كير ستارمر.. كيف أطاحت به أخطاؤه؟

سمير الخالدي: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 25-06-2026
المفارقة أن ستارمر نفسه أشار في خطاب استقالته إلى فخره باستئصال “سُم معاداة السامية” من الحزب، وهو ما رآه كثيرون على اليسار نوعا من الردّ الضمني على منتقديه في ملف غزة.
المفارقة أن ستارمر نفسه أشار في خطاب استقالته إلى فخره باستئصال “سُم معاداة السامية” من الحزب، وهو ما رآه كثيرون على اليسار نوعا من الردّ الضمني على منتقديه في ملف غزة.
لم يكن مشهد كير ستارمر وهو يُعلن استقالته من أمام مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت مجرد نهاية مبكرة لرئيس وزراء بريطاني، بل كان لحظة سياسية كثيفة الدلالات لرجل وصل إلى السلطة قبل أقل من عامين حاملا وعدا كبيرا بإعادة الاستقرار إلى بريطانيا بعد سنوات من الاضطراب والانقسامات. لكن النهاية جاءت على النقيض تماما من البداية. فالرجل الذي قاد حزب العمال إلى ثاني أكبر انتصار انتخابي في تاريخه وجد نفسه مضطرا إلى الإعلان عن تنحيه تحت ضغط حزبه يوم الاثنين 22 يونيو 2026، فيما يبقى في منصبه بصفة تصريف أعمال حتى اختيار خلفه.
تبدو استقالة ستارمر للوهلة الأولى نتيجة مباشرة لتراجع شعبيته، لكنها في الواقع تمثل حصيلة تراكم طويل من الأخطاء السياسية وسوء التقدير الاستراتيجي والعجز عن بناء رواية سياسية متماسكة لحكومته. فخلال فترة حكمه القصيرة، بدا أن الحكومة تنتقل من أزمة إلى أخرى، ومن تراجع إلى آخر، حتى ترسخ لدى الرأي العام انطباع بأنها حكومة تفتقر إلى الاتجاه الواضح.
الأخطاء الاقتصادية والاجتماعية
منذ الأسابيع الأولى لوصول حزب العمال إلى السلطة بدأت المؤشرات السلبية بالظهور. فقد أثار قرار تقليص دعم التدفئة الشتوية للمتقاعدين غضبا واسعا في الشارع البريطاني، ليس فقط بسبب تأثيره المباشر على فئة حساسة اجتماعيا، بل لأنه جاء من حكومة رفعت خلال حملتها الانتخابية شعارات العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الضعيفة. ورغم التراجع لاحقا عن القرار، فإن الضرر السياسي كان قد وقع بالفعل.
لعل أشد الملفات التي استنزفت رصيد ستارمر السياسي كانت موقفه من الحرب على غزة. فمنذ الأيام الأولى للصراع عقب أكتوبر 2023، اتخذ ستارمر مواقف وصفها المنتقدون بأنها منحازة للجانب الإسرائيلي، وأثارت جدلا واسعا داخل حزب العمال وفي أوساط الجاليات العربية والمسلمة في بريطانيا.ولم يتوقف الأمر عند ذلك. فقد تعرضت الحكومة لسلسلة من الانتقادات بسبب رفع اشتراكات التأمين الوطني على أصحاب العمل، في خطوة رأى كثيرون أنها تتعارض مع تعهدات انتخابية سابقة. كما شهدت سياسة إصلاح الرعاية الاجتماعية موجة من الاعتراضات من داخل الحزب وخارجه. ومع مرور الوقت بدأت صورة الحكومة تتشكل في أذهان الناخبين باعتبارها حكومة تتراجع عن وعودها أكثر مما تنفذها.
ملف غزة.. الجرح النازف
لعل أشد الملفات التي استنزفت رصيد ستارمر السياسي كانت موقفه من الحرب على غزة. فمنذ الأيام الأولى للصراع عقب أكتوبر 2023، اتخذ ستارمر مواقف وصفها المنتقدون بأنها منحازة للجانب الإسرائيلي، وأثارت جدلا واسعا داخل حزب العمال وفي أوساط الجاليات العربية والمسلمة في بريطانيا.
