روبيو يهاجم منظمة العفو الدولية بعد اتهامات بارتكاب جرائم حرب في إيران

قسم الاخبار الدولية 09-10-2026
رفض وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الاتهامات التي وجهتها منظمة العفو الدولية إلى الولايات المتحدة بشأن احتمال ارتكاب جرائم حرب خلال العمليات العسكرية ضد إيران، واصفا المنظمة بأنها «خدعة»، وفق ما أوردته التصريحات المتداولة. ويأتي هذا الموقف في سياق تصاعد الخلاف بين الإدارة الأميركية ومنظمات حقوق الإنسان بشأن قانونية العمليات العسكرية، وحجم الأضرار التي لحقت بالمدنيين، ومدى التزام القوات الأميركية بقواعد القانون الدولي الإنساني.
وتستند انتقادات منظمة العفو الدولية إلى تحقيقات تناولت الغارات الأميركية والإسرائيلية على مناطق مكتظة بالسكان في العاصمة الإيرانية طهران خلال مارس 2026. ففي تقرير نشرته المنظمة في 8 سبتمبر الماضي، دعت إلى إجراء تحقيقات مستقلة ومحايدة في هجمات أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات المدنيين، مشيرة إلى أن طبيعة الأسلحة المستخدمة وموقع الأهداف وحجم الأضرار التي لحقت بالمباني المحيطة تثير مخاوف بشأن احترام مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، فضلا عن الالتزام باتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين. وأكدت المنظمة أن هذه الهجمات قد ترقى إلى جرائم حرب إذا أثبتت التحقيقات وقوع انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
ويعكس الخلاف بين روبيو والمنظمة مواجهة أوسع حول مسؤولية الدول عن العمليات العسكرية التي تنفذها خارج حدودها. فالإدارة الأميركية تقدم تدخلها العسكري في إطار أهداف أمنية واستراتيجية مرتبطة بإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، في حين تشدد المنظمات الحقوقية على أن الأهداف المعلنة لا تعفي القوات المسلحة من الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني. ويحظر هذا القانون الهجمات العشوائية والهجمات التي لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، كما يفرض اتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنب الأضرار المدنية أو الحد منها، بصرف النظر عن طبيعة الخصم أو مبررات استخدام القوة.
وتكتسب القضية أهمية خاصة في ظل الانتقادات التي أثارتها تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الإيرانية. وكانت منظمة العفو الدولية قد حذرت في مارس 2026 من أن تنفيذ هجمات واسعة على محطات الكهرباء والبنية التحتية المدنية قد يؤدي إلى أضرار إنسانية جسيمة، نظرا إلى ارتباط هذه المنشآت بتوفير المياه والخدمات الصحية والتدفئة وغيرها من الاحتياجات الأساسية للسكان. كما شددت على أن استخدام التهديدات العسكرية وسيلة للضغط السياسي لا يلغي الالتزامات القانونية المتعلقة بحماية المدنيين والأعيان المدنية.
ومن الناحية القانونية، لا يكفي وصف هجوم بأنه مدمر أو سقوط ضحايا مدنيين وحده للحسم بأنه يشكل جريمة حرب، إذ يتطلب ذلك فحص طبيعة الهدف العسكري والوسائل المستخدمة والمعلومات المتاحة للقادة العسكريين وقت الهجوم، ومدى التناسب بين الضرر المدني المتوقع والميزة العسكرية المباشرة والملموسة المرجوة، إلى جانب التحقق من الالتزام بالاحتياطات الواجبة. ولذلك فإن دعوة المنظمة إلى التحقيق لا تعني صدور حكم قضائي نهائي بإدانة الولايات المتحدة، لكنها تضع الوقائع الموثقة والادعاءات المتعلقة بالانتهاكات أمام الجهات المختصة للمراجعة والمساءلة.
ويثير هجوم روبيو على المنظمة بدوره تساؤلات بشأن العلاقة بين الحكومات والمؤسسات الحقوقية المستقلة، خصوصا عندما تتناول تقاريرها سلوك القوى الكبرى في النزاعات المسلحة. فالتشكيك في مصداقية جهة حقوقية لا يحسم وحده صحة الأدلة التي تقدمها، مثلما أن صدور اتهام عن منظمة دولية أو حقوقية لا يغني عن فحصه والتحقق منه. وتظل الشفافية في نشر المعلومات، وإتاحة الأدلة للتحقيق المستقل، والتعاون مع آليات المساءلة الدولية عناصر أساسية لتحديد المسؤوليات ومنع الإفلات من العقاب.
وفي المقابل، لا يقتصر تقييم الانتهاكات خلال الحرب على طرف واحد، إذ تخضع جميع أطراف النزاع، بما فيها إيران، لالتزامات القانون الدولي الإنساني عند تنفيذ العمليات العسكرية. وقد وثقت منظمة العفو الدولية بدورها هجمات إيرانية ألحقت أضرارا بالمدنيين والبنية التحتية في دول خليجية، ودعت إلى التحقيق في الهجمات التي قد تشكل جرائم حرب. غير أن مسؤولية أي طرف عن انتهاكات محتملة لا تلغي مسؤولية الأطراف الأخرى، ولا يمكن استخدام انتهاكات الخصم مبررا لخرق القواعد التي تحمي المدنيين.
وبذلك، يتجاوز الخلاف بين روبيو ومنظمة العفو الدولية حدود التراشق السياسي والإعلامي، ليطرح قضية جوهرية تتعلق بمدى خضوع العمليات العسكرية الأميركية للرقابة والمساءلة القانونية. وبينما ترفض واشنطن الاتهامات الموجهة إليها، تصر المنظمة على ضرورة التحقيق المستقل في الهجمات التي تسببت في أضرار مدنية واسعة. وستبقى المسألة مرتبطة بالأدلة والنتائج التي قد تتوصل إليها التحقيقات المختصة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حماية السكان المدنيين وضمان عدم تحول الاعتبارات العسكرية والسياسية إلى غطاء لتجاوز قواعد القانون الدولي.



