، وحقوق الطفل في الوصول إلى المعلومات والتعبير والمشاركة.

لكن تحديد سنّ قانونية وحده لا يضمن الحماية الفعلية. ففي بيان نشرته اليونيسف في 10 ديسمبر 2025، حذرت المنظمة من أن القيود العمرية، إذا طُبقت بصورة منفردة، قد تدفع بعض الأطفال إلى استخدام حسابات أو خدمات بديلة أقل خضوعًا للرقابة، أو إلى الالتفاف على القيود بدل معالجة أسباب الخطر. ودعت إلى مقاربة شاملة تجمع التنظيم القانوني والتصميم الآمن والتثقيف الرقمي ودعم الأسرة.ولا يعني ذلك أن القيود العمرية غير مجدية، بل إن فعاليتها تتوقف على كيفية صياغتها وتنفيذها، ومدى تناسبها مع سن الأطفال واحتياجاتهم، ووجود آليات تحقق تحترم الخصوصية ولا تجمع بيانات أكثر مما يلزم.

كما ينبغي التمييز بين تحديد السن المناسب لامتلاك حساب على منصة معينة، وبين حظر النفاذ إلى الإنترنت أو إلى المحتوى التعليمي والثقافي عمومًا. فالطفل ليس مجرد مستخدم ينبغي إبعاده عن المخاطر، بل صاحب حق في التعلم والمشاركة والتعبير، وتقتضي حمايته تمكينه من اكتساب المهارات التي تساعده على استخدام التكنولوجيا بصورة واعية وآمنة.

وتطرح هذه المسألة سؤالًا يستحق النقاش في تونس هل ينبغي أن ينصبّ التدخل أساسًا على منع القاصرين من الوصول إلى المنصات، أم على إلزام المنصات بتوفير إعدادات مناسبة لأعمارهم، وتقليل جمع بياناتهم، والحد من التوصيات الضارة، وتوفير آليات فعالة للإبلاغ عن الانتهاكات؟ الأقرب إلى مقاربة حقوقية متوازنة هو ألا يُعامل الخياران باعتبارهما بديلين متعارضين بالضرورة، بل أن يُقيّم كل إجراء بحسب فعاليته وتناسبه وآثاره على حقوق الطفل.

الإطار القانوني لحماية الطفل بين الضمانات القانونية والتحديات الرقمية

تطرح العلاقة بين الطفل والإعلام سؤالًا قانونيًا وأخلاقيًا يتعلق بحدود حرية التعبير والنشر عندما تتقاطع مع حقوق القُصّر. فحرية الإعلام لا تعني إباحة كشف الحياة الخاصة للأطفال، كما أن الحق في الحصول على المعلومة لا يبرر بالضرورة نشر كل التفاصيل المتاحة ، تستند حماية الطفل في تونس إلى منظومة قانونية تشمل مجلة حماية الطفل الصادرة بموجب القانون عدد 92 لسنة 1995 المؤرخ في 9 نوفمبر 1995، إلى جانب نصوص أخرى تتعلق بالصحافة والاتصالات وحماية المعطيات الشخصية والجرائم المرتكبة عبر الأنظمة المعلوماتية.

وتنص مجلة حماية الطفل، ضمن مبادئها العامة، على حماية الطفل من أشكال العنف والضرر والاستغلال والإهمال، كما تقرّ حقه في احترام حياته الخاصة. ويؤكد الفصل السادس منها هذا الحق، مع مراعاة الحقوق والمسؤوليات القانونية للوالدين أو من يتولى رعايته. وتكتسب هذه المبادئ أهمية مباشرة في المجال الإعلامي والرقمي، لأن نشر صورة طفل أو تفاصيل هويته أو معلومات عن وضعه العائلي أو الصحي قد يؤدي إلى المساس بخصوصيته، حتى عندما يكون الغرض المعلن من النشر هو التوعية أو نقل الخبر.

كما يتضمن الإطار القانوني التونسي، وفق التشخيص المؤسسي الذي أعدته اليونيسف بالتعاون مع وزارة الأسرة، نصوصًا تتصل بحماية البيانات الشخصية وبالجرائم الإلكترونية وبحماية الطفل ويشير التشخيص نفسه إلى الحاجة إلى تعزيز التنسيق المؤسسي، وتطوير القدرات، وتحسين آليات الوقاية والاستجابة للعنف الرقمي. غير أن وجود نصوص قانونية لا يعني تلقائيًا أنها كافية لمواجهة كل تحديات المنصات الحديثة. فالممارسات الرقمية تتطور بسرعة، وقد تتوزع المسؤولية بين المستخدم والناشر والشركة المشغّلة والمنصة الموجودة خارج البلاد، وهو ما يطرح صعوبات في تحديد الجهة المسؤولة، وجمع الأدلة، وتقديم الشكاوى، وضمان إزالة المحتوى المؤذي في الوقت المناسب.

ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات حماية الطفل من الاعتداءات التي يرتكبها أفراد، ومساءلة الجهات التي تنشر محتوى ينتهك حقوقه، وضمان مسؤولية المنصات عن المخاطر المرتبطة بتصميم خدماتها وإدارتها، فكل مستوى يتطلب أدوات قانونية ومؤسسية مختلفة، ولا يكفي التعامل معها باعتبارها مشكلة واحدة بل هومشكل مركب متشعب وجب تفكيك أوصاله لدرء العلة الحقيقية على المستخدمين دون السن القانونية.

الطفل في الإعلام بين حدود النشر وأخلاقيات المهنة

لا تنحصر مسؤولية الإعلام في تغطية المخاطر الرقمية، بل تشمل أيضًا طريقة تقديم قضايا الأطفال للرأي العام. فقد تتحول التغطية التي تهدف إلى كشف العنف أو الإهمال إلى انتهاك جديد عندما تكشف هوية الطفل، أو تنشر صورته، أو تعرض تفاصيل تمكّن المحيطين به من التعرف عليه.وفي بعض الحالات، تتقدم اعتبارات الإثارة والسبق الصحفي على حماية الطفل، فيصبح الضحية معروفًا داخل محيطه الاجتماعي، وقد يواجه الوصم أو التمييز أو إعادة تداول تفاصيل مؤلمة عنه بعد سنوات.

وتؤكد إرشادات اليونيسف بشأن التغطية الأخلاقية لقضايا الأطفال أن المصلحة العامة يجب أن تتحقق دون المساس بحقوق الطفل، وأن احترام كرامته وخصوصيته وسريّة معلوماته يظل واجبًا أساسيًا. كما توصي بإخفاء هوية الأطفال في الحالات التي قد يعرّضهم فيها الكشف عنها للضرر أو الانتقام أو الوصم أو الأحكام المسبقة الجماعية.

وهنا ينبغي أن تتجاوز الممارسة الصحفية سؤالًا بسيطًا من قبيل هل وافق الولي على التصوير؟ إلى أسئلة أكثر عمقًا هل يخدم نشر الصورة المصلحة العامة فعلًا؟ هل يمكن نقل الوقائع من دون كشف الهوية؟ هل يدرك الطفل طبيعة النشر وإمكانية إعادة تداوله؟ وهل تتناسب الفائدة الصحفية مع الضرر المحتمل؟ فالتركيز على القضية بدل هوية الطفل، واستخدام الصور الرمزية عند الحاجة، وحذف التفاصيل الكاشفة، والتحقق من المعلومات، كلها ممارسات لا تقلل من قيمة التحقيق الصحفي، بل تعزز مصداقيته وتحمي الأشخاص الذين يتناولهم .

من الرقابة إلى التربية الإعلامية والرقمية

لا يمكن بناء حماية مستدامة للطفل بالمنع وحده، كما لا يمكن تركه يواجه البيئة الرقمية دون أدوات مناسبة. فالتربية الإعلامية والرقمية أصبحت جزءًا أساسيًا من الوقاية، لأنها تساعد الأطفال على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة، وفهم مخاطر مشاركة البيانات الشخصية، والتعرصض إلى التنمر والاستدراج، وطلب المساعدة عند التعرض للأذى أو خطر ما .

وتحتاج هذه التربية التوعوية إلى أن تبدأ في سن مبكرة، وأن تكون ملائمة لمستوى نمو الطفل، وأن تشمل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية على حد السواء. كما ينبغي أن تتضمن تدريبًا عمليًا على الخصوصية والأمان الرقمي الشخصي، وفهمًا مبسطًا لكيفية عمل التوصيات الرقمية والإعلانات وجمع البيانات وهو ما يشكل تحد عملي بين .

