مالي في قلب العاصفة : صراع النفوذ و مستقبل الساحل

إعداد قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 11-08-2026
شهدت منطقة الساحل الإفريقي خلال السنوات الأخيرة تحولات جيوسياسية متسارعة جعلتها إحدى أكثر المناطق الافريقية اضطراباً وتنافساً بين الدول الكبرى.
فقد أدى تزايد نشاط الجماعات المسلحة “الارهابية” والمهربين والمافيا العالمية، والإنقلابات العسكرية، إلى فتح المجال أمام فاعلين دوليين جدد، على رأسهم روسيا والولايات المتحدة لإعادة تموضعهما داخل المنطقة .
وفي ظل هذا الواقع، لم تعد الأزمات الأمنية في دول الساحل مجرد نزاعات داخلية، بل أصبحت جزءاً من صراع دولي أوسع يتداخل فيه البعد الأمني مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، خاصة في ظل ما تزخر به المنطقة من ثروات طبيعية وثروات طاقية ومعدنية وموقع استراتيجي.
وتُعد مالي النموذج الأبرز لهذا التحول؛ فمنذ الإطاحة بالنظام “الفاسد الموالي الى فرنسا سنة 2020 واتجاه المجلس العسكري إلى إعادة صياغة تحالفاته الخارجية، دخلت البلاد مرحلة جديدة اتسمت بتعزيز الشراكة مع روسيا، وانسحاب القوات الغربية وعلى رأسها فرنسا التي فشلت عملياتها في مكافحة الإرهاب في مالي، واستمرار تمدد الجماعات المسلحة.
غير أن التطورات الميدانية التي حصلت في شهر يويلو 2026 ومقتل وزير الدفاع المالي للحكومة الإنتقالية كشفت عن تحولات عميقة ميدانية، تمثلت بالأساس في تصاعد الهجمات المسلحة وتقارب غير مسبوق بين الجماعات الانفصالية والجهادية، وبروز البصمة الأمريكية، خاصة في استعمال ورقة الإرهاب، وفي المقابل هناك مؤشر لتراجع الحضور الروسي بالتزامن مع مؤشرات عودة الإهتمام الأمريكي بالساحة المالية وبمنطقة الساحل والصحراء الغنية بمواردها الطبيعية، بما يعكس بداية إعادة تشكيل موازين القوى في منطقة الساحل وبروز واضح للاعب الأمريكي على الأرض المالية.
إلى أي مدى تعكس الأزمة الراهنة في مالي تحوّلاً في موازين النفوذ الدولي داخل منطقة الساحل؟
كيف يؤثر التنافس الروسي–الأمريكي والتحولات الميدانية على مستقبل الدولة المالية واستقرار المنطقة؟
وهل ستكونمالي هي بداية إعادة رسم خريطة النفوذ الدولي في منطقة الساحل والصحراء؟
شهدت مالي منذ الرابع من شهر جويلية الجاري عدة تطوارات أمنية واسعة في منطقتي الشمال والوسط بتعرض عدة مواقع عسكرية لهجمات عنيفةمتزامنة، أعلنت خلالها جبهة تحرير أزواد بدء عملية للسيطرة على بلدة أنفيف قرب كيدال، بالتزامن مع هجوم شنته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على مدينة غاو.
مع الملاحظة لم تكن عملية الرابع من يويلو الجاري هجوما عسكريا عاديا لمجموعات إرهابية أو مجموعات متمردة انفصالية، بل كانت إيذاناً بمرحلة جديدة كشفت عن واقع جديد في المنطقة، وإعلانا عن دخول لاعبين جدد ميدانيا.
ما تلا ذلك كان أشد قوة حيث في الخامس من يوليو تحرك رتل عسكري يضم نحو 30 مركبة مدرعة باتجاه أنفيف، مدعوماً بمقاتلين من جماعة الدفاع الذاتي للطوارق “غاتيا”، لكنه تعرض لسلسلة كمائن قبل وصوله، ما أجبره على التراجع بعد معارك عنيفة أسقط خلالها المهاجمون المتمردون مروحية روسية من طراز Mi-24 رغم التراجع الا أن إسقاط طائرة مروحية روسية على يد متمردين محليين يحمل دلالة رمزية تتجاوز بكثير قيمتها العسكرية المباشرة؛ إنه توثيق علني لدخول لاعبين دوليين جدد تتجاوز قدرة المتمردين.
ولم تتوقف الأحداث عند هذه النقطة بل كان شهر يوليو حافلا بين أخذ ورد بين الجماعات المتطرفة والدولة المالية وحلفائها حيث جاء في الثامن عشر من الشهر ذاته حدثا أكبر والأكثر إيلاما من سابقيه حين قُتل أكثر من 50 جندياً مالياً وأُسر ما لا يقل عن 24 آخرين في هجوم شنه مسلحون من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد على قافلة عسكرية شمالي البلاد، فيما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر في الجيش قوله إن عدداً من الجنود أُعدموا ميدانياً.
وفي أواخر الشهر، تعرض رتل مشترك للجيش المالي وعناصر من فيلق أفريقيا لسلسلة هجمات بالقذائف والعبوات الناسفة بين 25 و26 جويلية، أثناء تحركه من وسط مالي نحو مدينة غاو الاستراتيجية في الشمال، ووقعت الهجمات بين هومبوري وغوسي على الطريق الصحراوي الرابط بين وسط البلاد ومناطق تمبكتو وغاو.
وتعكس هذه الهجمات استمرار تأمين الطرق الطويلة التي تربط قواعد الجيش في وسط البلاد بشمالها وبات الوصول الى المدن المحاصرة في الشمال مرهونا بالمجازفة بالأرواح وهذه المعلومات ترددها وسائل الإعلام الغربية وعلى راسها وسائل إعلام فرنسية ولا نعلم مدى مصداقيتها ونسوقها بحذر كبير.
ومن هنا نتجاوز التحليل للخسائر والمعارك الميدانية والأرقام، وبات من الواضح اليوم الحديث في المسألة المالية بالرجوع ألى الطبيعة الجديدة للخصم الذي يواجه المجلس العسكري ومن يدعمه ميدانيا.
فلأول مرة منذ سنوات، تجاوزت جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين سنوات من الصراع والاقتتال بينهما، واتجهتا إلى تنسيق العمليات العسكرية ضد قوات المجلس العسكري وحلفائه من عناصر فيلق أفريقيا الروسي .
يعود جذور هذا التقارب الى وساطات قبلية لعب فيها “إياد أغ غالي “زعيم جماعة أنصار اللًه دورا قياديا و براغماتيا، حيث استغل النعرات العرقية والقبلية والمظالم المحلية لبناء تحالفات أدت في النهاية لاندماج عسكري بين المجموعات الارهابية والمهربين والانفصاليين، والنتائج قد تمت ترجمتها ميدانيا بداية من شهر يويلو.
واصبحت المعادلة في مالي غير واضحة ولا يمكن التنؤ بالمستقبل حتى القريب منها، فقد قامت المعادلة الجديدة على قبول جبهة تحرير أزواد تطبيقاً محدوداً للشريعة بإشراف قضاة يقال عنهم مستقلين، في حين وافقت نصرة الإسلام على التركيز على الساحة المالية بدلاً من الأجندة العابرة للحدود، وخلاصة القول هي صفقة براغماتية تتغلب فيها المصلحة المشتركة في إسقاط المجلس العسكري على كل التناقضات الأيديولوجية السابقة وكأننا أمام نفس السيناريو السوري، ولهذا منذ البداية قد أشرنا لبصمة اللاعب الامريكي على الاراضي المالية وبنفس الورقة وهي دعم المجموعات الإرهابية وربما إياد أغالي سيكون “جولاني” مالي وهذا ما يحضر له في غرف المخابرات الغربية وعلى رأسهم المخابرات الأمريكية والبريطانية تحديدا.
ما يزيد هذا التحالف خطورة هو أنه بات يُهدد بالامتداد إلى الدول المجاورة في غرب ووسط أفريقيا، ما يحوّل مالي من مشكلة محلية إلى فتيل إقليمي قابل للاشتعال.
تحيلنا هذه الأحداث الى قراءة ضرورية حول صراع النفوذ بين موسكو وواشنطن والى أي مستقبل تذهب مالي ؟
كان الرهان الروسي في مالي يقوم على معادلة بسيطة: أمن مقابل ثروات. قدّمت موسكو مقاتلي فاغنر ثم فيلق أفريقيا، وفي المقابل حصلت على عقود تعدين وامتيازات اقتصادية. لكن شهر جويلية 2026 الحافل بالأحداث يكشف أن هذه المعادلة بدأت تتصدع والامريكي والغربي لن يقبلوا الوضع الحالي في مالي ولا التواجد الروسي ولا حتى الإستقرار في مالي لأن الإستقرار يعني نجاح التواجد الروسي والعدوى يمكن أن تصيب دول المنطقة.
في نفس الوقت نجد الإعلام الغربي وخاصة الفرنسي يحاول الترويج الى معلومات غير صحيحة ويدعون ان روسيا عاجزة أمام حماية حليفها المجلس الإنتقالي، وتروج الى ان القوة الروسية لم تنجح في وقف استراتجية الاستنزاف التي اعتمدتها الجماعات المسلحة.
في المقابل يلاحظ المراقبون عودة أمريكية إلى مالي والى المنطقة كماتبدو هذه العودةحذرة في خطابها الرسمي لكن مكثفة في تحركاتها الميدانية. فبعد سنوات من الانكفاء الأمريكي عقب الانقلابات التي شهدتها المنطقة، تتسارع اللقاءات والزيارات منذ منتصف 2025، وقد بلغت ذروتها في جويلية الجاري بإطلاق حوار استراتيجي رسمي بين باماكو وواشنطن في الثامن عشر من الشهر من خلال زيارة مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية فرانك غارسيا الى بامكو وقد استقبله رئيس الوزراء عبد الله ميغا في 17 من جويلية وتركّزت مناقشاته على ثلاث أولويات:
- مكافحة التطرف
- والتحول في قطاع الطاقة والاستثمارات الأمريكية
- اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية بصورة متزايدة على الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية لبناء شراكاتها مع حكومات الساحل لكن الأكثر إثارة هو ما تكشفه التقارير من نقاشات داخلية أمريكية حادة حول التدخل المباشر.