وقد أفضت هذه المواقف إلى موجة استقالات متتالية من صفوف الحزب؛ إذ انسحب عدد من المستشارين المحليين والقيادات الميدانية احتجاجا على ما وصفوه بـ”دعم ستارمر للعقاب الجماعي للفلسطينيين”. وذهب بعضهم إلى حد اتهامه بتمكين ارتكاب جرائم حرب، في حين غدت مناطق ذات كثافة مسلمة عالية كبعض دوائر مانشستر وبيرمنغهام وبرادفورد ساحة احتجاج صريح على سياسات الحكومة.
ولم تقتصر التداعيات على القاعدة الشعبية فحسب، بل امتدت إلى داخل المجموعة البرلمانية. فقد طالب عدد من نواب العمال بمراجعة الموقف من غزة وفرض قيود على صفقات الأسلحة مع إسرائيل، فيما أبدى ناشطون في الجناح اليساري سخطهم العلني على استمرار الحكومة في تبرير العمليات العسكرية الإسرائيلية. وقد تجلى هذا الغضب في نتائج الانتخابات المحلية، حيث أفاد ناخبون من مناطق متعددة بأن موقف الحكومة من غزة كان عاملا مؤثرا في تصويتهم ضد حزب العمال.
والمفارقة أن ستارمر نفسه أشار في خطاب استقالته إلى فخره باستئصال “سُم معاداة السامية” من الحزب، وهو ما رآه كثيرون على اليسار نوعا من الردّ الضمني على منتقديه في ملف غزة. غير أن هذا الخطاب لم يُقنع القطاعات الشعبية التي رأت في صمت الحكومة أو تأخرها في المطالبة بوقف إطلاق النار تواطؤا غير مقبول.
أزمة القيادة والفضائح السياسية
لكن الأزمة الأعمق لم تكن اقتصادية أو خارجية فقط، بل كانت أزمة قيادة. فقد اتهم كثير من المراقبين ستارمر بأنه وصل إلى السلطة من دون مشروع سياسي واضح المعالم. كان يمتلك صورة المدير الكفؤ والمحامي الهادئ والقادر على إدارة الدولة، لكنه لم يمتلك الرؤية السياسية الكبرى التي تفسر للناخبين طبيعة التغيير الذي يريد تحقيقه.
ومع تراجع الثقة الشعبية، جاءت الفضائح السياسية لتزيد من تعقيد المشهد. فقد ألحقت قضايا الهدايا والتبرعات أضرارا بصورة النزاهة التي سعى ستارمر إلى ترسيخها. ثم جاءت أزمة تعيين بيتر ماندلسون سفيرا في واشنطن، وما أُثير حول علاقاته السابقة بجيفري إبستين بعد الإفراج عن وثائق إبستين في سبتمبر 2025، لتمنح المعارضة مادة سياسية دسمة. وقد تحمّل رئيس مكتب ستارمر مورغان ماكسويني المسؤولية واستقال في فبراير 2026. فضلا عن ذلك، استقال وزير الدفاع جون هيلي في يونيو 2026 احتجاجا على ما وصفه بعدم كفاية ميزانية الدفاع.
الانهيار الانتخابي وضغط البرلمانيين
جاءت الضربة الأكثر إيلاما من صناديق الاقتراع. فالهزيمة القاسية في الانتخابات المحلية لربيع 2026، التي خسر فيها حزب العمال أكثر من 1400 مقعد وفقد السيطرة على ويلز، دفعت عددا متزايدا من النواب إلى التشكيك في قدرة ستارمر على قيادة الحزب. وبحلول منتصف مايو 2026، طالب أكثر من 95 نائبا عماليا باستقالته أو تحديد جدول زمني للرحيل، فيما استقال وزير الصحة وس ستريتينغ وعدد من المسؤولين الأقل رتبة في احتجاج علني.
يتمتع برنهام بخبرة سياسية طويلة تعود إلى سنوات حكم توني بلير وغوردن براون، كما أنه نجح خلال سنواته في رئاسة بلدية مانشستر الكبرى في بناء صورة السياسي القريب من هموم الناس والقادر على مخاطبة الطبقات العاملة. ويمثل توجهاً أقرب إلى يسار الوسط التقليدي، وهو ليس من الجناح الراديكالي للحزب، لكنه في الوقت نفسه أكثر ميلاً إلى الخطاب الاجتماعي من ستارمر.وعندما بدأت استطلاعات الرأي تُظهر تقدم حزب الإصلاح بزعامة نايجل فاراج، وتنامي حزب الخضر الذي استقطب كثيرا من الناخبين التقدميين الساخطين على موقف الحكومة من غزة، تحوّل القلق إلى حالة ذعر داخل صفوف العمال. في الأنظمة البرلمانية لا يسقط الزعماء عادة حين يفقدون ثقة الناخبين فقط، بل حين يفقدون ثقة نوابهم. وهذا ما حدث مع ستارمر.
آندي برنهام.. الرهان على مرحلة جديدة
في هذا السياق برز اسم آندي برنهام باعتباره الشخصية القادرة على قيادة مرحلة ما بعد ستارمر. فبعد أن تخلى زميله البرلماني جوش سايمونز عن مقعده في ماكرسفيلد لإتاحة الطريق أمامه، خاض برنهام الانتخاب الفرعي وفاز بنسبة 54.8% في 18 يونيو 2026، هازماً حزب الإصلاح في دائرة كانت قد اكتسحها ذلك الحزب في الانتخابات المحلية قبل أسابيع.
ويتمتع برنهام بخبرة سياسية طويلة تعود إلى سنوات حكم توني بلير وغوردن براون، كما أنه نجح خلال سنواته في رئاسة بلدية مانشستر الكبرى في بناء صورة السياسي القريب من هموم الناس والقادر على مخاطبة الطبقات العاملة. ويمثل توجهاً أقرب إلى يسار الوسط التقليدي، وهو ليس من الجناح الراديكالي للحزب، لكنه في الوقت نفسه أكثر ميلاً إلى الخطاب الاجتماعي من ستارمر.
أما في ملف غزة، فإن برنهام أبدى مواقف أكثر توازنا نسبيا، إذ نادى بوقف إطلاق النار في مرحلة مبكرة، وإن كان قد أحجم عن وصف العمليات الإسرائيلية بالإبادة الجماعية. ويرى مؤيدوه أن هذا التوجه قد يُمكّنه من استعادة أصوات الجاليات التي نفّرها موقف ستارمر، دون أن يُفقده ثقة الجناح الأكثر اعتدالا في الحزب.
ليس مجرد تغيير قيادة
في المحصلة، لا تمثل استقالة كير ستارمر مجرد نهاية زعيم سياسي، بل تعكس أزمة أعمق تتعلق بهوية حزب العمال واتجاهه المستقبلي. فقد واجهت الحكومة ضغوطا من يمينها بسبب سياسات الهجرة والضرائب، ومن يسارها بسبب ملف غزة وإصلاح الرعاية الاجتماعية، فوجدت نفسها في النهاية بلا قاعدة متماسكة تستند إليها.
أما آندي برنهام، فإن نجاحه المحتمل لن يُقاس بقدرته على الفوز بزعامة الحزب فحسب، بل بقدرته على الإجابة عن السؤال الذي عجز ستارمر عن الإجابة عنه: ما المشروع الذي يريد حزب العمال أن يقدمه لبريطانيا في السنوات المقبلة؟ وهل يستطيع برنهام أن يجمع في آن واحد بين استعادة الناخبين الذين سُرقوا من حزب العمال يمينا لصالح الإصلاح، وأولئك الذين مالوا يسارا نحو الخضر بسبب ملف غزة؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد ما إذا كانت استقالة ستارمر ستكون مجرد تغيير في القيادة، أم بداية مرحلة جديدة في السياسة البريطانية.
*********************
المصدر: عربي21