وفي هذا السياق، يقتضي الدور التربوي للإعلام إنتاج محتوى يشرح المخاطر دون تهويل، ويعرض حقوق الطفل وآليات حمايته، ويشجع على الإبلاغ عن الانتهاكات دون لوم الضحية نفسها. كما يقتضي ألا تُختزل التوعية في دعوة الأطفال إلى تقليل وقت الشاشة، بل أن تشمل أيضًا نوعية المحتوى وطبيعة التفاعلات ومدى أمان المنصة وحسن تدبير العائلة كرقيب أساسي في هذه العملية.

نحو مقاربة شاملة للسلامة الرقمية للأطفال في تونس

إن مواجهة التحديات التي يفرضها الاستخدام الرقمي المكثف للأطفال في تونس تتطلب الانتقال من حملات التوعية العامة إلى سياسة حماية قابلة لتشخيص ،للتقييم والقياس. ذلك أن تطوير قاعدة بيانات وطنية دورية حول العنف الرقمي ضد الأطفال أمر وجيه، مع احترام السرية وحماية المعطيات الشخصية؛ وتوفير آليات واضحة وسهلة للإبلاغ عن الانتهاكات وتعزيز التنسيق بين مندوبي حماية الطفولة والمؤسسات التربوية والجهات الأمنية والقضائية المختصة وتدريب الصحفيين على التغطية الحساسة لقضايا الأطفال.

كما يتطلب الأمر حوارًا مؤسسيًا مع المنصات الرقمية بشأن التحقق الملائم من السن، والإعدادات الافتراضية الأكثر أمانًا، والحد من جمع بيانات القاصرين/ات، وسرعة معالجة البلاغات المتعلقة بالتنمر والاستغلال والمحتوى الضار كما ينبغي أن تخضع هذه التدابير لتقييم دوري يوضح ما تحقق فعليًا، بدل الاكتفاء بالإعلان عن المبادرات غير الفعلية أو الوهمية. كذلك لابد من إشراك الأطفال أنفسهم في صياغة السياسات التي تعنيهم، لأن الاستماع إلى تجاربهم يساعد على فهم المخاطر التي قد لا تظهر في الإحصاءات الرسمية، وعلى تصميم تدابير واقعية تراعي اختلاف الأعمار والظروف الاجتماعية والقدرات الرقمية.

نحو مسؤولية مشتركة تتجاوز الرقابة على الفضاء الرقمي

تكشف المؤشرات التونسية أن الإنترنت أصبح جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية لليافعين/ات وأن تحديات الحماية لم تعد مقتصرة على الأسرة أو المدرسة أو المؤسسات الإعلامية التقليدية. فالمسؤولية تمتد اليوم إلى المنصات التي تدير فضاءات التفاعل، وتحدد ما يظهر للمستخدمين، وتجمع بياناتهم، وتضع القواعد التي تحكم حضورهم الرقمي.

وعليه ، فإن حماية القصر لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لحرمانه من المعرفة أو المشاركة بصفة تلقائية ، كما لا يجوز أن تُترك سلامته رهينة قدرته الشخصية على تجنب المخاطر أو قدرة أسرته على مراقبته من عدمها وبالتالي ما يتطلبه منطقيا بيئة رقمية تراعي حقوقه منذ التصميم والنشأة، وتحمّله مسؤولية متناسبة مع سنه، وتُلزم الجهات الأقوى تقنيًا واقتصاديًا وقانونيًا بدورها في الوقاية والاستجابة الفورية.

أما الإعلام، فمسؤوليته مزدوجة ذلك أن من واجبه أن يحمي القاصرعندما يروي قصته، وأن يكشف أوجه القصور عندما يفشل النظام الرقمي أو المؤسسي في حمايته. فالمعيار الحقيقي ليس عدد الصور المنشورة عن الأطفال، ولا عدد حملات التوعية المنجزة، بل مدى قدرة المجتمع على ضمان حضور الطفل في الفضاء الرقمي كفرصة للتعلم والتعبير والنمو، لا مدخلًا لانتهاك خصوصيته أو استغلال هشاشته. وعليه يبقى السؤال الذي يستحق أن يتصدر النقاش العام في تونس اليوم هل نطالب الطفل بأن يتعلم كيف يحمي نفسه داخل فضاء لا يتحكم في قواعده، أم نبدأ بإلزام من يصمم هذا الفضاء ويديره بأن يجعله أكثر أمانًا للأطفال؟

 ********************

المصادر الأساسية :

*****************

كلمات المفاتيح: حقوق الطفل، أخلاقيات الإعلام، ومخاطر المنصات الرقمية ،المسؤولية المجتمعية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق