قراءاة لتعليق الكسندر دوغين على مذكرة التفاهم الامريكية الايرانية

اعداد الدكتورة بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتجية الأمنية والعسكرية 23-06-2026
مازلت اتمعن في الأخبار ولا زلت أحاول فهم وقراءاة ما يحدث في الشرق الأوسط والعدوان الصهيوامريكي على إيران، ولا زلت اتابع تفاصيل مذكرة التفاهم الايرانية الأمريكية والشيطان يتربع في التفاصيل، فكل كلمة وهمسة وحركة خلفها الكثير من التبعيات والتأويلات والقراءات، لم اثق يوما بما يقوله الغرب ولا بما يقوله ترامب الماكر وجوقته، فالكل متفاهم إلاّ زعماء العرب لم يصلوا يوما الى تفاهم ولا الى إدراك… العالم اليوم على المحك يعيش أقذر وأصعب فترة من التعفّن الأخلاقي والقيمي، فلا معايير ولا قوانين تحكمه، نعيش فترة من المغالطات والمنعرجات والانحدارات…
فلقد اعتبر المفكر والفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين أن إبرام مذكرة التفاهم واتفاق وقف إطلاق النار يمثل انعكاساً لإنهيار قواعد القانون الدولي وسطوة “القوة الغاشمة” الأمريكية بل وانقاذا للامريكي وهو في مأزق كبير.
وتتركز أبرز مواقف “دوغين” حول هذا الاتفاق في النقاط التالية:
- رفض التفاوض: حذر “دوغين” سابقاً القيادة الإيرانية من أي تسوية، معتبراً أن مجرد الجلوس للتفاوض مع الولايات المتحدة يُعد تنازلاً، وأن استمرار الضغط الإيراني هو السبيل الوحيد لتحقيق انتصار حقيقي على القوة الغاشمة الأمريكية.
- تغير موازين القوى: يرى أن الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي المشترك ومن ثم توقيع مذكرة التفاهم قد غير قواعد السياسة الدولية بشكل جذري.
- سقوط الشرعية الدولية: انتقد دوغين بشدة مضامين الاتفاق، واعتبر أن إقدام الولايات المتحدة على ضرب إيران – وهي دولة ذات سيادة قبلت بالتفاوض لاحقاً – يؤكد أن العالم دخل عهداً تحكمه شريعة الغاب خارج إطار القوانين الدولية.
- خطر على روسيا: حذر من أن نجاح أمريكا في إخضاع إيران سيشجع الغرب على اتخاذ إجراءات وتدخلات مماثلة ضد دول سيادية أخرى، وفي مقدمتها روسيا.
وتأتي تحليلات دوغين في سياق نظرية “الأوراسية” التي يتبناها، والتي تدعو إلى توحيد روسيا وإيران والدول الآسيوية في جبهة موحدة لمواجهة الهيمنة الأمريكية.
كما علّق المفكر ألكسندر دوغين منذ بداية الحرب 28 فبراير 2026 أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران يُشير إلى انهيار القانون الدولي وبداية عهد جديد تُحكم فيه السياسة العالمية بالقوة الغاشمة وهو اليوم يعيد نفس القراءة بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، والتي يعتبرها هشّة وتخدم مصلحة الصهيوامريكية أكثر من إيران. كما حذّر دوغين من سقوط إيران في الفخ الأمريكي الصهيوني مما سيفتح الشاهية للقوى الغاشمة الغربية لإستباحة دول أخرى وخاصة روسيا.
وفي نفس السياق وبنفس الفكرة السابقة واستشرافه قال دوغين ان ما حدث في اليوم الأول من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران غيّر جذرياً موازين القوى في العالم وقواعد السياسة الدولية واسقط القناع عن الشرعية الدولية الموهومة.
وسبق أن صرّح ترامب بأن القانون الدولي غير موجود: “ما أعتبره أخلاقياً هو ما أعتبره أخلاقياً “. من حيث المبدأ، في أعقاب اختطاف مادورو وفرض سيطرة خارجية مباشرة على فنزويلا، والآن بعد الهجوم على دولة ذات سيادة ومستقلة إيران، مع التدمير المُستهدف للقيادة العسكرية والسياسية والدينية للبلاد وكل المعالم الاثرية والجامعات والمدارس- وهي دولة ذات سيادة كانت تتفاوض طواعية مع الولايات المتحدة – لم يعد من الممكن الحديث عن قواعد أو قوانين أو أي معايير للعلاقات الدولية في العالم ومن خان مرّة ونكث العهد بل لا عهد له سيفعلها مرة ومرات أخرى فالمحداثات اليوم في سويسرا ليست بالضرورة نهاية للعدوان وللهجوم فهؤولاء اختصاصهم الخيانة وبعدها يجلسون على طاولة التفاوض بكل وقاحة.
في الواقع، وبحسب الكسندر دوغين لم يعد يُطبّق في هذا العالم اللامتوازن إلا حقّ الأقوى، حقّ الأسرع وحقّ البربرية والغطرسة التي لا تراعي أية معايير أخلاقية ولا معايير قانونية ولا شرعية والبقاء للأقوى وليس بشريعة الغاب بل بشريعة الانسان المتوحش.
وكأننا اليوم أمام عالم متوحش يعتبر من يهاجم بسرعة ويتصرّف أسرع هو “المُحقّ” مع أننا لم نعد نعلم ما معنى محق او شرعي أو أقوى وخاصة لم يعد لدينا معنى او مفهوم “للأخلاق الانسانية” وكلّ ما عدا ذلك يصبح مجرّد تبرير إضافي.
أي أنّه من المهمّ الآن توجيه ضربة قاضية للعدو، وكسر مقاومته، وتدمير قيادته، وضرب منشآته العسكرية والحيوية والطاقة الرئيسية. بعد ذلك، يمكنك صياغة الأمر كما تشاء، وتبريره كما تشاء، وقضاء وقت طويل في التفكير فيه كما تشاء، وابرام اتفاق كما تشاء وفي الوقت الذي تشاء، فلا يمكن لأحد ان يحاسبك، ربما بعد مائات السنوات سيحاسبك كتاب التاريخ واستاذ التاريخ، وسيطرح طلبة التاريخ والسياسة اسئلتهم: كيف كانت هذه الشعوب تعيش وبأية معايير؟
وهل من الممكن استخلاص العبر منهم ومن تاريخهم الهمجي المقنن؟
هل فعلا نحن شعوب متوحشة نقتل ونسفك الدماء وبعدها نبرر ونعقد الصفقات والحوارات على جماجم الأخرين؟.
والكثير من الأسئلة التي ستطرحها الأجيال القادمة وخاصة وأننا سنترك لهم موروث ثقيل جدا…
وفي رجوعنا اليوم للواقع والى أرض الميدان بين التصريحات والتهديدات والمهاترات والنفاق والوساطات ستكون نهاية المطاف غير متوقعة، سيبدأ الجميع بالتصرف بالطريقة نفسها، متجاهلين كل شيء، ومبالغين في تقدير قدراتهم، بغض النظر عن وضعهم القانوني ولا وضعهم الحقيقي والصهيوامريكا ستكون السبّاقة كعادتها لإشعال فتيل الحرب في منطقة اخرى وفتح الجباهات والأمريكي التاجر والرأسمالي سينجر الى الدخول في مستنقع النار لأن المعايير والالتزامات الأخلاقية لم يعد لها قيمة تذكر.
وهذا سيمنح العديد من القوى الإقليمية الحرية مطلقة، فتفعل ما يحلو لها وكما تريد وطبعا بمبرراتها. وقد يؤدي هذا سريعًا إلى استخدام الأسلحة النووية، ربما في الصراع الباكستاني الأفغاني، وربما في صراعات أخرى، من المؤكد أنه لم تعد هناك قواعد تحكم الوضع وحينها ستسيطر “مملكة إبستين” الشيطانية على البشرية جمعاء.
وكما قال الكسندر دوغين أودّ التأكيد على أننا اليوم نستطيع القول إننا لا نتعامل فقط مع الغرب الليبرالي. فقد تلاشت الليبرالية واختفت من الساحة. لم يعد أحد يتحدث عن القيم الليبرالية أو الديمقراطية، فقد أصبح ذلك من الماضي.
الآن، تسود “عبادة بعل”، عبادة العجل الذهبي، عبادة القوة العالمية، عبادة الولايات المتحدة وإسرائيل. إنها حضارة عنف، وعبادة شيطانية، وأكل لحوم البشر، وانحراف، واستغلال جنسي للأطفال. وهذه “حضارة بعل” المستغلة جنسيًا للأطفال” تكشف عن نفسها أمام أعيننا وتشنّ هجومًا شرسًا بكل وقاحة ومن دون خجل ولا تردد.
إذا لم نجد في أنفسنا القوة الكافية لفهم الوضع الحالي وخاصة مكر الشيطان بعل وخدّامه، فسنجد أنفسنا في وضع كارثي عالمي، ولو توفرت لدينا الإرادة والعزيمة الكافيتان فيمكننا اقتناص الفرصة والخروج من هيمنة الشيطان وإعلان الاستقلال وفرض الحرية… ولكنني متشائمة جدا، فلا يوجد مؤشرات ولو حتى بسيطة، لأن منطقة الشرق الأوسط مازال المخيال الشعبي يستبطن عقدة النقص وعقدة الخوف والكثير من العقد المكبّلة للفكر الحر… لذا، إما أن نتحرك بشكل عاجل، أو سيصبح الوضع بالغ الصعوبة وشبه مستحيل. وإذا كنا لا نزال نتمسك بأي أوهام، فهذا يعني وجود زيف عميق متفشٍ داخل صفوفنا. ويتضح هذا جليًا في ما حدث في إيران، وهي كارثة ذات أبعاد عالمية وليست مذكرة تفاهم ولا جلوس على طاولة العدو والوسيط المطبّع.
في الهجوم على إيران فقد قُتل علماء عظماء، وقادة روحيون بارزون وسياسيون ومدنيون وأطفال ونساء ونسفت المدارس والمعاهد والكليات… وللمقارنة تخيلوا يا زعماء العرب لو قتل مفاتي “جمع مفتي” ورجال دين سنة ورؤسائكم وجميع العلماء والقادة وأطفال المدارس وهدمت الجامعات والمعالم الاثرية… في يوم واحد قتلوا كلهم بصواريخ “الشيطان بعل” فهل ستكون ردة فعلنا كما نحن اليوم عليها؟ هل يُعقل أن نبقى غير مبالين ونتظاهر بأنه لا يعنينا، وأنه ليس من شأننا؟
لذا، إذا تحملنا كل هذا والتزمنا الصمت وخاصة بررنا ودخلنا هذه الحرب بلعبة الورق من تحت الطاولة، فسيفعلون بنا الشيء نفسه في المرة القادمة بل وأتعس واكثر دمارا.