في حال الموافقة، ستصبح مالي ثاني دولة أفريقية تستهدفها الضربات العسكرية الأمريكية في غضون شهرين فقط بعد نيجيريا مما يُشير إلى استراتيجية أمريكية أكثر حزماً للتدخل العسكري تحت شعارها التقليدي “مكافحة الإرهاب في القارة السمراء”.
غير أن مسار هذه العودة لا يخلو من عقبات؛ فقد أحدثت نوايا إدارة ترامب بشن ضربات
عسكرية محتملة قلقاً في أوساط أعضاء الكونغرس من المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الروس.
انه الخوف من تحوّل مالي إلى ساحة للتصادم الأمريكي الروسي ليس وهماً نظرياً، بل احتمال حقيقي يحسب له المسؤولون الأمريكيون حساباتهم بعناية
وتهتم ايضا الحسابات الأمريكية بالبُعد الإقتصادي حيث انه لا يقل أهمية عن البعد الأمني وهي ثروات مالي المعدنية وارادة واشنطن بالاستثمار في معادن غرب أفريقيا الضرورية للطاقة النظيفة، في وقت يعاني فيه إنتاج الذهب المالي من تراجع حاد، إذ انخفض الإنتاج الصناعي إلى 42.2 طن في 2025 مقارنة بـ54.8 طن في 2024، وهو أقل بكثير من الرقم القياسي البالغ 66.5 طن الذي تحقق في 2023 .
في خضم هذا التشابك، يجد المجلس العسكري برئاسة عصاميغويتا نفسه في موقع بالغ الحرج: فمن جهة، يتشبث بخطاب السيادة الوطنية كأداة شرعية لا غنى عنها، وقد جسّده وزير الخارجية عبد الله ديوب حيث حرص الوزير على وضع ثلاثة شروط لأي شكل من أشكال التنسيق المستقبلي مع الولايات المتحدة، تتمثل:
- في عدم المساس بالسيادة الوطنية
- والتزام الطرف الآخر بقرارات مالي المستقلة، إضافة إلى ضرورة مراعاة مصالح المواطنين
- وأوضح أن الأولوية القصوى لبلاده تظل مواجهة التنظيمات المسلحة والإرهابيةعبر الإمكانات الذاتية من استخبارات وقوات نظامية وأمنية، بعيدًا عن أي تدخل خارجي مباشر.
وهذا التوتر بين الخطاب والحاجة هو أعمق ما تعانيه باماكو اليوم، الذي أفسح المجال لتمدد المجموعات المتطرفة والإنفصالية، وهذا ما جعل المجلس العسكري يفكر في الإنفتاح أكثر واستئناف الشراكات الدولية والبحث عن دعم تقني ولوجستي لمجابهة المجموعة المتطرفة وكذلك الضغط الميداني يدفع باماكو نحو واشنطن رويدا رويدا رغم الخطاب السيادي الرسمي الذي جسده وزير الخارجية عبد الله ديوب.
الخلاصة:
ختاما عند قراءة كل هذه الأحداث تتضح صورة مالي في جويلية 2026 بوصفها ليست فقط دولة تواجه أزمة أمنية، بل ساحة اختبار حقيقية لمستقبل التنافس الدولي في القارة الإفريقية التي أصبحت محل تنافس شرس بين القوى العالمية المهيمنة والقوى العالمية الصاعدة.
فالنموذج الروسي الذي قام على مقايضة الأمن بالموارد يتصدع، فيما يحاول النموذج الأمريكي العائد إثبات أنه قادر على ما عجزت عنه موسكو، لكن العودة الأمريكية حذرة جدا والخوف يكمن في خطر التورط في مستنقع لا حافة له.
المحصلة الأكثر إلحاحاً هي أن مالي باتت أمام خيارات لا خيار فيها يخدم مصلحة الشعب المالي:
- لأن الإستمرار في الاعتماد على حليف روسي يتراجع ليس حلا دائما،
- أما خيار الانفتاح على الأمريكي الذي همه الوحيد سرقة الثروات وسرقة السيادة ولا تهمه سواء مصلحته ليس خيارا بل هو عملية إنتحارية وخيار قاتل ومميت ليس لمالي وحدها بل لكل المنطقة،
- اما الخيار الأصعب وهونهج الاكتفاء الذاتي والإعتماد على الذات والقدرات الذاتية المالية فهو نهج طويل وصعب جدا ويتطلب صبرا ووقتا طويلا ووعيا شعبيا.
كل خيار يحمل ثمنه وأعباءه، والأسابيع المقبلة ستحدد إلى أي حد تستطيع باماكو أن تُحافظ على هامش المناورة بين هذه الخيارات المتعارضة، في زمن لم يعد فيه الحياد ترفاً متاحاً لمن تحترق أرضه.



