أخبار العالمالشرق الأوسطبحوث ودراسات

من يريد وراثة لبنان؟

إذا صحت التسريبات المتداولة في الأوساط السياسية، فإن ما يجري لا يتعلق بحزب الله بقدر ما يتعلق بلبنان نفسه. فالمعركة الحقيقية ليست على سلاح المقاومة، بل على الفراغ الذي يحول الغرب وإسرائيل منذ سنوات إيجاد القوة القادرة على ملئه.

المفارقة أن الحزب، الذي خيضت ضده الحروب والعقوبات والحصارات والاغتيالات تحت عنوان إنهائه وإخراجه من المعادلة، تحول بفعل تلك المواجهات نفسها إلى جزء من التوازن الذي يمنع سقوط لبنان بالكامل في يد المشاريع الخارجية. ولذلك، فإن السؤال الذي يؤرق واشنطن وتل أبيب ليس كيف يضعف الحزب، بل من يملك القدرة على وراثة ما يمثله إذا تراجع أو تعرض لضربة كبرى.

على ذمة ما يتردد في بعض الأوساط، حاولت الإدارة الأمريكية فتح الباب أمام دور تركي مباشر، لكن أنقرة لم تتعامل مع الأمر بوصفه خدمة مجانية، بل باعتباره فرصة تاريخية للتمدد نحو شرق المتوسط وإعادة تثبيت نفوذها داخل البيئة السنية اللبنانية، انطلاقاً من طرابلس التي لا ينظر إليها الأتراك كمدينة هامشية، بل كبوابة جيوسياسية تفتح لهم الطريق نحو المتوسط والمشرق معاً.

بمعنى آخر، لم يعد المطلوب القضاء على نفوذ إيران، بل استبداله بنفوذ تركي. ولم يعد الحديث عن نزع سلاح حزب الله، بل عن تغيير هوية لبنان السياسية وإلحاقه بمشروع إقليمي جديد.

وهنا تكمن المفارقة التي تكشف حجم المأزق الإسرائيلي.

فإسرائيل التي بنت سرديتها على أن حزب الله هو الخطر الأكبر، تجد نفسها أمام مشروع تركي يحمل بدوره طموحات توسعية خاصة، ويملك جيشاً وصناعة عسكرية وقدرة على التحرك داخل سوريا والعراق وشرق المتوسط. ولذلك، لا يبدو أن تل أبيب مستعدة لأن تستبدل خصماً بخصم آخر، أو أن تمنح أنقرة ما عجزت هي عن انتزاعه بالقوة.

لكن الأهم من كل ذلك أن أصحاب هذه المشاريع ما زالوا يخطئون في فهم طبيعة المقاومة.

فحزب الله لم ينشأ بوصفه ظاهرة عسكرية معزولة يمكن اقتلاعها بقرار دولي أو بحرب أو بحصار. بل ولد من الاحتلال، ونما داخل بيئة تعتبر أن المقاومة ليست خياراً سياسياً عابراً، بل حاجة وجودية فرضتها الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة. ولهذا، فإن الحزب لا يمثل مجرد قوة مسلحة، بل يعبر عن بنية إقليمية كاملة تشكلت من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

وكل من يعتقد أن إسقاط الحزب يفتح الباب أمام شرق أوسط أكثر استقراراً، يتجاهل حقيقة أن المقاومة لم تكن سبب الأزمة، بل كانت في جانب كبير منها نتيجة لمحاولات الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية نفسها.

ولهذا، فإن أي محاولة لاستبدال النفوذ الإيراني بنفوذ تركي، أو استبدال المقاومة بمشروع تابع لواشنطن، لن تعني نهاية الصراع، بل ستعني ولادة صراعات أكبر. لأن المشكلة ليست في اسم القوة الموجودة، بل في المشروع الذي يريد تحويل لبنان إلى مجرد ساحة تابعة وممر للمصالح الخارجية.

وإذا كانت المقاومة قد قدمت نفسها دائماً باعتبارها مشروعاً للتحرير ومنع الهيمنة، فإن دخول أي قوة إقليمية جديدة تحت المظلة الأمريكية لن ينظر إليه داخل بيئة المقاومة باعتباره عملية إنقاذ، بل باعتباره احتلالاً مقنعاً بأدوات مختلفة.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بقدرة إسرائيل على إضعاف حزب الله، بل بقدرة الآخرين على وراثة الفراغ الذي يفترضون أنه سينشأ بعده.

والتجارب الممتدة من العراق إلى أفغانستان، ومن غزة إلى لبنان، تقول إن إسقاط قوة متجذرة في بيئتها لا يعني ولادة نظام جديد، بل يعني غالباً فتح أبواب الفوضى، وإعادة إنتاج الحاجة إلى المقاومة بأشكال مختلفة.

وربما تكون هذه هي الحقيقة التي ما زالت واشنطن وتل أبيب عاجزتين عن استيعابها.

فحزب الله ليس المشكلة التي تعيق ولادة الشرق الأوسط الذي يريدانه، بل هو أحد نتائج فشل ذلك الشرق الأوسط نفسه. وكلما حاولوا كسر هذه النتيجة بالقوة، عاد السبب الذي أنجبها إلى الظهور من جديد.

لذلك، فإن المعركة الدائرة ليست معركة على سلاح، ولا على حزب، ولا حتى على لبنان وحده.

إنها معركة على هوية المشرق كله، بين مشروع يرى المنطقة فضاءً تابعاً للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، ومشروع آخر يعتبر أن الاستقلال والسيادة والتحرير لا تزال أهدافاً تستحق الدفاع عنها مهما بلغت الأثمان.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق