الصين والعرب – نحو تأسيس عالم جديد وبناء مجتمع المصير المشترك

اعداد ياسين أولاد الجبالي: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية والعلاقات الدولية 19-04-2026

اختتمت بالجزائر أعمال الندوة الدولية الأولى حول “التبادل الحضاري والتعلم المتبادل بين الصين والدول العربية والإفريقية” يوم 14 ابريل 2026 بالعاصمة الجزائرية وبمشاركة جامعة الجزائر 3 وجامعة شمال غرب الصين ودار مجلة الصين اليوم بالمجموعة الصينية للإعلام الدولي وجامعة فودان الصينية وسفارة جمهورية الصين الشعبية بالجزائر، بمشاركة أكثر من 300 باحث ودارس وأكاديمي يمثلون 13 دولة، من بينها الصين والجزائر وسلطنة عمان وتونس والمملكة العربية السعودية والبحرين وليبيا وموريتانيا والسودان ومصر…
ولقد القى الباحث والاستاذ ياسين اولاد الجبالي من الجمهورية التونسية ورئيس الجمعية التونسية الصينية للثقافة والعلوم كلمة حول العلاقات الصينية العربية وأكد على أهمية التأسيس لعالم جديد المبني على المصير المشترك لان ما يجمع بين الحضرتين الصينية والعربية عميق جدا ويجب ان يتواصل في المستقبل.
كما أشار الاستاذ ياسين الجبالي على اهمية التاسيسي لمستقبل مبني على احترام الشعوب واحترام سيادة الدول المبني على المصالح المشتركة وحق الدول في التنمية والازدهار.
واختتم الاستاذ ياسين كلمته بالتأكيد ان التعامل مع الصين يعني التعامل مع عقلية جديدة لا علاقة لها بالاستعمار والاستغلال والهيمنة، و التعامل مع شعب منظّم موحّد مبدع يقدّس العمل ويحترم الانسان و بعيد عن كل أشكال التعصب.
النص الكامل للمداخلة: الصين والعرب – نحو تأسيس عالم جديد وبناء مجتمع المصير المشترك
أشارك معكم في هذا الملتقى في بلد لا تقتصر القواسم المشتركة بينه و بين بلدي تونس على وحدة اللغة فقط، بل كانت دائما وحدة في المصير لا سيما وأن الحدود الممتدة بيننا كانت ولا تزال وستبقى عامل اندماج وجسرا لعبور الأفكار والأشخاص والبضائع على مرّ التاريخ ، فكما كنا كتونسيين في التاريخ المعاصر سندا للمقاومة المسلّحة الجزائرية ولجبهة التحرير الوطني التي قادت ثورة الشعب الجزائري ساهم الجزائريون أيضا في دعم الحركة الوطنية التونسية ضد الاستعمار الفرنسي ، و بقينا متمسكين دائما بالروابط التاريخية والجغرافية والوجدانية للشخصية التونسية والجزائرية ، ولا يخفى على أحد تأكيدنا الحالي حكومة وشعبا على هذا بوحدة مواقفنا السياسية من قضايا التحرر الوطني وقضايا الشعوب المضطهدة والتمسك بسيادتنا الوطنية.
نحن اليوم كعرب في ملتقى جديد مع جمهورية الصين الشعبية للنقاش في ما يجمعنا تاريخيا وحضاريا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا ماضيا وحاضرا ومستقبلا لنؤسّس لعالم قائم على احترام الشعوب واستقلال الدول واحترام سيادتها وعلى المصلحة المشتركة لكل الدول في التنمية والازدهار .
على الحكومات العربية ، على الشعوب العربية ، على النخب العربية، أن تطّلع وتعرف تاريخها الفعلي في علاقة بالصين الذي يمتد الى مئات السنين من خلال طريق الحرير الذي يمثل أول نموذج للعولمة في التاريخ فهو لم ينقل البضائع فحسب بل نقل الثقافات والفنون والتقنيات ، فلنستحضر ما دوّنه الرحالة سليمان التاجر في القرن التاسع الميلادي عن رحلته الى الصين ، و كتاب أبو زيد السيرافي ” أخبار الصين والهند” الذي ألّفه في القرن العاشر الميلادي ، حيث قدّموا لنا مشاهدات دقيقة عن الحياة في الصين، وأيضا جغرافيا ” الشريف الادريسي ” ووصفه للصين في كتابه ” نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ” الذي ألّفه في القرن الثاني عشر، و من الصين المؤرخ ” سيماتشيان ” في كتابه ” شي جي ” و الجغرافيين الصينيين بوصفهم الأماكن العربية وأهم المدن التجارية حينها ، وهذا تأكيد على الروابط التاريخية والثقافية التي تجمعنا بالصين.
لماذا يجب أن نعرف هذا التاريخ ونعود اليه، فمن لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل له ، فمعرفة الماضي وخاصة نقاطه النيّرة هي التي تفتح لنا الطريق لتشكيل الحاضر وبناء المستقبل ، ليس للعرب فقط وانما للإنسانية جمعاء ، ولكن قبل هذا ما هو ماضينا وما هو حاضرنا في علاقة بالغرب.
منذ الحرب العالمية الثانية كشف الغرب عن نزعة هيمنة على المنطقة العربية ، فقد عمل على تغريب كل الأشياء أي اعطائها نزعة غربية ، العلم غربي ، التكنولوجيا غربية ، العقل غربي ، بل الانسانية نفسها يجب أن تسير على نمط غربي.
الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ، عمل على فرض نموذج اقتصادي واحد ، نموذج سياسي واحد ونموذج ثقافي واحد ، وقد نجح في تنميط الانسانية وطمس كل أشكال الاختلاف.
ولتكريس هذه النزعة استعمل كل الآليات وكل الشعارات ، فباسم الديمقراطية والسلم قسّم يوغسلافيا واحتل أفغانستان والعراق وسوريا الى حد اعتقال رئيس فينزويلا المنتخب “نيكولاس مادورو” وحاليا يقوم بحرب ضد ايران… الى حد أصبح فيه الغرب يؤمن ان ديمقراطيته التي يطرحها هي أنجع طريقة للهيمنة.
ان الغرب وعلى رأسه دائما الولايات المتحدة الأمريكية استغل كل ما أنتجته الانسانية لهندسة الانسانية وفق مصالحه ، فحتى الحداثة الغربية لم تكن سوى ايديولوجيا الغرب مع العمل على تعميمها بل وفرضها على كل الشعوب دون اعتبار للاختلاف الانساني ، وأكبر مثال على ذلك آخر وأكبر فلاسفة الغرب ” يورغن هابرماس ” فيلسوف الحوار والتواصل الانسانيين ، ساند وبكل وضوح ابادة الشعب الفلسطيني.
فما معنى هذا كله ان لم تكن النزعة الاستعمارية متجذرة لدى الغرب.
ان الانسانية عند الغرب تتحدد وتنحصر في الغرب وحده ، فالعقل غربي والعلم غربي والتكنولوجيا غربية.
ألم يقصي الفيلسوف ” هيغل ” شعوبا كاملة بتاريخها وثقافاتها وأديانها وانجازاتها من الانسانية ، ورغم هذا تحدّث باسم الانسانية ، عودوا الى كتابه ” العقل في التاريخ “.
ان تاريخ العقل الغربي هو تاريخ الهيمنة فمنذ تشكله تشكلت معه الهيمنة ، عودوا الى كتاب جدل التنوير للمفكرين ” ماكس هوركهايمر ” و”تيودور أدورنو ” ، وكتاب ” الانسان ذو البعد الواحد ” للمفكر ” هربرت ماركوز “.
ان الدليل يقلّل من قيمة ما هو واضح ، فلا وجود لوضوح أكثر من نزعة الهيمنة عند الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية راهنا.
ان سلوك ” دونالد ترامب ” ليس سلوكا شخصيا مثلما يدّعي البعض ، وليس مرضا نفسيا لشخص مثلما يقول الغرب في أي حادثة ضد الانسانية ، ان هذا السلوك هو سلوك منظومة كاملة تعمل على تجديد نفسها كما تعمل على تجاوز أزماتها وخاصة اعتمادها على تفوقها التكنولوجي.
لا قيمة للشعوب أمام ما نعاينه ونشاهده يوميا على وسائل الاعلام من دمار وقتل وآخرها ما أقترح في اسرائيل من اعدام الأسرى وما صرّح به ” دونالد ترامب ” في حربه على ايران في التحكّم في الشرق الأوسط وانه سيعمل على ارجاع ايران الى العصر الحجري ، فهل هذه هي الانسانية.
