إيران والعرب: من التحول التاريخي إلى إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط

إعداد إدريس أحميد: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 19-04-2026
لا يمكن فهم موقع إيران في الإقليم اليوم خارج سياق تحولات عميقة أعادت تشكيل دورها من دولة علمانية قوية إلى فاعل إقليمي يحمل مشروعًا سياسيًا وأيديولوجيًا ممتدًا عبر عدة ساحات عربية.
في مرحلة الشاه، كانت إيران تُعد من أقوى دول المنطقة، ذات توجه علماني واضح، وحليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة وإسرائيل، بل شكّلت قاعدة متقدمة لنفوذهما في الشرق الأوسط. كما امتلكت في تلك المرحلة قدرات عسكرية متقدمة، خصوصًا في مجالات التسليح والصواريخ، إلى جانب نفوذ إقليمي تجلّى في سيطرتها على الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى، طنب الصغرى، وأبو موسى، دون حضور لأي خطاب ديني في سياستها الخارجية.
لكن هذا المسار انقلب جذريًا بعد الثورة الإسلامية الإيرانية 1979، التي أعادت صياغة هوية الدولة بالكامل، وحوّلتها إلى جمهورية إسلامية دخلت في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، بدأت مبكرًا بأزمة احتجاز الرهائن في طهران، لتتأسس مرحلة جديدة من الصراع الممتد حتى اليوم.
لاحقًا، دخلت إيران حربًا طويلة مع العراق بين 1980 و1988، وهي حرب الخليج الأولى، التي استنزفت الطرفين وخلفت نحو مليوني قتيل، وأعادت تشكيل بنية الدولة وأولوياتها الاستراتيجية.
وفي الداخل، لا يمكن إغفال أن إيران دولة شديدة التنوع العرقي والثقافي؛ إذ تضم الفرس، الأذريين، الأكراد، العرب، البلوش، واللور وغيرهم، إلى جانب أغلبية شيعية واسعة. هذا التنوع جعل الدولة مركّبة داخليًا، وأثر بشكل مباشر في سلوكها السياسي والإقليمي، خصوصًا في إدارة الأطراف الحدودية ذات الحساسية العرقية.
ومع موقع جغرافي بالغ الأهمية يسيطر على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية العالمية للطاقة، وامتلاكها احتياطات ضخمة من النفط والغاز، حافظت إيران على وزنها الاستراتيجي رغم العقوبات الأمريكية والغربية، التي وصلت إلى حد وصفها في مراحل متعددة بـ“الدولة المارقة” وتجميد أصولها الاقتصادية.
في الملف النووي، دخلت إيران مرحلة تفاوض مع الغرب انتهت إلى توقيع الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) مع إدارة أوباما، قبل أن ينسحب منه لاحقًا ترامب، ما أعاد التصعيد بين الطرفين إلى مستوى أعلى من التوتر والضغط.
لكن التحول الأكثر تأثيرًا كان بعد عام 2003، حين فتح الغزو الأمريكي للعراق المجال أمام تمدد النفوذ الإيراني في العراق، لتصبح طهران لاعبًا مركزيًا في صياغة توازناته السياسية والأمنية.
وفي لبنان، ارتبط نفوذها بدعم حزب الله، بينما لعبت دورًا حاسمًا في سوريا منذ 2011، كما امتد حضورها إلى اليمن عبر دعم أنصار الله، بما جعلها طرفًا فاعلًا في أكثر من ساحة عربية.
هذا الامتداد الإقليمي أنتج ما يُعرف بـ“محور المقاومة”، الذي أعاد تشكيل خريطة النفوذ في المنطقة، لكنه في الوقت ذاته فتح جدلاً عربيًا واسعًا حول طبيعة الدور الإيراني: هل هو امتداد نفوذ استراتيجي أم تدخل يعمّق الانقسامات داخل الدول العربية.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن إسرائيل تمثل خطرًا وجوديًا واضحًا في الوعي الاستراتيجي العربي، ما يجعل الإقليم أمام معادلة أمنية معقدة تتداخل فيها التهديدات المباشرة مع الصراعات غير المباشرة.
ومن هنا، فإن اختزال العلاقة مع إيران في ثنائية “مع أو ضد” لا يعكس تعقيد الواقع. فإيران تتحرك وفق منطق الدولة ومصالحها الاستراتيجية، كما تتحرك الدول العربية وفق حساباتها الأمنية والسياسية، في بيئة إقليمية شديدة السيولة.
وفي حال شهدت المنطقة إعادة ترتيب حقيقية للتوازنات أو تراجعًا في منسوب الصدام، فإن إيران ستكون حاضرة بقوة في هندسة المرحلة المقبلة، ما يفرض على الدول العربية الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق صناعة التوازنات والتأثير في مسار الأحداث بدل الاكتفاء بالانخراط فيها.
وفي المقابل، فإن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق دون إدراك متبادل لحقيقة المصالح: أن إيران بحاجة إلى علاقات مستقرة مع الدول الخليجية والعربية تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل وتعزيز المصالح المشتركة، وأن الدول العربية بحاجة إلى مقاربة أكثر واقعية وندية في إدارة علاقاتها الإقليمية.
في النهاية، يبدو الشرق الأوسط مقبلًا على مرحلة إعادة تشكل كبرى، لن تُحسم فيها التوازنات بالشعارات أو الاستقطاب، بل بقدرة الأطراف الإقليمية على إعادة تعريف مصالحها وبناء نظام إقليمي أكثر استقرارًا وواقعية، يقلل من الهيمنة الخارجية ويفتح المجال أمام معادلات أكثر توازنًا في إدارة الصراع والتعاون.



