أخبار العالمإفريقيا

إضراب قطاعي مرتقب في البنوك يعيد الجدل حول الحق النقابي والتوازنات الاقتصادية

تشهد تونس مجددًا توترًا اجتماعيًا في أحد أكثر قطاعاتها حساسية، مع إعلان الجامعة العامة للبنوك والمؤسسات المالية وشركات التأمين عن تنفيذ إضراب قطاعي يمتد لثلاثة أيام، وسط جدل متصاعد بين الطرف النقابي والمجلس البنكي والمالي حول مشروعية المطالب وحدود التأويل القانوني للحق في الإضراب.

ويأتي هذا التحرك في سياق مفاوضات اجتماعية متعثرة تتعلق أساسًا بالزيادات في الأجور بعنوان سنة 2025، إلى جانب ملفات مهنية أخرى تعتبرها النقابات عالقة منذ فترة، في حين يؤكد الطرف المقابل أن الزيادات قد تم إقرارها أو تفعيلها وفق الأطر القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.

أزمة تفاوض أم إعادة تموقع اجتماعي؟

تُظهر المعطيات المتداولة أن الإضراب المزمع لا ينفصل عن سياق أوسع يتمثل في جمود آليات التفاوض القطاعي، خصوصًا في القطاعات المالية التي تخضع لاتفاقيات مشتركة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والمجلس البنكي والمالي.

وتشير مصادر نقابية إلى أن قرار التصعيد جاء بعد “استنفاد كل محاولات الحوار”، بينما يعتبر المجلس البنكي والمالي أن الدعوة إلى الإضراب “غير مبررة”، مؤكدًا تمسكه بتطبيق الزيادات في إطار النصوص القانونية ذات الصلة، مع التلويح بآثار مالية مباشرة على الأعوان تشمل خصم أيام الإضراب من الأجور والمنح.

هذا التباين يعكس إشكالًا تقليديًا في القطاع البنكي التونسي، يتمثل في التوتر بين منطق الاستقرار المالي ومتطلبات الحماية الاجتماعية للأعوان.

الإطار القانوني: الحق في الإضراب وحدود الممارسة

من الناحية القانونية، يُعد الحق في الإضراب من الحقوق الدستورية في تونس، حيث يقرّ دستور 2022 مبدأ حرية العمل النقابي وحق الإضراب، مع إحالة تنظيمه إلى القانون.

ويخضع الإضراب في القطاع الخاص، بما فيه القطاع البنكي، إلى مجلة الشغل وإلى الاتفاقيات المشتركة القطاعية، التي تفرض عادة مسارًا إجرائيًا محددًا قبل اللجوء إلى التوقف عن العمل، أهمه:

  • المرور بمرحلة مفاوضات اجتماعية بين الطرفين
  • اللجوء إلى الوساطة أو الصلح عند الاقتضاء
  • احترام آجال الإعلام المسبق بالإضراب
  • ضمان استمرارية المرفق عند تعلق الأمر بأنشطة مالية حساسة

غير أن الإشكال القانوني يتعمق عند تطبيق هذه القواعد على القطاع البنكي، الذي يُصنف عمليًا ضمن “الأنشطة ذات التأثير الاقتصادي الواسع”، ما يطرح سؤال التوازن بين حق الإضراب ومبدأ استمرارية المرافق الحيوية للاقتصاد.

الإضراب في البنوك: بين المرفق الاقتصادي والقطاع الخاص المنظم

رغم أن البنوك ليست مرفقًا عامًا بالمعنى التقليدي، إلا أنها تؤدي وظائف مالية تعتبرها السلطات ضرورية لاستقرار الاقتصاد الوطني، مثل عمليات الدفع والتحويل وتمويل المؤسسات.

هذا الوضع الوسيط يخلق فراغًا قانونيًا نسبيًا: فهي مؤسسات خاصة من حيث التبعية القانونية، لكنها تخضع في الوقت نفسه لرقابة مالية مشددة من البنك المركزي ولقيود تنظيمية مرتبطة بالسياسة النقدية.

وبالتالي، فإن أي إضراب واسع في هذا القطاع يثير إشكاليات عملية تتعلق بـ:

  • تعطّل المعاملات المالية اليومية للأفراد والمؤسسات
  • تأثير مباشر على السيولة والدورة الاقتصادية
  • ضغط على النظام البنكي المركزي لإدارة الانعكاسات

موقف الأطراف: تباين في قراءة النصوص

يرتكز موقف الطرف النقابي على اعتبار أن الإضراب هو نتيجة مباشرة لانسداد مسار التفاوض وغياب استجابة فعلية للمطالب الاجتماعية، خاصة في ظل ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

في المقابل، يستند الطرف المؤجر إلى مقاربة قانونية-تعاقدية، تعتبر أن الاتفاقيات السابقة أو الإجراءات الحكومية الأخيرة كافية لتسوية ملف الأجور، وأن أي تحرك إضافي يفتقر إلى المبرر القانوني أو الاقتصادي.

هذا التباين لا يقتصر على الجانب الاجتماعي، بل يعكس أيضًا اختلافًا في تفسير الإطار القانوني المنظم للعلاقة الشغلية داخل القطاع المالي.

إشكالية الخصم من الأجور: بين القانون والممارسة

من النقاط المثارة أيضًا مسألة خصم أيام الإضراب من الرواتب، وهي ممارسة تستند في القانون التونسي إلى مبدأ “الأجر مقابل العمل”، حيث يُعتبر الامتناع عن العمل خلال الإضراب سببًا مشروعًا لعدم صرف الأجر عن تلك الفترة.

غير أن الجدل يتجدد حول مدى شمول الخصم للمنح والامتيازات، وحول ما إذا كانت بعض الامتيازات المكتسبة تدخل ضمن الأجر القابل للخصم أو لا، وهو ما يفتح الباب لتأويلات قضائية محتملة في حال حصول نزاعات فردية.

السيناريوهات المفتوحة في ظل غياب مؤشرات على تسوية وشيكة، تبقى عدة سيناريوه…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق