أخبار العالمأنشطة المركزبحوث ودراسات

العلاقات العربية الصينية: الآفاق والتحديات

الملخص

تمر العلاقات العربية الصينية بمرحلة مفصلية تستحق التوقف عندها بعمق، في ظل تحولات عميقة يشهدها النظام الدولي وما يترتب عليها من تداعيات جيوسياسية واقتصادية وأمنية. فما كان مجرد علاقات تجارية تقليدية تحول اليوم إلى شراكة استراتيجية شاملة، تعكس رغبة مشتركة في بناء نموذج جديد للتعاون الدولي يقوم على المنفعة المتبادلة والاحترام المتبادل للسيادات الوطنية. تستعرض هذه الورقة الآفاق الواعدة والتحديات القائمة في هذا المسار، في ضوء لحظة دولية تتسم بالسيولة والتعددية القطبية، وما تتيحه من فرص وما تفرضه من حسابات دقيقة. وتخلص الورقة إلى ضرورة اعتماد منهجية “التحوط الاستراتيجي”، والانتقال من العلاقات الثنائية المتفرقة إلى صياغة إستراتيجية عربية جماعية موحدة للتفاوض مع الصين ككتلة واحدة، خاصة في المجالات التكنولوجية والرقمية والفضائية.

مقدمة :

في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، تمر العلاقات العربية الصينية بمرحلة مفصلية تستحق التوقف عندها بعمق. فما كان مجرد علاقات تجارية تقليدية تحول اليوم إلى “شراكة استراتيجية شاملة”، تعكس رغبة مشتركة في بناء نموذج جديد للتعاون الدولي يقوم على المنفعة المتبادلة والاحترام المتبادل للسيادات الوطنية. وتأتي هذه الورقة لتستعرض الآفاق الواعدة والتحديات القائمة في هذا المسار، في ضوء لحظة دولية تتسم بالسيولة والتعددية القطبية، وما تتيحه من فرص وما تفرضه من حسابات دقيقة.

إن العلاقات العربية الصينية تعيش اليوم عصراً ذهبياً، حيث انتقلت من دوائر التبادل التجاري المحدود إلى آفاق الشراكة الاستراتيجية المتعددة الأبعاد. ويهدف هذا العرض إلى استقصاء الآفاق والتحديات في ظل نظام دولي متعدد الأقطاب، مع التركيز على البعد الاستراتيجي والأمني والتنموي للعلاقة، وما يتطلبه ذلك من رؤى ومقترحات عملية تخدم صناع القرار في كلا الجانبين.

أولاً: السياق الدولي

تشهد الساحة الدولية تحولاً نوعياً تعبر عنه العبارة الصينية الشهيرة “تغيرات غير مسبوقة منذ مائة سنة”  .غير أن قراءتنا لهذه اللحظة تستوجب الدقة التحليلية ، فنحن لا نشهد استبدالاً منظماً لهيمنة أمريكية بهيمنة صينية، بل حالة سيولة في بنية النظام الدولي ذاته فمؤسساته القديمة فقدت احتكار الشرعية، بينما تكتلاته الجديدة   كبريكس ومنظمة شنغهاي  لم تتبلور بعد إلى بديل مؤسسي متكامل.

ويبدو غرب آسيا وشمال أفريقيا المختبر الأكثر وضوحاً لهذا التحول. فقد كشفت حرب غزة (2023–2025) واضطرابات البحر الأحمر عن أمرين في آن واحدو هما تآكل النظام الأمني الذي تقوده واشنطن في المنطقة، وفي الوقت نفسه غياب أي قوة منفردة قادرة على ملء الفراغ. هذه السيولة لا تفرض على الدول العربية خياراً بين معسكرين بقدر ما تفتح أمامها هامشاً للمناورة والفاعلية وهي القراءة التي ينبغي أن تنطلق منها أية رؤية عربية للعلاقة مع الصين.

إن النظام الدولي في حالة سيولة حقيقية و مؤسساته القديمة فقدت الشرعية، والجديدة لم تكتمل بعد. وتفتح هذه السيولة هامشاً للمناورة العربية لا تفرض خياراً بين معسكرين، مما يتيح للدول العربية فرصة استثنائية لإعادة صياغة تحالفاتها بما يخدم مصالحها الوطنية العليا.

ثانياً: المعمار الفكري للعلاقة ( المبادرات الأربع ومجتمع المستقبل المشترك)

أنتجت بكين منذ عام 2013  معماراً فكرياً متكاملاً يمكن اعتباره “نظام تشغيل” لسياستها الخارجية، يقوم على مفهوم “مجتمع المستقبل المشترك للبشرية”، وتحت مظلته أربع مبادرات رئيسية:

1-      مبادرة التنمية العالمية (2021): تركز على أجندة 2030، والأمن الغذائي، والتحول الأخضر والرقمي.

2-      مبادرة الأمن العالمي (2022): تدعو إلى “أمن مشترك وشامل وتعاوني ومستدام” وتغليب الحوار على المواجهة.

3-      مبادرة الحضارة العالمية (2023): تؤكد احترام تعدد الحضارات ورفض فرض القيم الكونية.

4-      مبادرة الحوكمة العالمية (2025): تقدم بوصفها البنية المؤسسية الرابطة للمبادرات الثلاث.

عربياً فتبرز مبادرتا التنمية والأمن الأكثر قابلية للتفعيل، وقد التزم الطرفان بتنفيذهما في إعلان الرياض الصادر عن القمة العربية\الصينية الأولى (ديسمبر 2022) . غير أنه ينبغي التعامل مع هذا المعمار بدقة منهجية، فكثير من مزاعمه الرقمية تصدر عن الإعلام الرسمي الصيني ويصح نسبتها إلى مصدرها لا تبنيها.

ثالثاً: البنية المؤسسية للتعاون

يمتد التعاون العربي\الصيني عبر ثلاث قنوات متشابكة:

1-      منتدى التعاون العربي\الصيني: تأسس عام 2004 عقب زيارة الرئيس الصيني آنذاك لمقر جامعة الدول العربية في القاهرة، ويجتمع وزارياً كل عامين وفي اجتماعه الوزاري العاشر (بكين، مايو 2024) طورت الصين المبادرات إلى “خمسة أطر للتعاون” تشمل الابتكار والاستثمار والطاقة والتجارة والتبادل الإنساني.

2-      مبادرة الحزام والطريق: تشكل الإطار التنفيذي الأبرز، حيث تتقاطع مع رؤى تنموية عربية كرؤية السعودية 2030 ورؤية مصر 2030.

3-      القمم العربية\الصينية: عقدت الأولى في الرياض (ديسمبر 2022) وأعلنت عن “المجتمع العربي-الصيني للمستقبل المشترك في العصر الجديد”، على أن تستضيف الصين القمة الثانية في عام 2026.

وعلى المستوى الكمي، ارتفعت التجارة العربية-الصينية من 36.7 مليار دولار (2004) إلى نحو 407.4 مليار دولار (2024)، وأصبحت الدول العربية أكبر مصدر لواردات الصين من الطاقة في مطلع 2024هذا العمق الاقتصادي حقيقي وقابل للقياس، وهو الأرضية الأصلب للمجتمع المشترك.

رابعا: ستبقة الوساطة

تقدم الوساطة الصينية بوصفها الدليل على دور أمني سياسي صاعد. ففي 10 مارس 2023 اعلن في بكين استئناف العلاقات السعودية-الإيرانية، وهو حدث بالغ الأهمية. غير أن القراءة الدقيقة تستوجب الفصل بين الرمز والمضمون:

  • الإطار التمهيدي: وضعت الأرضية عبر خمس جولات عراقية (2021–2022) ووساطة عمانية.
  • الدور الصيني: قدم “اللمسة الأخيرة” مستفيداً من ثقله كشريك تجاري أول للطرفين.
  • التوصيف الأكاديمي الراجح: دور “حاسم لكنه محدود”.

وعلى المنوال ذاته جاء “إعلان بكين” (يوليو 2024) بين الفصائل الفلسطينية، وهو إعلان رمزي بلا جدول زمني ولا آلية إنفاذ، تكمن أهميته في أنه جرى برعاية صينية أكثر مما تكمن في قابليته للتطبيق.

وهنا تبرز قراءة جوهرية فبينما تحتضن بكين مصالحات رمزية منخفضة الكلفة، تتولى جهات عربية كمصرالوساطة التنفيذية الثقيلة على الأرض. فهناك فجوة بنيوية بين العمق الاقتصادي الصيني وضحالة الالتزام الأمني، وهذه الفجوة ليست عيباً يخفى بل هي بالضبط موضع الفاعلية العربية.

خامساً: الآفاق والفرص الواعدة

يمكن حصر الفرص في خمسة محاور رئيسية:

أولاً: التكامل الاقتصادي-التنموي: يمثل التوافق بين الرؤى التنموية العربية ومبادرة الحزام والطريق أساساً متيناً للشراكة، مع تركيز صيني واضح على الاستثمار في البنية التحتية والموانئ والممرات المائية الحيوية كقناة السويس والمناطق الاقتصادية الخاصة. ويمثل “الأمن التنموي” إطاراً مفاهيمياً يربط بين الاستقرار والتنمية المستدامة.

ثانياً: الدبلوماسية السياسية المقبولة: يثبت صعود الصين كلاعب سياسي إيجابي في المنطقة (نموذج المصالحة السعودية-الإيرانية ، ورغبة عربية في وجود قطب دولي يدعم القضايا العربية ) وفي مقدمتها القضية الفلسطينية دون مشروطية سياسية أو ازدواجية في المعايير.

ثالثاً: التعاون التكنولوجي والطاقة المتجددة: يتسع التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الجيلين الخامس والسادس (5G/6G)، والفضاء، والتحول المشترك نحو الطاقة الخضراء والهيدروجين النظيف، حيث تقود الصين العالم في تقنيات الطاقة المتجددة.

رابعاً: التعددية القطبية والتنويع: تتيح عضوية دول عربية في بريكس وشراكة الحوار في منظمة شنغهاي هامش حركة دون قطيعة مع واشنطن، وهو ما يعزز قدرة الدول العربية على التحوط الاستراتيجي.

خامساً: الاقتصاد الرقمي والأخضر وأدوات التمويل الجديدة: تشمل سندات “الباندا” التي أصدرتها مصر عام 2023 بوصفها الأولى في المنطقة، والتسوية بالعملات المحلية، مما يعزز من أدوات التمويل المتاحة للشراكة العربية-الصينية.

سادسا: التحديات والمعوقات

في المقابل، تواجه العلاقة تحديات جوهرية تتطلب إدارة حذرة:

أولاً: ضغوط الاستقطاب الدولي (التنافس الأمريكي-الصيني) : يمثل هذا التحدي الأكبر للدول العربية، مع وجود تحفظات دولية خاصة أمريكية على طبيعة وحجم التعاون العربي مع بكين في مجالات التكنولوجيا والأمن. وتبرز هنا معضلة تجنب الانحياز في “الحرب الباردة الجديدة” والحفاظ على توازن العلاقات مع مختلف القوى الدولية.

ثانياً: فجوة الأمن الصلب: رغم القوة الاقتصادية للصين، إلا أنها لا تزال تتردد في إقامة شراكات أمنية مع دول المنطقة وتكتفي بالدبلوماسية الناعمة. وقد بقيت “على الهامش” خلال المواجهة الإسرائيلية-الإيرانية في يونيو 2025 . وقد لخصت دراسة مؤسسة RAND هذا الموقف بوصف الصين بـ”التنين الحذر” الذي يحجم عن استثمار موارد عسكرية أو دبلوماسية كبيرة في المنطقة.

ثالثاً: الخلل في الميزان التجاري: يمثل تحويل العلاقة من “استيراد السلع الصينية وتصدير النفط” إلى شراكة صناعية حقيقية تتضمن نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات تحدياً كبيراً. وفي الحالة المصرية خصوصاً، تبرز فجوة واضحة (واردات بالمليارات مقابل صادرات لا تتجاوز مئات الملايين) .

رابعاً: الانقسامات العربية البينية: تشكل عائقاً أمام صياغة موقف عربي موحد في التفاوض مع الصين ككتلة واحدة، مما يضعف الموقف التفاوضي العربي ويفرغ مؤسسات العمل المشترك من فاعليتها.

سابعاً: رؤية للمستقبل

يرى محللون أن الدول العربية لا تبحث عن استبدال حليف دولي بآخر، بل تتبنى سياسة تنويع الشركاء لحماية مصالحها الوطنية وهي ما يمكن تسميته التحوط الاستراتيجي Strategic Hedging ويمكن للمراكز العربية أن تقدم رؤية تتجاوز الإطار الثنائي (بكين مع كل دولة على حدة) إلى صياغة “إستراتيجية عربية جماعية” موحدة للتفاوض مع الصين عبر جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، خاصة في مجالات تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وتوطين التكنولوجيا، وتطوير أبحاث الفضاء.

مصر كنموذج للفاعلية العربية: تقف مصر عند تقاطع ثلاث تبعيات متوازية: الولايات المتحدة (التمويل العسكري) و(الخليج) الاستثمار والمساندة( والصين ) الاستثمار ومبادرة الحزام والطريق. ورافعتاها في إدارة هذه التبعيات عنصران حاسمان:

  • قناة السويس : نقطة اختناق لنحو 12% من التجارة العالمية وشريان رئيسي للحزام والطريق. وقد تجلت حساسية هذه الرافعة مع تراجع إيرادات القناة نحو 66% في 2024 بسبب اضطراب البحر الأحمر.
  • الوساطة في الملف الفلسطيني : بينما تحتضن بكين المصالحات الرمزية، تتولى مصر الوساطة التنفيذية على الأرض، مما يثبت أن المجتمع المشترك يبنى بالعرب لا لهم، ومصر فيها شريك حامل لا متلق.

إن منهجية التحوط الاستراتيجي تقتضي ألا تبحث الدول العربية عن استبدال حليف دولي بآخر، بل تتبنى

 سياسة تنويع الشركاء لحماية مصالحها الوطنية، مع الانتقال من العلاقات الثنائية المتفرقة إلى إطار جماعي موحد.

ثامنا:توصيات مقترحات

استناداً إلى ما تقدم، تطرح هذه الورقة خمس توصيات عملية تستهدف صناع القرار في الجانبين العربي والصيني:

1-     تطوير آلية عربية-صينية للتشاور السياسي الدوري بشأن القضايا الأمنية في المنطقة، بما يضمن تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق المواقف في الأزمات.

2-     إنشاء صندوق عربي-صيني مشترك لتوطين التكنولوجيا ونقل المعرفة، يموّل مشاريع البحث والتطوير في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والفضاء.

3-     تفعيل دور جامعة الدول العربية في تنسيق المواقف العربية تجاه الصين في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، بما يضمن التفاوض ككتلة واحدة.

4-     تعزيز التعاون في مجال الأمن البحري لحماية الممرات المائية الحيوية (البحر الأحمر، قناة السويس، مضيق هرمز) ، من خلال تبادل الخبرات والتدريبات المشتركة.

5-     استثمار القمة العربية-الصينية الثانية (2026) لوضع خارطة طريق واضحة للشراكة الاستراتيجية الشاملة للعقد القادم، تتضمن أهدافاً كمية وأجندات تنفيذية محددة الزمن.

خاتمة :

في نظام دولي سائل، لا يقاس نجاح المجتمع العربي-الصيني للمستقبل المشترك بحجم الاستثمار الصيني وحده، بل بقدرته على اقتران العمق الاقتصادي الصيني بالفاعلية الأمنية والسياسية العربية. الآفاق تتفوق على التحذيات إذا أُديرت العلاقة براغماتية ووعي متبادل بمصالح الطرفين.

وتظل الدعوة مفتوحة لمراكز الفكر الدولية للخروج بتوصيات عملية تخدم صناع القرار في الطرفين، تضع في اعتبارها أن العلاقة العربية-الصينية ليست مجرد خيار تكتيكي في لحظة دولية عابرة، بل رؤية استراتيجية لمستقبل التعاون الدولي تقوم على أسس من المنفعة المتبادلة، واحترام السيادة، والتنمية المشتركة.

إن التأكيد على أن الآفاق تتفوق على التحديات يظل رهناً بقدرة الطرفين على إدارة العلاقة بروح براغماتية، مع الوعي المتبادل بمصالح كل طرف، وفتح الباب للنقاش مع مراكز الفكر الدولية للخروج بتوصيات عملية تخدم صناع القرار في كلا الجانبين.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق