ليبيا عند مفترق استراتيجي: إعادة ترتيب السلطة وتوازنات النفوذ من الداخل إلى الساحل الإفريقي

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 10-10-2026
مقدمة: السؤال الذي يتجاوز تغيير الوجوه
قد يكون الخطأ الأكبر في قراءة التطورات الليبية الراهنة هو التعامل مع إبعاد عقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب باعتباره مجرد نهاية لمرحلة برلمانية طويلة. فالحدث، الذي وقع في 6 أكتوبر 2026، تزامن مع صعود متزايد لصدام حفتر، وتحرك أمريكي لإعادة توحيد المؤسسات، واستمرار التنافس على النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي في البلاد.
وهذا التزامن لا يثبت وجود خطة واحدة تدير جميع هذه التحولات، لكنه يجعل من الضروري اختبار احتمال أعمق: هل دخلت ليبيا مرحلة إعادة ترتيب مراكز القوة استعدادًا لتسوية سياسية جديدة؟
أم أن الصراع انتقل إلى تحديد شكل السلطة التي ستخلف التوازنات القائمة؟
الأكثر أهمية أن هذا السؤال لا يتعلق فقط بمستقبل عقيلة صالح أو خليفة حفتر، بل بمستقبل المنظومة التي تشكلت في شرق ليبيا خلال السنوات الماضية، وبقدرتها على الانتقال من سلطة ترتكز إلى شخصية عسكرية مركزية إلى ترتيب سياسي وعسكري قابل للاستمرار بعد تغير القيادة.
“فما بعد حفتر” ليس بالضرورة حدثًا وشيكًا، ولا يعني افتراض رحيله أو تراجع قدرته في الوقت الحالي؛ إنه سؤال استراتيجي عن الخلافة واستمرارية منظومة الحكم، ينبغي طرحه قبل أن تتحول الخلافة إلى أزمة فعلية ولكنها اصبحت اليوم محل تفكير عميق من جميع الاطراف بمن فيهم أقرب المقربين اليه.
وتزداد أهمية هذا السؤال لأن ليبيا لا تتحرك في فراغ، فالبلاد تقع عند تقاطع مصالح دولية وإقليمية، وتملك موارد طاقة ومنافذ بحرية وحدودًا صحراوية واسعة تتصل ببيئة أمنية مضطربة تمتد إلى السودان وتشاد والنيجر والساحل الإفريقي. ومن ثم، فإن أي تغيير في توزيع القوة داخلها قد تتجاوز نتائجه المؤسسات الليبية إلى التوازنات المحيطة بها.
إبعاد عقيلة صالح… هل بدأ تفكيك التوازن القديم في الشرق؟
أنهى مجلس النواب المتمركز في شرق ليبيا، في 6 أكتوبر 2026، اثني عشر عامًا من رئاسة عقيلة صالح، وانتخب الصالحين عبد النبي العبيدي رئيسًا جديدًا، إلى جانب طارق الأشتر نائبًا أول ومصباح دومة نائبًا ثانيًا. وجاء التغيير بعد تصويت 98 نائبًا لصالح تعديل قواعد رئاسة المجلس، في خطوة أثارت اعتراض غقيلة صالح على شرعية الإجراءات.
هذه الوقائع تفتح سؤالًا يتجاوز التنافس على رئاسة البرلمان:
لماذا أصبح تغيير قيادة المؤسسة التشريعية ممكنًا في هذه اللحظة؟
وما الذي يمكن أن يكشفه عن موازين القوة داخل معسكر الشرق؟
لا يجوز اختزال الحدث في قرار صادر عن صدام حفتر، كما لا توجد أدلة كافية للجزم بأن إزاحة صالح كانت تنفيذًا مباشرًا لتوجيه أمريكي. لكن تقارير حديثة ربطت تراجع موقع صالح بتنامي نفوذ صدام، الذي بات يؤدي دورًا سياسيًا وعسكريًا أكثر بروزًا، وبوجود تباينات حول مسار التسوية مع غرب البلاد.
وتكمن الدلالة الأعمق في أن إزاحة شخصية سياسية بارزة ارتبطت طويلًا بمنظومة الحكم في الشرق قد تعكس تغيرًا في طبيعة العلاقة بين المؤسسة التشريعية ومراكز النفوذ العسكري. فإذا كانت المؤسسة قادرة على تجديد قيادتها وفق قواعد مستقرة ومستقلة، فقد يمثل ذلك خطوة نحو استعادة دورها. أما إذا كان التغيير جزءًا من انتقال أوسع لمركز القرار إلى قوى عسكرية أكثر نفوذًا، فقد تصبح المؤسسة التشريعية أقل قدرة على موازنة السلطة التنفيذية والعسكرية، وفي كلتا الحالتين فعقيلة صالح قد انتهت صلاحيته ولم يعد قادر على الحكم او تمثيل السلطة التشريعية.
وهنا تظهر مفارقة المرحلة: قد تتجدد الوجوه داخل المؤسسات، بينما تتراجع استقلاليتها الفعلية، وقد تتغير قواعد توزيع المناصب من دون أن يتغير السؤال الأساسي: من يمتلك القدرة على اتخاذ القرار النهائي، ومن يستطيع تعطيله؟
ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي لرئاسة البرلمان الجديدة لن يكون في خطابها الأول، بل في قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة، وإدارة الخلافات داخل المجلس، والمشاركة في صياغة تسوية وطنية لا تقتصر على إضفاء شرعية سياسية على موازين القوة القائمة.
ما بعد حفتر… هل يجري إعداد خليفة أم إعادة بناء منظومة الحكم؟
يُعد خليفة حفتر الشخصية المركزية في المنظومة العسكرية المهيمنة على شرق ليبيا، لكن استمرارية هذه المنظومة لا تتوقف على وجود قائدها الحالي وحده. فكلما تركزت السلطة حول شخصية واحدة، أصبح سؤال انتقال القيادة جزءًا من مستقبل الدولة، حتى في غياب أي مؤشر حاسم على قرب حدوث ذلك الانتقال.
وتبرز في هذا السياق مكانة صدام حفتر، الذي تعزز حضوره العسكري والسياسي في السنوات الأخيرة، وأصبح أحد أبرز الوجوه المرتبطة بمستقبل القيادة في الشرق. وتُظهر التطورات الأخيرة أن اسمه بات حاضرًا في النقاشات المتعلقة بالتسوية السياسية وبالعلاقة بين القيادة العسكرية ومؤسسات الدولة.
لكن السؤال الاستراتيجي لا ينبغي أن يتوقف عند ما إذا كان صدام سيخلف والده، السؤال الأهم هو: هل تستطيع المنظومة التي بناها حفتر نقل السلطة إلى قيادة جديدة من دون أن تدخل في صراع على الصلاحيات والموارد والتحالفات؟
هناك ثلاثة مستويات لهذا الاختبار:
المستوى الأول: الخلافة العسكرية: هل تنتقل القيادة وفق تسلسل واضح يحظى بقبول مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية، أم تظهر منافسة على المواقع والاختصاصات والقرار العملياتي؟
المستوى الثاني: الخلافة السياسية: هل يتمكن أي قائد جديد من بناء علاقة مستقرة مع البرلمان والسلطة التنفيذية والقوى المحلية، أم يحتاج إلى إعادة تشكيل هذه المؤسسات لضمان نفوذه؟
المستوى الثالث: الخلافة الاقتصادية والخارجية: هل تنتقل القدرة على إدارة الموارد والعلاقات مع الشركاء الخارجيين بصورة سلسة، أم تتباين المصالح بشأن من يملك حق التفاوض وإدارة الملفات الاستراتيجية؟
هذه الأسئلة تجعل “ما بعد حفتر” مسألة تتعلق باستمرارية النظام السياسي والأمني في الشرق، لا بمصير فرد واحد.
وتزداد حساسية الموضوع مع ورود تقارير عن تباينات محتملة بين صدام وإخوته خالد وبلقاسم بشأن النفوذ واتجاهات التسوية. غير أن هذه التقارير لا تكفي لإثبات وجود صراع مفتوح أو خطة محسومة للخلافة؛ وينبغي التعامل معها بوصفها مؤشرات تستحق المتابعة، لا نتائج نهائية.
إذا استمر تركيز الأدوار في يد صدام من دون اعتراض مؤثر، فقد يشير ذلك إلى اتجاه نحو انتقال تدريجي لمركز الثقل. أما إذا برزت خلافات حول التمثيل السياسي أو الترتيبات الأمنية أو العلاقات الخارجية، فقد تصبح الخلافة نفسها عامل ضغط على تماسك المنظومة.
والاحتمال الأكثر حساسية هو أن تبدأ عملية إعادة ترتيب مراكز النفوذ قبل انتقال القيادة رسميًا، أي أن يعاد توزيع المواقع والصلاحيات والتحالفات بحيث تصبح المرحلة التالية أقل ارتباطًا بالتوازنات القديمة وأكثر ارتباطًا بقدرة القيادة الصاعدة على تثبيت موقعها.
هذه فرضية قابلة للاختبار، لكنها ليست حقيقة محسومة، وتكمن قيمتها في أنها تحدد ما ينبغي مراقبته بدل الاكتفاء بالتنبؤ باسم الخليفة.
مبادرة ترامب… تسوية وطنية أم اعتراف بموازين القوة القائمة؟
يتزامن هذا التحرك مع المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة، والذي توصلت خلاله الأطراف إلى اتفاق في 30 أغسطس بشأن خطوات تمهيدية للعملية الانتخابية، مع هدف إجراء الانتخابات خلال مدة تصل إلى 24 شهرًا. لكن المسارين لا يمثلان بالضرورة صيغة واحدة متكاملة؛ إذ ينبغي تقييم مضمون كل منهما وآليات تنفيذه، لا الاكتفاء بتشابه الأهداف المعلنة.
وقد تحدثت تقارير عن ترتيبات محتملة لتقاسم السلطة بين شخصيات من الشرق والغرب، من بينها صدام حفتر وأطراف مرتبطة بحكومة عبد الحميد الدبيبة. إلا أن تفاصيل هذه الصيغ ومآلاتها لم تُحسم في اتفاق نهائي معلن يمكن التعامل معه باعتباره أمرًا واقعًا.
وهنا يبرز السؤال الذي قد يحدد مستقبل المبادرة الأمريكية:
هل تسعى التسوية إلى بناء مؤسسات تستطيع فرض قواعدها على القوى المسلحة، أم إلى جمع القوى المسلحة والسياسية الأكثر نفوذًا داخل ترتيبات مشتركة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار؟
ولا يمكن الجزم بأن واشنطن اختارت المسار الثاني، لكن الخطر قائم في أي تسوية تجعل قبول مراكز القوة شرطًا سابقًا على بناء المؤسسات، ثم تؤجل مسألة إخضاع هذه المراكز للقانون إلى مرحلة لاحقة.
فقد تنتج مثل هذه التسوية حكومة موحدة، وتفاهمات اقتصادية، وتنسيقًا أمنيًا أوسع، لكنها تترك أسئلة جوهرية بلا حل: من يملك سلطة إصدار الأوامر العسكرية؟ من يراقب الإنفاق العام؟ كيف توزع عائدات النفط؟ ما الضمانات التي تمنع استخدام القوة لفرض شروط سياسية؟ ومن يضمن إجراء انتخابات لا تتحكم في نتائجها مراكز النفوذ القائمة؟
إذا لم تُحسم هذه الملفات، فقد يصبح توحيد المؤسسات عملية لإدارة توازنات القوى بدلًا من إنهائها.
والأكثر أهمية أن أي اتفاق يمنح قيادة عسكرية دورًا سياسيًا واسعًا قد يؤثر في شكل المرحلة التي تلي خليفة حفتر. فإذا جرى تثبيت موقع صدام داخل تسوية وطنية من دون تحديد واضح للصلاحيات والرقابة والمساءلة، فقد تتحول المفاوضات من معالجة الانقسام إلى تحديد موقع القيادة الصاعدة داخل الدولة.
أما إذا ربطت التسوية المشاركة السياسية بقواعد دستورية واضحة، وقيادة أمنية خاضعة لسلطة مدنية، ورقابة مستقلة على الموارد، فقد تفتح بابًا مختلفًا: الانتقال من شرعية النفوذ إلى شرعية المؤسسات.
الخطر الذي لا يظهر في الاتفاقات… ماذا يحدث إذا انتقلت الخلافة قبل توحيد الدولة؟
يتمثل السيناريو الأخطر في أن يتقدم ترتيب القيادة داخل الشرق بوتيرة أسرع من بناء المؤسسات الوطنية. ففي هذه الحالة، قد تنتقل السلطة داخل المنظومة القائمة، بينما يبقى الانقسام بين شرق البلاد وغربها قائمًا، وتظل ملفات الجيش والميزانية والنفط والانتخابات موضع تفاوض بين مراكز قوة متنافسة.
