حين تتحدى القوةُ القانون: العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية وأزمة الحوكمة العالمية

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الامنية والعسكرية 10-10-2026
مقدمة: من استهداف مؤسسة قضائية إلى اختبار النظام الدولي
لا تكمن أهمية العقوبات الأمريكية التي أُعلنت في 9 أكتوبر 2026 ضد المحكمة الجنائية الدولية في أثرها المالي والإداري المحتمل فحسب، بل في السؤال السياسي والقانوني الذي تطرحه بشأن حدود القوة داخل النظام الدولي:
هل تظل القواعد والمؤسسات الدولية قادرة على ممارسة دورها عندما تتعارض قراراتها مع مصالح دولة كبرى، أم تصبح عرضة للضغط كلما اقتربت المساءلة من دوائر النفوذ؟
يمثل القرار تصعيدًا جديدًا في المواجهة بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والمحكمة الجنائية الدولية، بعد إجراءات أمريكية سابقة استهدفت قضاة ومدعين عامين في المحكمة. وتقول واشنطن إن تحركها مرتبط برفضها اختصاص المحكمة في قضايا تمس مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، بينما ترى المحكمة أن استهدافها يهدد استقلال مؤسسة قضائية دولية أنشئت بموجب معاهدة وتتولى التحقيق في أخطر الجرائم الدولية.
غير أن حصر القضية في الخلاف الأمريكي مع المحكمة يُغفل بعدها الأوسع. فالمسألة تتصل بمستقبل الحوكمة العالمية، وبالتوازن بين سيادة الدول والالتزامات القانونية الدولية، وبمدى قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على الاحتفاظ باستقلالها عندما تواجه ضغوطًا صادرة عن قوى تمتلك أدوات مالية وسياسية تتجاوز حدودها الوطنية.
ومن هنا تنطلق الإشكالية الأساسية:
هل تعكس العقوبات الأمريكية خلافًا قانونيًا وسياسيًا محددًا حول اختصاص المحكمة، أم تكشف عن أزمة أعمق في نظام دولي يعلن المساواة أمام القانون، بينما تظل القدرة على التأثير في تطبيقه موزعة بصورة غير متكافئة؟
ماذا تعني العقوبات الأمريكية، وما الذي تستهدفه؟
يمثل إعلان 9 أكتوبر انتقالًا من استهداف أفراد مرتبطين بالمحكمة إلى استهداف المؤسسة نفسها. ووفق البيان الصادر عن المحكمة، جاءت هذه الخطوة بعد سلسلة من الإجراءات الأمريكية التي طالت ثلاثة عشر قاضيًا ومدعيًا سابقًا وحاليًا، في إطار تصعيد يستهدف الحد من قدرة المحكمة على ممارسة مهامها.
وتستند العقوبات الأمريكية إلى إطار قانوني تنفيذي وتشريعي خاص، من بين عناصره الأمر التنفيذي رقم 14203 الصادر في فبراير 2025، وقانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية، واللوائح التي تديرها وزارة الخزانة الأمريكية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وتتيح هذه المنظومة فرض قيود على معاملات وأصول وأطراف تقع ضمن نطاق الاختصاص الأمريكي، وفق الشروط القانونية ذات الصلة.
وتكمن أهمية هذه الآليات في أن تأثيرها المحتمل لا يقتصر على الحسابات أو التعاملات المباشرة للمحكمة؛ إذ يمكن أن يمتد إلى الشركات ومقدمي الخدمات والجهات التي تتعامل معها، إذا كانت تلك التعاملات تدخل ضمن نطاق الحظر الأمريكي. ومن ثم، قد تجد مؤسسات خاصة نفسها أمام مفاضلة معقدة بين استمرار علاقاتها مع المحكمة وبين مخاطر التعرض لعقوبات أمريكية.
وهنا تظهر إحدى أدوات النفوذ المعاصر: لا تحتاج الدولة إلى ممارسة ضغط مباشر على كل جهة تتعامل مع المؤسسة المستهدفة، إذا كان بوسعها استخدام موقعها في النظام المالي والتجاري والتكنولوجي لدفع أطراف أخرى إلى إعادة تقييم علاقاتها بها. وقد ينشأ عن ذلك أثر يتجاوز الحدود القانونية المباشرة للعقوبات، نتيجة الحذر المفرط لدى بعض المؤسسات والشركات.
لكن من الضروري التمييز بين القدرة المحتملة على إحداث هذا الأثر وبين إثبات وقوعه فعليًا. فالإعلان عن العقوبات لا يكفي وحده للقول إن المحكمة فقدت خدماتها الأساسية أو توقفت برامجها، كما أن نطاق القيود والاستثناءات المقررة قانونيًا يؤثر في تقدير النتائج الفعلية.
وقد أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية بالتزامن أربعة تراخيص عامة، تتناول فئات محددة من المعاملات المرتبطة بعمليات المحكمة، والاتصالات والبرمجيات المؤسسية، ومدفوعات التقاعد، وبعض الخدمات المتعلقة بأشخاص محتجزين. ويعني ذلك أن النظام المعلن ليس حظرًا مطلقًا على كل معاملة ممكنة، بل منظومة عقوبات تتضمن استثناءات محددة ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقدير نطاقها.
وعليه، فإن التحدي لا يتمثل في إعلان العقوبات وحده، بل في كيفية تطبيقها، وفي مدى استعداد الجهات الاقتصادية والتقنية للتعامل مع الاستثناءات المقررة بدل الانسحاب الواسع من أي علاقة بالمحكمة خشية التعرض للمساءلة الأمريكية.
جوهر الخلاف السيادة الوطنية أم المساءلة الدولية؟
تستند الحجة الأمريكية إلى رفض خضوع مواطنين ومسؤولين أمريكيين لولاية محكمة لا تُعد الولايات المتحدة دولة طرفًا في نظام روما الأساسي المنشئ لها. كما تعارض واشنطن الإجراءات المتعلقة بمسؤولين إسرائيليين، معتبرة أن المحكمة تتجاوز حدود اختصاصها.
وفي المقابل، لا يعني عدم انضمام دولة إلى نظام روما تلقائيًا أن المحكمة لا يمكن أن تمارس أي اختصاص في قضايا تتصل بها؛ إذ يتحدد الاختصاص وفق أحكام النظام الأساسي والظروف القانونية لكل حالة، بما في ذلك الأساس الإقليمي أو غيره من الأسس التي يقرها القانون المنطبق.
وتبرز هذه المسألة في الحالة الفلسطينية. ففي 21 نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات تتصل بجرائم تدخل ضمن اختصاصها. وهذه المذكرات ليست أحكام إدانة نهائية، بل إجراءات قضائية تستند إلى تقييم قضائي للمعطيات المتاحة في تلك المرحلة. كما رفضت المحكمة اعتراضات إسرائيل على اختصاصها في تلك المرحلة من الإجراءات.
ومن الناحية القانونية، ينبغي عدم اختزال هذا الخلاف في معادلة مبسطة تقول إن المحكمة تملك اختصاصًا مطلقًا على الجميع، أو إن عدم انضمام الولايات المتحدة وإسرائيل إلى نظام روما يحسم المسألة لمصلحتهما. فاختصاص المحكمة مسألة قانونية تتطلب فحصًا دقيقًا لنصوص النظام الأساسي، وطبيعة الجريمة، ومكان وقوعها، والأسس التي تستند إليها المحكمة.
ومع ذلك، فإن الخلاف حول الاختصاص لا يحسم تلقائيًا مشروعية كل وسيلة تستخدمها دولة للاعتراض على المحكمة. فهناك فرق بين الطعن في قرار قضائي، أو منازعة الاختصاص عبر الوسائل القانونية المتاحة، وبين استخدام أدوات الضغط الاقتصادي لاستهداف المؤسسة التي تصدر القرارات.
وهذا الفرق هو أحد مفاتيح فهم الأزمة: الاعتراض على اختصاص محكمة دولية مسألة قانونية قابلة للنقاش، أما محاولة التأثير في قدرتها على أداء مهامها فتفتح سؤالًا إضافيًا حول استقلال القضاء الدولي وحدود الضغط السياسي عليه.
القوة الاقتصادية بوصفها أداة للتأثير في العدالة الدولية
تتمتع الولايات المتحدة بموقع مؤثر في النظام المالي العالمي، وبحضور واسع لشركاتها وتقنياتها وخدماتها في قطاعات متعددة. ولذلك، يمكن للعقوبات الأمريكية أن تُحدث آثارًا تتجاوز الجهات الخاضعة مباشرة للقانون الأمريكي، خصوصًا عندما ترتبط المعاملات بعملات أو مؤسسات مالية أو خدمات تقنية تقع ضمن نطاق الاختصاص الأمريكي.
وفي حالة المحكمة الجنائية الدولية، يكتسب هذا العامل أهمية خاصة؛ لأن أداء المؤسسة لا يعتمد على قرارات القضاة والمدعين وحدها، بل يتطلب بنية تشغيلية متكاملة تشمل الموظفين، والاتصالات، والخدمات الرقمية، والتأمين، والمدفوعات، والتعاون مع الدول والجهات الشريكة.
وإذا أدت المخاطر القانونية أو المالية إلى امتناع بعض مقدمي الخدمات عن التعامل مع المحكمة حتى في الحالات التي تسمح بها التراخيص، فقد تتعرض المؤسسة لما يُعرف عمليًا بالتوسع الاحترازي في الامتثال: أي أن تتجاوز الجهات المعنية حدود الحظر الفعلي خوفًا من ارتكاب مخالفة أو خسارة الوصول إلى السوق الأمريكية.
لكن هذا الاحتمال لا ينبغي عرضه بوصفه نتيجة مؤكدة أو أثرًا تحقق بالفعل. فتقدير حجم الضرر يتطلب متابعة القرارات التي تتخذها المؤسسات المالية ومقدمو الخدمات، ومدى استمرار التعاون الدولي، وأي بيانات موثوقة بشأن تعطل عمليات المحكمة أو ارتفاع تكاليفها.
وتتضح هنا المفارقة الاستراتيجية: قد تظل المؤسسة قائمة من الناحية القانونية، وتحتفظ باختصاصاتها الرسمية، بينما تواجه صعوبات تشغيلية إذا تقلصت قدرتها على الوصول إلى الخدمات والموارد اللازمة. وبذلك، لا يكون الضغط بالضرورة إلغاءً مباشرًا للمؤسسة، بل محاولة لتقييد المجال الذي تستطيع التحرك داخله.
وهذا ما يجعل القضية أوسع من خلاف دبلوماسي؛ فهي تثير تساؤلًا بشأن قدرة المؤسسات الدولية على ممارسة وظائفها بصورة مستقلة عندما يعتمد جزء من بيئتها التشغيلية على شبكات اقتصادية تملك دولة بعينها نفوذًا كبيرًا فيها.
ازدواجية المعايير وأزمة المصداقية
لا تنشأ أزمة الحوكمة العالمية من وجود خلاف بين دولة ومؤسسة دولية في حد ذاته. فالخلافات حول الاختصاص، وتفسير المعاهدات، وحدود السيادة، ومشروعية الإجراءات القضائية جزء من طبيعة النظام الدولي. لكن الأزمة تتعمق عندما يبدو أن الالتزام بالقواعد الدولية يتغير تبعًا لهوية الأطراف المعنية، أو عندما تتعامل الدول مع المساءلة بوصفها مقبولة في حالات ومرفوضة في حالات أخرى لأسباب سياسية.
ويُطرح هذا السؤال بقوة عندما تدافع دولة عن مبدأ سيادة القانون في ملفات معينة، بينما تستخدم أدوات الضغط ضد مؤسسة قضائية حين تصل إجراءاتها إلى ملفات تمس مصالحها أو مصالح حلفائها. ولا يكفي إثبات وجود هذا التناقض في خطاب سياسي لإثبات أن كل اعتراض قانوني صادر عن تلك الدولة غير مشروع؛ لكن التناقض بين الدعوة إلى المساءلة ورفضها عندما تقترب من أطراف محمية سياسيًا يستحق الفحص والنقد.
وتتجاوز المشكلة هنا الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية. فكلما ارتبط تطبيق القواعد الدولية بميزان القوة أكثر من ارتباطه بمعايير قانونية قابلة للتطبيق على الجميع، تراجعت الثقة في حياد المؤسسات متعددة الأطراف، وازداد الاعتقاد بأن النظام الدولي لا يوفر المساءلة بالقدر نفسه لجميع الأطراف.
وهذا لا يعني أن القانون الدولي يُطبق بصورة متساوية في جميع الحالات، أو أن المحكمة الجنائية الدولية خالية من مواطن القصور أو النقد. فالانتقادات المتعلقة بانتقائية العدالة، وبالتفاوت في القدرة على تنفيذ مذكرات التوقيف، وباعتماد المحكمة على تعاون الدول، تظل مشروعة وتستحق المعالجة. غير أن إصلاح هذه الاختلالات يختلف عن تقليص استقلال المؤسسة عبر الضغط الاقتصادي والسياسي.
وبعبارة أخرى، لا تُقاس مصداقية النظام القانوني الدولي بغياب الخلافات، بل بقدرته على معالجة هذه الخلافات ضمن قواعد معلومة، بدل تحويل النفوذ السياسي والاقتصادي إلى وسيلة تحدد عمليًا من يمكن إخضاعه للمساءلة ومن يمكن تحصينه منها.
من أزمة المحكمة إلى أزمة الحوكمة العالمية
تُعد الحوكمة العالمية إطارًا لتنظيم المصالح المشتركة وإدارة النزاعات والتحديات العابرة للحدود عبر المؤسسات والقواعد وآليات التعاون الدولي. وهي لا تعني وجود حكومة عالمية واحدة تملك سلطة تنفيذية فوق الدول، بل تعتمد على اتفاقات ومؤسسات والتزامات متبادلة، مع بقاء قدر كبير من التنفيذ مرهونًا بإرادة الدول وتعاونها.
ومن هنا، فإن ضعف إحدى المؤسسات الدولية لا يؤدي تلقائيًا إلى انهيار النظام الدولي، لكنه قد يكشف عن خلل في التوازن بين القواعد الرسمية ومصادر القوة الفعلية.
وتقدم العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية مثالًا واضحًا على هذا التوتر. فالمحكمة تستمد ولايتها من نظام روما الأساسي ومن الدول الأطراف فيه، لكنها لا تمتلك جهازًا تنفيذيًا مستقلًا يمكّنها من تجاوز رفض الدول التعاون معها أو تحييد جميع الضغوط الاقتصادية التي قد تواجهها. ويعني ذلك أن استقلالها القانوني لا يضمن وحده استقلالها العملي في كل الظروف.
وتظهر الإشكالية الاستراتيجية في ثلاثة مستويات مترابطة:
1- أولًا، مستوى الشرعية القانونية: هل تستطيع المؤسسات الدولية الاستمرار في تطبيق قواعدها عندما ترفض قوة كبرى قراراتها، أم تصبح قراراتها عرضة للتعطيل كلما اصطدمت بمصالح دولة نافذة؟
2- ثانيًا، مستوى القدرة التشغيلية: هل تستطيع المحكمة الحفاظ على خدماتها وتمويلها وشبكات التعاون اللازمة لأداء مهامها، أم يمكن للضغط المالي والتقني أن يضيّق هامش حركتها حتى من دون إلغاء اختصاصاتها رسميًا؟
3- ثالثًا، مستوى الثقة الدولية: إذا اعتقدت دول أو مجتمعات أن قواعد المساءلة لا تُطبق إلا عندما تسمح بذلك موازين القوة، فهل ستواصل النظر إلى المؤسسات الدولية باعتبارها إطارًا مشتركًا، أم ستتجه إلى التعامل معها بوصفها أدوات تتأثر بالاصطفافات السياسية؟
وتكمن خطورة هذا المسار في احتمال اتساع الفجوة بين المساواة القانونية المعلنة للدول والتفاوت الفعلي في قدرتها على التأثير في المؤسسات الدولية. فالقواعد قد تكون واحدة في نصوصها، لكن قدرة الأطراف على تحمل كلفة مخالفتها أو الضغط على الجهات التي تطبقها ليست متساوية.
ومع ذلك، لا يصح الاستنتاج أن الحوكمة العالمية انهارت أو أن العقوبات ستحقق بالضرورة شلّ المحكمة. فالنظام الدولي يتضمن أيضًا عوامل مقاومة، من بينها التزامات الدول الأطراف، والتعاون القضائي، والتدابير القانونية المضادة، والقدرة على البحث عن بدائل تشغيلية ومالية. وتبقى النتيجة مرهونة بمدى تحول الدعم السياسي المعلن إلى إجراءات عملية.
ردود الفعل الدولية تضامن معلن واختبار للقدرة على المواجهة
أظهرت ردود الفعل الأولية أن القرار الأمريكي لا يمر من دون اعتراض من عدد من حلفاء واشنطن وشركائها. ففي 9 أكتوبر، أصدرت كندا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وهولندا والمملكة المتحدة بيانًا مشتركًا أكد دعم استقلال المحكمة ونزاهتها، وأعرب عن رفض العقوبات الأمريكية والتحذير من تأثيرها المحتمل في عمل المحكمة وموظفيها وأسرهم.
كما عبّر مسؤولون في الأمم المتحدة عن قلقهم من أثر الإجراءات في قدرة المحكمة على أداء مهامها، ودعت أصوات دولية إلى اتخاذ خطوات لحماية استقلالها واستمرار عملها.
وتكتسب هذه المواقف أهميتها من كون بعض الدول الموقعة على البيان حليفة للولايات المتحدة، وتربطها بها مصالح أمنية واقتصادية واسعة. ولذلك، فإن اعتراضها يشير إلى أن الخلاف لا يقتصر على مواجهة بين واشنطن وخصومها، بل يمس أيضًا تصور بعض الشركاء الغربيين لطبيعة النظام القانوني متعدد الأطراف.
لكن البيانات السياسية، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لتغيير موازين الضغط. فالمعيار الحقيقي سيكون مدى استعداد هذه الدول إلى تحويل التضامن إلى تدابير عملية تضمن استمرار الخدمات والتمويل والتعاون مع المحكمة، وتحد من الآثار غير المباشرة للعقوبات.
وتشمل المسارات الممكنة تعزيز التنسيق بين الدول الأطراف، وتوفير بدائل للخدمات التي قد تتأثر، وتقديم إرشادات قانونية واضحة للجهات التي تتعامل مع المحكمة، والبحث في التدابير التي يمكن اتخاذها لحماية المعاملات المسموح بها قانونًا. أما اعتبار أي آلية أوروبية، مثل توسيع نطاق قانون الحجب، إجراءً نافذًا بالفعل فيتطلب تأكيدًا رسميًا على اتخاذه، لا الاكتفاء بطرح الفكرة أو مناقشتها.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للدول الداعمة للمحكمة ليس فقط إعلان رفض العقوبات، بل قدرتها على منع تحول ذلك الرفض إلى موقف رمزي لا يغير الظروف العملية التي تعمل فيها المؤسسة.
هل تستطيع المحكمة تجاوز الضغط؟ حدود العقوبات وإمكانات المواجهة
لا يمكن تحديد الأثر النهائي للعقوبات من خلال الإعلان عنها وحده. فذلك يتطلب متابعة مسار التنفيذ، ومدى التزام المؤسسات المالية والتقنية بها، وقدرة المحكمة على الاستفادة من التراخيص العامة، واستعداد الدول الأطراف لتوفير بدائل عملية.
وتوجد عدة عوامل قد تحد من أثر الإجراءات الأمريكية:
1- أولها أن المحكمة تحظى بإطار تعاهدي تدعمه 125 دولة طرفًا، وهو ما يوفر قاعدة سياسية وقانونية واسعة لمساندة استمرارها، وإن كان لا يضمن تلقائيًا تعاون جميع الدول أو توافر الموارد المطلوبة في كل الظروف.
2- وثانيها أن العقوبات تتضمن تراخيص واستثناءات محددة، الأمر الذي يتيح استمرار فئات من المعاملات ضمن الشروط الواردة في تلك التراخيص. غير أن وجود الاستثناءات لا يلغي احتمال تردد بعض الجهات الخاصة في التعامل مع المحكمة بسبب مخاطر الامتثال أو عدم وضوح الحدود القانونية.
3- ثالثها قدرة الدول الأطراف على التنسيق في مجالات التمويل والخدمات والتعاون القضائي، وعلى تقديم توجيهات واضحة لمؤسساتها والجهات الخاصة العاملة ضمن اختصاصها. فالتضامن السياسي يكتسب قيمة أكبر عندما يُترجم إلى ترتيبات تشغيلية قابلة للتنفيذ.
وفي المقابل، قد تواجه المحكمة تحديات إذا اتسع نطاق الانسحاب الاحترازي من التعامل معها، أو إذا تأثرت علاقاتها بمقدمي الخدمات أو الشركاء، أو إذا ارتفعت الكلفة الإدارية والمالية اللازمة للحفاظ على عملياتها. وهذه مخاطر ينبغي رصدها، لكنها لا يجوز أن تتحول إلى نتائج مؤكدة قبل ظهور أدلة عليها.
ومن ثم، فإن السؤال ليس ما إذا كانت المحكمة ستختفي بفعل العقوبات، بل ما إذا كانت ستستطيع الحفاظ على استقلالها وفاعليتها من دون أن تصبح كلفة ممارسة اختصاصاتها مرتفعة إلى حد يحد من قدرتها على أداء مهامها.
الغطرسة السياسية ومنطق الهيمنة بين التوصيف الأخلاقي والتقييم الاستراتيجي
يثير القرار نقاشًا حول العلاقة بين القوة والمسؤولية، وحول ما إذا كانت الدولة التي تمتلك نفوذًا اقتصاديًا وعسكريًا واسعًا تقبل بالقيود القانونية ذاتها التي تدعو الآخرين إلى احترامها.
وقد يُوصف هذا السلوك سياسيًا بأنه تعبير عن الغطرسة أو منطق الهيمنة الأحادية، خصوصًا عندما تستخدم أدوات النفوذ الاقتصادي للضغط على مؤسسة قضائية مستقلة بسبب قرارات لا تحظى بقبول الدولة المعنية. لكن من المهم التمييز بين هذا التوصيف السياسي وبين الحكم القانوني؛ فمصطلح “الغطرسة” يعبر عن تقييم نقدي للسلوك، ولا يشكل في ذاته إثباتًا قانونيًا لمخالفة محددة.
أما التحليل الاستراتيجي، فيركز على ما تكشفه هذه الحالة من تفاوت بين الدول في القدرة على التأثير في القواعد الدولية. فالدولة التي تملك موقعًا مركزيًا في التمويل والتكنولوجيا والتجارة تستطيع ممارسة ضغط لا يتوافر بالقدر نفسه لدول أخرى، وهو ما قد يخلق تفاوتًا بين الأطراف حتى عندما تخضع نظريًا لمنظومة قانونية مشتركة.
وتتعمق المفارقة عندما تتذرع الدولة بحماية سيادتها الوطنية، بينما تثير أدواتها الاقتصادية آثارًا تتجاوز حدودها لتطال مؤسسة دولية أنشأتها مجموعة واسعة من الدول بموجب معاهدة. فالدفاع عن السيادة لا يحسم وحده مسألة حدود النفوذ المشروع، كما أن استقلال المؤسسات الدولية لا يعفيها من الالتزام بالقانون أو من إمكان مراجعة قراراتها وفق الإجراءات المعتمدة.
والنتيجة أن القضية لا تتعلق بإثبات أن الولايات المتحدة ترفض القانون الدولي في كل المجالات، ولا بأن المحكمة تتمتع بصواب مطلق؛ بل بفحص تناقض محدد بين الدعوة إلى نظام قائم على القواعد وبين استخدام أدوات القوة للضغط على مؤسسة تطبق قواعد قانونية في قضايا خلافية.
وهنا يكمن البعد الأعمق: عندما تتحول القوة من وسيلة لحماية المصالح ضمن القواعد إلى أداة لتحديد حدود المساءلة نفسها، تصبح الحوكمة العالمية معرضة لفقدان جزء من مصداقيتها، حتى إذا استمرت مؤسساتها رسميًا في العمل.
السيناريوهات المحتملة من الاحتواء إلى اتساع المواجهة
في ضوء المعطيات المتاحة، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية، من دون التعامل مع أي منها باعتباره نتيجة حتمية.
السيناريو الأول: احتواء الأزمة عبر التكيف والتعاون الدولي
قد تتمكن المحكمة والدول الأطراف من الحد من الآثار التشغيلية للعقوبات عبر الاستفادة من التراخيص القائمة، وتنظيم المعاملات المسموح بها، وتوفير بدائل لبعض الخدمات، وتعزيز التنسيق المالي والقانوني. وفي هذه الحالة، قد يستمر الضغط الأمريكي، لكن أثره العملي سيكون أقل من الأهداف المعلنة أو المتوقعة.
السيناريو الثاني: ضغط تدريجي على القدرة التشغيلية للمحكمة
قد يؤدي اتساع الحذر لدى مقدمي الخدمات والمؤسسات المالية إلى رفع كلفة التعامل مع المحكمة أو إبطاء بعض عملياتها، حتى في الحالات التي تسمح بها التراخيص. وقد يظهر الأثر في صورة صعوبات إدارية وتقنية وتمويلية متفرقة، لا في توقف شامل وفوري. ويظل هذا السيناريو مرتبطًا بما ستكشفه الوقائع اللاحقة عن سلوك الجهات المتعاملة مع المحكمة.
السيناريو الثالث: اتساع المواجهة إلى خلاف أوسع حول الحوكمة العالمية
إذا اتجهت الدول الأطراف إلى إجراءات عملية مضادة، أو إذا ظهرت خلافات جديدة بشأن تنفيذ العقوبات وتداعياتها، فقد يتحول الملف إلى مواجهة أوسع حول استقلال المؤسسات الدولية وحدود استخدام النفوذ الاقتصادي. وقد يدفع ذلك دولًا إلى إعادة تقييم اعتمادها على بعض الخدمات المالية والتقنية، وإن كان لا يمكن الجزم بأن هذا سيؤدي إلى إعادة تشكيل النظام الدولي على نطاق واسع.