هذا هو تاريخنا كعرب مع الغرب ، فما هو تاريخنا مع الصين.
تاريخنا مع الصين يمتد لأكثر من ألفي عام كان فيه طريق الحرير جسرا للتواصل بيننا من خلال المبادلات التجارية والبعثات الدبلوماسية من الطرفين والتأثير والتأثر بالثقافات والأديان والعلوم وخير شاهد على ذلك المدن التاريخية وآثارها ومعمارها التاريخي بداية بمدينة ” سيان ” و ” غوانغزو ” وصولا الى تدمر وبغداد ومكة وعدن والاسكندرية.
وراهنا نحن كعرب نؤسس مع جمهورية الصين الشعبية مشروعا حضاريا مشتركا يستجيب لعصرنا هذا ويفتح آفاقا جديدة فيها المنفعة المتبادلة والمصلحة المشتركة للجميع ، وهذا ليس سوى اجابة على السؤال الهام وهو : كيف ننقذ الانسانية و نضمن مصيرا مشتركا بين كل الشعوب دون رؤية دونيّة ودون استعمار واستغلال وهيمنة؟
دون انحياز وبكل موضوعية تبقى جمهورية الصين الشعبية راهنا هي الملاذ الوحيد باعتبار قدراتها التكنولوجية التي يمكن أن تساعد كل الشعوب على تطوير اقتصادياتها وباعتبارها الوحيدة القادرة على مواجهة الغرب ، وأيضا من خلال المبادرات التي قدمها الزعيم الصيني ” شي جين بينغ ” و التي يجب التفاعل معها ايجابيا وعمليا لما تطرحه من رؤية وتصور جديد لعالم جديد وهي:
- مبادرة الحزام والطريق
- مبادرة الأمن العالمي
- مبادرة التنمية العالمية
- مبادرة الحضارة العالمية
- مبادرة الحوكمة العالمية
الصين تاريخيا لم تستعمر أي شعب ، ولم تتدخل في شؤون أية دولة ولم تعمل على فرض نموذج انساني معيّن وهذا عكس ما يقوم به الغرب ، وهي اليوم ناجحة في انتاج مجتمع متوازن على جميع المستويات والأصعدة وقادرة على اقامة التوازن العالمي والخروج من عالم القطب الواحد وتشكيل عالم متعدد الأقطاب.
الصين هي الجهة الوحيدة التي لم تكن مستهدفة من كل أشكال الارهاب وكل أشكال التعصب ولنعد الى ” فولتير ” الذي أكد على هذا رغم أنه فيلسوف غربي .
أمام كل هذا يجب على الشعوب العربية أن تعيد حساباتها بما يتوافق ومصلحة شعوبها ومصلحة اقتصادياتها وأن تعيد النظر في علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية وان كانت بعض الدول قد اصطفت مع الغطرسة الأمريكية ، والتي لا تحتاج الى دليل أو تبرير وآخرها أمام ما واجهه الشعب الفلسطيني و ما يواجهه الشعب الايراني ، فعلى دول شمال افريقيا وخاصة الجزائر واذا قلت الجزائر فإنني أقول تونس لأنهما شعب واحد فتاريخهم تاريخ واحد ومصيرهم مصير واحد ، علينا التفاعل جدّيا واستراتيجيا مع مبادرة الحزام والطريق والبحث عن مشاريع مشتركة تساهم في تنمية بلداننا.
ان التعامل مع الصين يعني التعامل مع عقلية جديدة لا علاقة لها بالاستعمار والاستغلال والهيمنة ، و التعامل مع شعب منظّم موحّد مبدع يقدّس العمل ويحترم الانسان و بعيد عن كل أشكال التعصب.
ختاما أقول أن الأمل مازال موجودا أمام جميع دول العالم وخاصة الدول العربية ، وهو مرتبط بالضرورة بالتحرر من التعامل الأحادي الذي فرض علينا تاريخيا ، فالواقع السياسي الجديد والتغيرات العالمية تفتح أمام الجميع عديد الامكانيات للخروج من الأزمات المرتبطة أساسا بهذه الاستراتيجية في التعامل الأحادي سياسيا واقتصاديا ، وفعلا تبقى التجربة الصينية أحد الحلول الفعلية والواقعية لإعادة تشكيل المجتمعات وفق مقاييس انسانية أساسها العدل والمساواة.