لا يتطلب هذا السيناريو اندلاع حرب واسعة. فقد يتخذ شكل تنافس على المواقع، أو خلاف بشأن الصلاحيات، أو تعطيل لتفاهمات سياسية، أو ضغط على المنشآت الاقتصادية والطرق الحيوية.
وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على هشاشة مسار التوحيد، فقد أوردت صحيفة “الغارديان” في 3 أكتوبر اتهامات تربط صدام حفتر بهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت وقود وكهرباء في غرب ليبيا خلال أغسطس، في سياق توتر حول المفاوضات. وهذه اتهامات صحفية لا ينبغي عرضها باعتبارها مسؤولية مثبتة بحكم قضائي أو حقيقة نهائية؛ لكنها تظل جزءًا من البيئة السياسية التي يجب أخذها في الحسبان عند تقييم فرص نجاح التسوية.
وتكمن أهمية هذه الاتهامات، بصرف النظر عن ضرورة التحقق المستقل منها، في أنها تذكّر بأن التفاوض السياسي يجري في بيئة تمتلك فيها الأطراف أدوات ضغط ميدانية واقتصادية. فإذا استُخدمت هذه الأدوات لتعديل شروط التفاوض، فقد يصبح الاتفاق أقل استقرارًا وأكثر اعتمادًا على التوازن المؤقت بين القوى.
ومن هنا، فإن الانتقال إلى مرحلة ما بعد حفتر قد يحمل مسارين متناقضين: إما إعادة بناء تدريجية لمنظومة السلطة ضمن مؤسسات وطنية، أو انتقالًا داخل المنظومة نفسها مع استمرار أسباب الانقسام.
الفارق بين المسارين لن يتحدد بالخطابات أو أسماء المسؤولين، بل بمدى خضوع القرار العسكري والاقتصادي لقواعد مؤسسية قابلة للمحاسبة.
الجنوب الليبي والسودان… من يملك الطرق يملك ورقة تفاوض؟
إذا كان شرق ليبيا هو مركز سؤال الخلافة، فإن الجنوب يمثل أحد أهم الاختبارات العملية لأي ترتيب جديد. فالمناطق المحيطة بالكفرة وقطرون والحدود مع تشاد والنيجر تتصل بشبكات نقل وتجارة ووقود وحركة بشرية، وتكتسب أهمية إضافية في ظل الحرب السودانية.
وقد وثّق تقرير فريق خبراء تابع للأمم المتحدة، في الوثيقة S/2026/224، إعادة تشكيل شبكات إمداد مرتبطة بقوات الدعم السريع عبر جنوب ليبيا. وذكر التقرير أن كتيبة “سبل السلام” وقائدها عبد الرحمن هاشم الكيلاني عززا، بين يناير 2025 ويناير 2026، السيطرة على سلاسل إمداد استُخدمت لنقل مقاتلين وأسلحة ومواد ذات صلة من ليبيا إلى السودان، في ظل موافقة ضمنية من القوات العربية الليبية المسلحة وفق ما أورده التقرير.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة لأنها لا تتعلق بمجرد اتهامات سياسية متبادلة، بل بتقييم صادر عن فريق خبراء أممي. ومع ذلك، يجب الالتزام بحدود ما يثبته التقرير، وعدم توسيع مسؤولية أي جهة إلى ما يتجاوز ما أورده.
والدلالة الاستراتيجية هنا أن السيطرة على جنوب ليبيا ليست مجرد مسألة أمن حدودي، إنها تؤثر في قدرة الأطراف على مراقبة طرق الإمداد أو تعطيلها، وعلى حجم النفوذ الذي تملكه التشكيلات المسلحة في علاقاتها بالسلطات الليبية والفاعلين خارج الحدود.
إذا جرى توحيد المؤسسات العسكرية فعلًا، فقد تزداد قدرة الدولة على مراقبة المعابر وملاحقة الشبكات غير القانونية وتنظيم حركة السلع والأشخاص. أما إذا اقتصرت التسوية على توزيع المناصب بين النخب، فقد يستمر تعدد مراكز السيطرة، حتى لو تحسنت العلاقات السياسية بين الشرق والغرب.
وهنا يتصل سؤال ما بعد حفتر مباشرة بمستقبل الجنوب: هل ستخضع طرق الحركة والإمداد لسلطة وطنية موحدة، أم ستظل جزءًا من اقتصاد النفوذ الذي تتداخل فيه مصالح تشكيلات مسلحة وشبكات تجارية وأطراف إقليمية؟
والاحتمال الذي ينبغي مراقبته هو أن تؤدي إعادة توزيع القوة داخل الشرق إلى تغيير موازين السيطرة على هذه الطرق، بما ينعكس على مسارات الإمداد المرتبطة بالسودان. لكن لا يجوز افتراض أن أي تغيير في القيادة سيؤدي تلقائيًا إلى قطع هذه المسارات أو إعادة توجيهها؛ فذلك يتوقف على القرارات الفعلية، وشبكات المصالح، وقدرة الدولة على فرض الرقابة.
من ليبيا إلى الساحل… هل تتحول الحدود إلى امتداد للصراع على السلطة؟
تجعل الجغرافيا الليبية أي تغير في السيطرة على الجنوب ذا أثر يتجاوز الحدود الوطنية. فالحرب السودانية، والاضطراب في تشاد والنيجر، وتعدد الجماعات المسلحة في الساحل، كلها عوامل تزيد أهمية الممرات الصحراوية ومناطق العبور.
لكن هذا الترابط لا يعني وجود منظومة إقليمية واحدة تتحكم فيها جهة واحدة. الأرجح أن المجال الحدودي يضم مصالح متقاطعة ومتعارضة، تتغير بحسب موازين القوة والموارد ومسارات النزاعات.
وقد يؤدي تغيير السيطرة على معبر أو طريق إلى نقل الضغط إلى منطقة أخرى، أو إلى دفع الشبكات إلى تعديل مساراتها، أو إلى تعزيز نفوذ تشكيل مسلح على حساب آخر. وإذا تزامنت هذه التحولات مع إعادة ترتيب السلطة في ليبيا، فقد تصبح المناطق الحدودية جزءًا من التفاوض غير المباشر بين القوى الليبية والإقليمية.
أما إذا تراجع الانقسام المؤسسي وامتلكت الدولة أدوات فعلية للرقابة، فقد يتحول الجنوب من مجال تتعدد فيه مراكز السيطرة إلى منطقة تُدار وفق سياسة أمنية واقتصادية وطنية.
لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: هل ستؤثر ليبيا في السودان والساحل؟ فالتأثير قائم بفعل الجغرافيا وشبكات الحركة. السؤال الأدق هو: من سيملك القدرة على إدارة هذا التأثير، ولأي غرض، وتحت أي رقابة؟
هذا السؤال هو الذي يربط بين مستقبل القيادة في الشرق، ومصير التسوية السياسية، وأمن الحدود الجنوبية.
ماذا تريد القوى الخارجية من مرحلة ما بعد حفتر؟
لا يمكن اختزال مصالح الولايات المتحدة وتركيا ومصر والإمارات وروسيا والدول الأوروبية في هدف واحد. فلكل منها حسابات تتصل بالأمن والطاقة والهجرة والتجارة والعلاقات مع القوى الليبية. وقد تتقاطع هذه المصالح في منع انهيار واسع أو الحفاظ على تدفق الطاقة، بينما تتباين في شكل السلطة المقبلة وتوزيع النفوذ العسكري والسياسي.
بالنسبة إلى واشنطن، يمثل توحيد المؤسسات والانتخابات هدفًا معلنًا، لكن الاختبار سيكون في طبيعة الضمانات التي تسعى إليها: هل تركز على اتفاق سريع بين القوى القادرة على فرض الاستقرار، أم تدفع أيضًا نحو قواعد تضمن ألا تتحول التسوية إلى احتكار جديد للسلطة؟
وبالنسبة إلى القوى الإقليمية، فإن أي انتقال في القيادة داخل الشرق قد يغير طبيعة قنوات التواصل والنفوذ، خصوصًا إذا اختلفت تفضيلات الأطراف بشأن الشخصيات التي ستقود المرحلة المقبلة. لكن لا ينبغي استنتاج أن جميع هذه القوى تعمل على حسم خلافة حفتر أو أنها اتفقت على مرشح بعينه. وما يمكن قوله هو أن مرحلة إعادة ترتيب السلطة تمنح الشركاء الخارجيين فرصة للتأثير في شكل التسوية، بينما تمنح القوى الليبية فرصة لاستخدام التنافس الخارجي لتعزيز مواقعها.
ومن هنا، فإن أخطر ما قد يحدث ليس بالضرورة تدخلًا خارجيًا مباشرًا، بل أن تتشكل ترتيبات داخلية وفق حسابات الاستقرار القصير الأمد ومصالح الشركاء، من دون بناء ضمانات وطنية تمنع احتكار القرار أو إعادة إنتاج الانقسام.
السيناريوهات الاستشرافية لما بعد حفتر
1- السيناريو الأول: انتقال منظم داخل الشرق واندماج تدريجي في تسوية وطنية: في هذا السيناريو، تتضح آليات توزيع الصلاحيات داخل القيادة الشرقية، وتنجح المبادرة الأمريكية والمسار الأممي في تحويل التفاهمات إلى خطوات مؤسسية قابلة للتنفيذ. ويُربط أي دور سياسي للقيادة العسكرية بقواعد واضحة للرقابة والمساءلة، مع تقدم في ملف الانتخابات وتوحيد الموارد. وسيكون هذا المسار الأكثر إيجابية، لكنه يتطلب أكثر من تفاهم بين القيادات؛ إذ يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تنفيذ القرارات، وإلى ضمانات تحول دون عودة الخلافات إلى صراع على السيطرة.
2- السيناريو الثاني: خلافة داخلية مع استمرار الانقسام الوطني: في هذا المسار، تتقدم قيادة جديدة داخل المنظومة الشرقية، لكن توحيد الدولة يتأخر أو يظل جزئيًا. وقد تتغير الوجوه والتحالفات من دون أن يتغير توزيع أدوات القوة بصورة جوهرية. وهذا السيناريو لا يعني بالضرورة اندلاع مواجهة، لكنه قد يرسخ نظامًا سياسيًا تتعايش فيه مؤسسات موحدة شكليًا مع مراكز قرار متنافسة فعليًا.
3- السيناريو الثالث: تنافس على الخلافة يضعف التماسك الداخلي: إذا ظهرت خلافات حادة بشأن الصلاحيات أو المواقع العسكرية أو العلاقات الخارجية، فقد يتراجع الانسجام داخل معسكر الشرق، خصوصًا إذا ارتبطت الخلافات بمصالح اقتصادية أو ترتيبات سياسية جديدة. ولا يعني ذلك أن انقسامًا عسكريًا أصبح وشيكًا، لكن أي مؤشرات على رفض القرارات أو تغير الولاءات أو تعطيل التنسيق الأمني ستكون ذات أهمية كبيرة في تقييم المخاطر.
4- السيناريو الرابع: انتقال التنافس إلى الجنوب والموارد: قد يتخذ التنافس شكلًا أقل مباشرة، عبر الضغط على الطرق والمرافق والمنشآت الاقتصادية أو عبر إعادة ترتيب السيطرة على مناطق الحدود. وفي هذه الحالة، لن يظهر الصراع بالضرورة في صورة مواجهة مفتوحة على القيادة، بل في القدرة على التأثير في تدفق الموارد والحركة عبر الحدود. وستزداد خطورة هذا المسار إذا تزامن مع استمرار الحرب السودانية وضعف الرقابة المؤسسية على طرق الإمداد.
مؤشرات الإنذار المبكر التي ينبغي مراقبتها
حتى لا يبقى الحديث عن “ما بعد حفتر” مجرد توقع سياسي، ينبغي متابعة مؤشرات قابلة للتحقق:
1- توزيع الصلاحيات العسكرية: هل تصدر قرارات واضحة تحدد العلاقة بين خليفة حفتر وصدام حفتر وبقية القيادات، أم تتداخل الاختصاصات؟
2- العلاقة بين البرلمان والقيادة الشرقية: هل يمارس مجلس النواب الجديد صلاحيات مستقلة، أم تتراجع قدرته على الاعتراض أو الرقابة؟
3- مضمون المبادرة الأمريكية: هل تظهر وثائق أو ترتيبات معلنة تحدد صلاحيات السلطة التنفيذية والقيادة العسكرية، أم تبقى المبادرة عند مستوى التصريحات؟
4- مواقف القوى الإقليمية: هل تتغير الاتصالات أو المواقف المعلنة تجاه الشخصيات الليبية الرئيسية، أم تستمر العلاقات القائمة دون مؤشرات على إعادة تموضع؟
5- الجنوب الليبي: هل تتغير السيطرة على الكفرة وقطرون والطرق الحدودية، وهل تقترن هذه التغييرات بتوحيد القيادة أم بزيادة نفوذ تشكيلات بعينها؟
6- شبكات الإمداد إلى السودان: هل تستمر المسارات التي وثقها تقرير الخبراء الأممي، أم تظهر أدلة على تعطيلها أو تحويلها أو انتقال السيطرة عليها؟
7- النفط والإنفاق العام: هل تُعتمد قواعد شفافة وموحدة للموارد، أم تستمر الخلافات حول إدارتها وتوزيعها؟
8- المسار الانتخابي: هل تتحول الاتفاقات إلى إجراءات قانونية ومؤسسية واضحة، أم تتجدد الخلافات التي عطلت الانتخابات في مراحل سابقة؟
إذا ظهرت مؤشرات متزامنة على انتقال الصلاحيات العسكرية، وتغير إدارة الموارد، وإعادة ترتيب السيطرة على الجنوب، فستزداد قوة فرضية أن ليبيا تمر بعملية أوسع لإعادة بناء مراكز القوة. أما إذا بقيت التطورات منفصلة ولم تظهر روابط مؤسسية أو ميدانية بينها، فينبغي تعديل التقدير وعدم فرض وحدة تفسيرية على أحداث قد تكون متباينة الأسباب.
الخلاصة: المعركة الحقيقية ليست على خليفة حفتر… بل على شكل الدولة التي ستبقى بعده
لا يمكن الجزم بأن انتقال القيادة في شرق ليبيا أصبح وشيكًا، ولا بأن واشنطن حسمت هوية السلطة المقبلة، ولا بأن التغييرات الأخيرة جزء من خطة إقليمية موحدة. لكن ما يمكن استنتاجه هو أن اجتماع التغيير في رئاسة البرلمان، وصعود صدام حفتر، والتحرك الأمريكي لتوحيد المؤسسات، واستمرار أهمية الجنوب في شبكات الإمداد الإقليمية، يجعل سؤال ما بعد حفتر ضرورة استراتيجية لا مجرد تكهن بشأن المستقبل.
إن ليبيا تقف أمام اختبار يتجاوز مصير الشخصيات: هل تستطيع تحويل مراكز القوة القائمة إلى مؤسسات تخضع لقواعد وطنية، أم ستكتفي بإعادة توزيع السلطة بينها؟
إذا انتقلت القيادة داخل الشرق من دون بناء مؤسسات مستقلة، فقد يستمر الانقسام الوطني حتى مع تبدل الوجوه. وإذا جرى توحيد المؤسسات من دون ضبط القرار العسكري والموارد، فقد تتحول التسوية إلى صيغة أكثر استقرارًا لإدارة النفوذ، لا لإنهائه. أما إذا رُبطت أي ترتيبات جديدة بالرقابة والمساءلة والانتخابات، فقد تتحول لحظة إعادة التوازن إلى فرصة لبناء دولة أكثر تماسكًا.
وستظل تداعيات ذلك ممتدة إلى الجنوب والحدود، حيث يمكن أن تؤثر السيطرة على الطرق والموارد في مسارات الحركة والإمداد المرتبطة بالسودان والساحل. لكن حجم هذا الأثر واتجاهه سيعتمدان على ما يحدث فعليًا على الأرض، لا على افتراض وجود مخطط شامل.
الصدمة الاستراتيجية الحقيقية هي أن ليبيا قد تدخل مرحلة ما بعد حفتر سياسيًا قبل أن تدخلها رسميًا: مرحلة يبدأ فيها اختبار الخلافة، وإعادة توزيع الصلاحيات، وتحديد من يملك مفاتيح الدولة، بينما لا تزال مؤسساتها الوطنية عاجزة عن حسم سؤال السيادة والقرار الموحد.
وإذا كان السؤال التقليدي هو من سيحكم ليبيا بعد حفتر، فإن السؤال الأهم والأكثر خطورة هو: هل ستنتقل ليبيا إلى دولة تحكمها المؤسسات، أم إلى منظومة جديدة تعيد إنتاج السلطة نفسها بوجوه وترتيبات مختلفة؟
هذا هو الفارق بين انتقال القيادة وبناء الدولة. وهو أيضًا الفارق الذي سيحدد ما إذا كانت التحولات الحالية مقدمة لتسوية وطنية، أم بداية فصل جديد من التنافس على السلطة داخل ليبيا وفي محيطها الإقليمي.