ولا تتحدد أهمية هذه السيناريوهات بتوقع المسار الأكثر إثارة، بل بمراقبة المؤشرات التي تسمح بالتمييز بينها: مدى استمرار عمل المحكمة، والقرارات التنفيذية للدول الداعمة لها، وأي اضطراب موثق في الخدمات أو التمويل، ومدى اتساع نطاق الإجراءات الأمريكية أو تعديلها.
الخلاصة: مستقبل القانون الدولي لا يتحدد بالنصوص وحدها
تكشف العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية عن أزمة تتجاوز العلاقة بين واشنطن ومؤسسة قضائية دولية. فهي تضع أمام النظام الدولي سؤالًا أساسيًا حول قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على أداء مهامها باستقلال عندما تتعارض قراراتها مع مصالح دولة تمتلك نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا واسعًا.
ولا يكفي في تقييم هذه الأزمة الاكتفاء بإدانة القرار أو الدفاع عن المحكمة بصورة مطلقة. فالتحليل الموضوعي يقتضي التمييز بين الخلاف القانوني بشأن الاختصاص، والاعتراض السياسي على قرارات قضائية، واستخدام أدوات اقتصادية قد تؤثر في قدرة المؤسسة على ممارسة مهامها. كما يقتضي عدم تجاهل أوجه القصور في العدالة الدولية، من دون اتخاذ تلك الأوجه ذريعة لتقويض استقلال القضاء أو الانتقاص من مبدأ المساءلة.
وتتمثل المفارقة المركزية في أن الحوكمة العالمية تحتاج إلى تعاون الدول، لكنها تواجه اختبارًا صعبًا عندما تستخدم إحدى القوى الكبرى أدوات نفوذها للضغط على مؤسسة دولية. فالقواعد لا تستطيع ضمان فاعليتها بالنصوص وحدها؛ بل تحتاج إلى إرادة سياسية تحمي استقلال المؤسسات، وإلى ترتيبات عملية تحول دون احتكار طرف واحد أدوات التأثير في عملها.
أما وصف ما يجري بأنه تعبير عن الغطرسة السياسية، فيكتسب قيمته التحليلية عندما يُربط بسلوك محدد: توظيف النفوذ الاقتصادي للضغط على مؤسسة قضائية بسبب ممارسة اختصاصاتها. لكنه لا يغني عن فحص الوقائع أو عن التمييز بين التقييم السياسي والاستنتاج القانوني.
وفي نهاية المطاف، لا يتوقف مستقبل المحكمة الجنائية الدولية على قرار أمريكي واحد، كما لا يتوقف مستقبل الحوكمة العالمية على مؤسسة منفردة. لكن الطريقة التي ستتعامل بها الدول مع هذه المواجهة ستكشف ما إذا كانت القواعد المشتركة قادرة على الصمود أمام تفاوت القوة، أم أن حدود المساءلة ستظل مرتبطة بقدرة الأطراف المعنية على فرض إرادتها.
فالسؤال الذي تطرحه هذه الأزمة ليس ما إذا كانت القوة ستظل عنصرًا مؤثرًا في العلاقات الدولية؛ فهذا أمر ثابت، بل ما إذا كان القانون سيبقى قادرًا على وضع حدود لاستخدام تلك القوة، أم ستتحول المؤسسات التي يفترض أن تجسد القواعد المشتركة إلى أطراف مطالبة بالدفاع عن حقها في العمل كلما تعارضت قراراتها مع مصالح الأقوياء.
وللحفاظ على الدقة، صيغت الآثار التشغيلية للعقوبات بوصفها مخاطر واحتمالات ما لم يتوافر ما يثبت وقوعها، كما جرى التمييز بين مذكرات التوقيف وأحكام الإدانة، وبين الاعتراض على اختصاص المحكمة والضغط على المؤسسة نفسها. وبما أن القرار صدر في 9 أكتوبر 2026، ينبغي إجراء تحديث أخير لردود الفعل والتطورات التنفيذية إذا لم يُنشر المقال مباشرة بعد هذه المراجعة.



