الحضارة العالمية: التعلم المتبادل بين الحضارات من أجل بناء عالم متوازن وعادل وآمن

إعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 19-04-2026

اختتمت بالجزائر أعمال الندوة الدولية الأولى حول “التبادل الحضاري والتعلم المتبادل بين الصين والدول العربية والإفريقية” يوم 14 ابريل 2026 بالعاصمة الجزائرية وبمشاركة جامعة الجزائر 3 وجامعة شمال غرب الصين ودار مجلة الصين اليوم بالمجموعة الصينية للإعلام الدولي وجامعة فودان الصينية وسفارة جمهورية الصين الشعبية بالجزائر، بمشاركة أكثر من 300 باحث ودارس وأكاديمي يمثلون 13 دولة، من بينها الصين والجزائر وسلطنة عمان وتونس والمملكة العربية السعودية والبحرين وليبيا وموريتانيا والسودان ومصر ولبنان…

ولقد القت الدكتورة والباحثة الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الامنية والعسكرية كلمة حول أهمية اختلاف الحضارات وتنوعها من اجل تقدم البشرية ورفض مقولة صراع الحضارات لأن الحوار هو اساس التقدم الإنساني وهي اخلاق الحضارات الشرقية العربية والصينية المبنية على التلاقح والتكامل.
كما أكدت الدكتورة قعلول على ان ما تروج اليه الامبريالية المتوحشة من تدمير للانسانية ولبعض الحضارات لا يمكن ان يحصل والعدالة والحوكمة العالمية هي من ستدافع على البشرية والاستقرار العالمي
النص الكامل للمداخلة: تعزيز التبادل الانساني والثقافي في إطار مبادرة الحضارة العالمية

لقد بنيت الحضارات منذ ألآف السنين لتقدّم للإنسانية إسهامات رائدة لما وصلت إليه البشرية اليوم، ومن أجل تطوير الحضارة الإنسانية.
وأنه من الأهمية اليوم أن تعمل دول العالم المعاصر معا لتدعيم التبادلات والتعلم المتبادل وتعزيز تطور جميع الحضارات، وخاصة التركيز على حق الشعوب في التبادل العلمي والتعلم المشترك ولا يجب أن يكون التعلم يخص بلد أو مجموعة معينة فذلك ستكون له عواقب سلبية على مستقبل الإنسانية بل ونحن نعيش اليوم حالة اللآتوازن الدولي لأن هناك قوى تبني “تفوقها” على ضعف الأخر واضعاف الشعوب وتجهيلها وتفقيرها وزرع الفتن فيها وبين الدول وعلى “العنصرية” حتى تضمن بقائها مهيمنة.
وخير مثال نشاهده اليوم في عالم لا متوازن تطغى عليه الوحشية والقتل والتهديد بالحرب لمن لا يخضع لشروط الامبريالية المتوحشة والتي لم تعد تخفي وجهها الحقيقي بل أصبحت تقولها صراحة نحن الأقوى ونحن من يتحكم في العالم وعلى الجميع ان يخضع ويدفع الجزية حتى تعيش في هذا الكوكب، وخاصة بتلك العبارات المتوحشة عندما هدد ترامب ايران بقوله سنمحي حضارة الإيرانية التي عمرها اكبر من عمر دولته بألاف السنين، وهذا ما يعزز نظرية صراع الحضارات التي ابتدعها هينتينتوغ.
كما يعكس الاهتمام بحوار الحضارات والتعلم المشترك وخاصة تعزيز الحوار بين الثقافات والتعلم المتبادل عامل محفز للسلام والتنمية العالميين وخاصة العمل على الحوكمة العالمية والعدالة الانسانية، وهي رؤية تدفع السياسي والمفكر والنخبة على العمل على هذا المبدأ في جميع أنحاء العالم.
واقتداء بمبادرة الرئيس الصيني “شي جين بينغ” الذي نادي بمبادرة “حوار الحضارات” وأن كل الحضارات مهمة ومفيدة للإنسانية بالرغم من اختلافها، بل بالعكس الإختلاف في الحضارات هو ثراء للبشرية وحافز لتقدم الانسان.
ويتجسد التطلع في مبادرة الحضارة العالمية والتبادل الثقافي وحوار الحضارات الى طرح مبدأ التسامح والتعايش والتعلم المتبادل بين مختلف الحضارات، هذه المبادرة يمكنها أن تلعب دورا لا غنا عنه في دفع عملية التقدم الإنساني، عندما يكون مستقبل جميع الدول مرتبطا ببعضه البعض ارتباطا وثيقا ومنها تنشر العدالة الإنسانية والإحترام المتبادل بين شعوب العالم وحق الشعوب في تقرير مصيرها وبالتالي التكافؤ في الفرص.
وليس عندما يلاحظ ان هناك دولة تريد ان تتقدم فيقتل كل علمائها وتشن عليهم حربا دموية والمثال الذي نعيشه اليوم هو ان القصف والقتل هدفه الأساسي المدارس والمعاهد والعلماء وقتل الأطفال في المدارس المستشفيات والمتاحف وهذا بالضبط ما يقصد به “تدمير حضارة”.
فإختلاف الحضارات وتنوعها تكرس رؤية بناء عالم لا تتصادم فيه الحضارات بل تتحاور وتتقاسم الخبرات والتجارب، ولهذا أصبح اليوم وفي ظل الصراعات والأزمات الكبيرة والمتسارعة وإنتهاك حرمة الدول والشعوب، حتمية المضي نحو تكريس التعلم المتكافئ في العالم وبين شعوب أكثر أهمية من أي وقت مضى.
حيث تمثل إحياء للروابط القديمة الحضارية والإنسانية، وفي الوقت ذاته خطوة جريئة لترميم نسيج عالمي متهالك تهدده الحروب التكنولوجية والنواوية التي يمكن أن تهدد كذلك مستقبل كوكب الأرض بما فيه الإنسان والحيوان وكل الكائنات الحية.
ألوان الحضارات المختلفة يمكنها أن تتكامل: حتمية الحرب والصراع بين الحضارات والترويج لبقاء حضارة واحدة متحكمة
منذ الثمانيات القرن الماضي بدأ الغرب في تحريف مفهوم التكامل والتعاون الحضاري والتعاون الإنساني والتكامل بين الشعوب العالم، وكان بعض الباحثين والساسة في الغرب يروجون لنظرية صدام الحضارات وروجوا لهذه المفاهيم بشكل كبير، فلقد طرح الموضوع لأول مرة عالم السياسة الأمريكي صامويل هنتنغتون في عام 1993، ونشر كتاب سمّاه “صراع الحضارات” وقد صوّر ان بعض الحضارات متفوقة على غيرها، وسعى إلى تقسيم الدول وفقا لخطوط إيديولوجية وعنصرية، والغريب أنه قد تمت عملية نشر كبيرة و”بروبغونا” كبيرة جدا لكتابه المسموم.
وتلاه بعد ذلك مباشرة كتاب “فوكو ياما” وسوّق لنهاية التاريخ ومن لم يركب قطار تكساس فقد تخلف عن التاريخ وبقي خارج التاريخ، الذي ادعى ان التاريخ الإنساني قد انتهى مع “الحضارة الامريكية” وان الأخيرة قد ختمت الفعل الحضاري الإنساني
ولكن الواقع يقول غير ذلك فالولايات المتحدة الامريكية بمفهومها الحالي ليست لها حضارة بعد ان ارتكبت أكبر إبادة جماعية للسكان الأصليين لأمريكا وهم الهنود الحمر.
وعلى خلفية عودة هذه المشاعر إلى الواجهة، يشهد العالم تحولات لم يسبق لها مثيل ونادرا ما تُشهد في قرن من الزمان. ومن جانبها، تطالب دول الجنوب العالمي، التي تشهد صعودا جماعيا، بحقها المشروع في التحديث بصوت أعلى، فيما تتفاقم أوجه العجز العالمية في مجالات السلام والأمن والتنمية والحوكمة بشكل متزايد.
بل اصبحت دول الغرب تنشر مبادئ معادية للإنسانية وتروج للعنصرية وتختلق حروبا من أجل قتل الحضارة الانسانية والترويج لسياسة الغاب والإبتعاد عن القانون الإنساني والدولي وهيمنة العنصر الغربي المتوحش الذي يهدد بالحرب والقتل والإبادة وإزدواجية المعايير كأن نقول على المحتل ومجرم الحرب له الحق في “الدفاع عن نفسه” في إزدواجية والكيل بمكيالين… لهذا تستفيق الإنسانية وتكتشف الكذب المفضوح وبدأ العمل من أجل إنقاذ الإنسانية من مجرمي الحضارات ومجرمي الحرب.
ويرى الرئيس الصيني “شي جين بينغ” أنه لا توجد حضارة في العالم متفوقة على غيرها وهذا فعلا كلام عميق للرئيس الصيني الذي ألتمس الخطر الكبير على مستقبل الإنسانية، فبالنسبة لفخامة الرئيس “شي” جميع الحضارات متساوية وفريدة ولكل حضارة خصوصيتها وقد أضافت للإنسانية وللتقدم الإنساني الكثير، والذي وصلت اليه الإنسانية اليوم من تقدم وتطور هو راجع بالأساس الى الحضارات القديمة التي ساهمت وبشكل كبير في تطوّر البشرية.
وقد قال الرئيس “شي” في كلمة ألقاها في مقر اليونسكو بباريس عام 2014 إن “الحضارات جاءت بألوان مختلفة، ومثل هذا التنوع يجعل التبادلات والتعلم المتبادل بين الحضارات يحملان أهمية وقيمة“.
بعد أشهر من طرحه مبادرة الحضارة العالمية في عام 2023، أوضح رئيس جمهورية الصين الشعبية “شي” خلال حدث أُقيم في سان فرانسيسكو أن المبادرة تهدف إلى “حث المجتمع الدولي على معالجة عدم التوازن بين التقدم المادي والثقافي، والعمل بشكل مشترك على تعزيز التقدم المستمر للحضارة الإنسانية“.
فالمبادرات العالمية التي طرحتها الصين، وخاصة مبادرة الحضارة العالمية، تدعو إلى نظام متكافئ وشامل سعيا لتحقيق حوكمة عالمية عادلة ومتسقة بعيدة عن الإنفراد بمصير العالم وإحتكار التقدم والتطور بيد دولة أو مجموعة دول.
فمبادرة الحضارة العالمية وجهت رسالة واضحة من الصين ومن دول الجنوب مفادها أن جميع الأمم لها الحق في اختيار مساراتها التنموية الخاصة في سعيها إلى التحديث، وهو ما لا يعني بالضرورة التغريب وفرض النموذج الغربي الإستعماري المهيمن والذي ينهب الثروات والقدرات البشرية او فرض النموذج الابستيني المجرم والترويج لأكل لحم الأطفال ونشر الشر المطلق او اختيار حكام العالم من خرجي جزيرة الشيطان.
فمصير الإنسانية اليوم أصبح مهددا بنموذج الإبستينية المتوحشة والتي أصبحت تبث سمومها وتقلب كل المعايير الإنسانية بوقاحة غير مسبوقة من أجل مصالحها الإستعمارية، بل وصلت الى أن كل مختلف عنها هو “الشر” ويسمون أنفسهم بقوى “الخير” وهذا التقسيم مضحك ومبكي في نفس الوقت ومخل للتوازن ولكل المعايير الإنسانية.
في سبتمبر 2024، خلال حفل افتتاح قمة منتدى التعاون الصيني-الأفريقي، طرح الرئيس “شي” العديد من الإجراءات للشراكة من أجل التحديث، أولها “خطة عمل الشراكة من أجل التعلم المتبادل بين الحضارات“.
كما أنّ الصين اليوم تعمل على تعزيز التبادلات الشعبية والثقافية مع العالم العربي، وتدعم الاحترام المتبادل والشمول والتعايش بين مختلف الحضارات كما تساهم في عملية التحديث من خلال التعاون المشترك في جميع المجالات وتدفع إلى تحقيق المزيد من النتائج المثمرة في إطار مبادرة الحضارة العالمية.
وهذا ما جعل الدول العربية تسعى الى تنفيذ شركات كبرى وإنفتاح كبير مع جمهورية الصين الشعبية بل وأكثر من ذلك فأغلبية الشعوب العربية اليوم تقود موجة من تحرر ذهني وفكري وتصل في بعض الشعوب والدول الى الاستقلال الفعلي من هيمنة القوى الغربية العنصرية والتي تعمّدت “تجهيلها وتفقيرها وبث الفتنة في ما بينها” بل وهذه القوى الغربية وعلى راسهم الولايات المتحدة الأمريكية لا تسمح لشعوبنا العربية في امتلاك التكنولوجيا ولا التقدم ولا مشاركتها في التعلم والتحديث وذلك من أجل السيطرة والهيمنة عليها ونهب مواردها الطبيعية والبشرية وجعلت منها دول “فاسدة” وفقيرة ومتخلفة وفاشلة والأخطر من ذلك فالمخابرات الغربية قد صنعت الإرهاب وراعته من اجل بث الفوضى وتدمير الدول في الشرق الأوسط ومنها تتمكن من السيطرة عليها تحت عنوان “التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب”. ولا يمكن لأي دولة وحدها مكافحة الإرهاب.
وبالتالي أصبح العالم اليوم يعيش عنصرية كبيرة وفجوة علمية وتعلمية بل وأصبح النظام العالمي المصمم لخدمة مصالح القوى الغربية لا يلبي الاحتياجات والتطلعات المتطورة لدول الجنوب العالمي، فإن دعوة الصين الى عالم يسوده التوازن والتحديث العادل والتغيير تعد استجابة طبيعية للإنسانية، ومبادرة حوار الحضارات هي أساس البناء للتعاون والشركات المثمرة بين الصين والعالم العربي.
والمهم في هذه المبادرة الإنسانية الجيدة أن تكسر صنم التبعية الذهنية وتتحرر العقول من استبطان الهزيمة والضعف، وبتالي نتمكن من تهيئة بيئة مواتية لتحديث أي أمة وتنميتها وتصبح مبادرة الحضارة العالمية عاملا تمكينيا قويا يضفي توازنا على العالم ويبعد عنه شر الحروب والقتل والإستغلال ويقضي على العنصرية المقيتة.
والعالم لن يتقدم ولن تعيش الإنسانية الاّ بالتكامل الحضاري والتعلّم المتبادل والحوار والسلام والعدالة الحقيقية.
الخلاصة:
شكّل النهج الصيني أنموذجا يحتذي به في بناء حجر أساس جديد وهو “حوار الحضارات والتعلم المتبادل والحوكمة العالمية” ومن منطلق ذلك يمكن القول إن التعاون بين الصين والدول العربية لم يعد مقتصرا على الاقتصاد بل بدأ في التوسع أكثر فأكثر وبخطى ثابتة ليشمل التبادل الثقافي والسياحي والتعليمي ومع تعمق التفاهم المتبادل خلال الخطة الخامسة عشر سيتجدد الحوار بين هاتين الحضارتين العريقتين مما يمنح التعاون الصيني العربي بعدا إنسانيا حضاريا أعمق وقوة دافعة مستدامة لبناء مجتمع المستقبل المشترك في العصر الجديد.
كما تشكل الخطط الخمسية في الصين مسارا منهجيا يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل من طريق الحرير القديم إلى “الحزام والطريق”، وشاهدا على مسيرتها من الفقر والضعف إلى الازدهار والقوة.
كما تقدم التجربة الصينية وإنجازاتها، إلى جانب ما تظهره من صدق النية واتساع آفاق التعاون في الخطة الخامسة عشر شريكا لا غنا عنه في مسار التحولات العربية نحو استشراف مستقبلي واعد.




