أخبار العالمأمريكاالشرق الأوسطبحوث ودراسات

تفكيك تقاطعات الإستراتيجية الأمريكية/السعودية وهندسة التمدد الميداني لـ “أنصار الله”

التقديم

يمر مسرح العمليات في شبه الجزيرة العربية والجيوبوليتيك المحيط بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب بتبدّل بنيوي حرج غير مسبوق. لا يتعلق هذا التبدل بمجرد زحزحة تكتيكية في خطوط الاشتباك أو مناكفات سياسية عابرة، بل بنقطة تقاطع استراتيجية تشهد إعادة هيكلة شاملة لموازين القوى.

وبحسب التقديرات يمر هذا الملف بمحورين مرطبطين غضويا وهما:

المحور الأول وهو يرابط ببيئة التحول في العلاقات الامريكية السعودية اذ لا تظهر البيانات الاستخباراتية والتحليلات البنيوية وجود انقلاب عقائدي او قطيعة استراتجية من قبل ادارة ترامب على المملكة العربية السعودية وبالذات على محمد بن سلمان، انما التحول الحقيقي يختصر يختصر من قبل ادارة ترامب هو انتقال العلاقات من صيغة المظلة الأمنية التلقائية الى نمط الأمن الصفقاتي المشروط هذا من ناحية.

اما المحور الثاني  فهو يتمحور حول اعتماد واشنطن الى عقيدة رفع كلفة الالتزام العسكري المباشر ومطالبة الأطراف الاقليمية بتحمل الحصة الأكبر من الفاتورة الأمنية، مع استخدام ملفات التسليح والدعم التقني كأوراق الضغط الاقتصادي والجيواقتصادي.

وفي المقابل اعادت الرياض نسج سلوكها الاستراتجي مما انتج التحوط المتعدد الابعاد، اذ تسعى الرياض لتأمين مشاريع التحوّل الاقتصادي الممتدة الى عقود قائمة عبر تقليل النزاعات المباشرة واستبدال المواجهة بالتفاهمات الاقليمية والمشريقية مع الصين وروسيا وايران وذلك من اجل تأمين حدودها الجنوبية وعدم انكشافها.

اما اليوم وفي هذا التقرير فإننا نطرح موضوع الواقع الميداني وحقيقته فلقد حققت الجماعة “انصار الله” توسعا ميدانيا نوعيا على الخطوط الحاكمة في الشريط الساحلي وفي محاور التماس المتاخمة للقطاعات النفطية والممرات المائية المباشرة.

ويعود هذا التمدد الى استغلال “انصار الله” لنهج الحرب الهجينة عالية الكثافة والاعتماد المتزايد على المسيرات قصيرة ومتوسطة المدى والتزجيه الصاروخي الدقيق بالتوازي مع التغلغل في الفراغات الأمنية.

كما يتغذى التمدد من واقع التفكك البنيوي داخل المعسكر المناهض للحوثيين من خلال تعدد الولاءات والانقسامت والقوات المشتركة والمكونات الجنوبية والفساد المالي الكبير مما ادى الى غياب غرف العمليات الموحدة وتحوّل الميدان للخصوم الى نقاط معزولة يسهل اسقاطها بالتتابع.

تكمن الإشكالية المركزية لهذا التقرير في تفكيك التناقض الظاهري بين “مقتضيات التحالف التقليدي” و”السلوك البراغماتي الواقعي” لكافة الأطراف الفاعلة، وذلك لإجابة السؤال الجوهري الحاكم للمشهد:

هل يعكس التمدد الميداني الحرج لحركة أنصار الله في اليمن انهياراً في شبكة الردع الإقليمية نتيجة تخلٍّ استراتيجي “انقلاب” أمريكي عن السعودية؟

أم أنه نتاجُ تلاقٍ غير معلن بين مسارين: استراتيجية أمريكية لإعادة تسعير الأمن، ورغبة سعودية في إدارة المخاطر وتفادي الحروب المباشرة؟

هل تُعبّر الضغوط والتكتيكات الأمريكية الحالية عن “انسحاب استراتيجي” يُترك فيه العمق السعودي كاشفاً أمام التهديدات؟

أم هي أدوات تفاوضية مشددة لإجبار الرياض على العودة إلى المدار الاستراتيجي الأمريكي بشروط مالية وسياسية جديدة؟

كيف يؤثر التحوط الدبلوماسي” السعودي تجاه إيران والصين على درجة الاستجابة الأمنية الأمريكية لردع التهديدات البحرية والبرية الحوثية؟

هل يعكس تقدم الحوثيين اختراقاً نوعياً في موازين القوى الذاتية وتفوقاً تكتيكياً حاسماً، أم أنه مجرد انعكاس طبيعي لفراغ القدرة وتصعّد الشقاق داخل المكونات اليمنية المقابلة بعد تراجع الدعم المباشر؟

ما هي الخطوط الحمراء الحقيقية التي قد تدفع القوى الإقليمية والدولية لإعادة التدخل المباشر لكسر القوة الهجومية للحوثيين قبل فرض واقع جيواقتصادي يغير معادلة الطاقة والملاحة العالمية بشكل دائم؟

إلى أي مدى يمكن للجماعة “أنصار الله” الذهاب في استثمار التناقضات الدولية-الإقليمية دون التسبب في زناد “رد فعلي عسكري مشترك” يعيد رسم خريطة السيطرة القسرية بالكامل؟

التقييم البنيوي للمحور الأمريكي/السعودي: تفكيك عقيدة الأمن الصفقاتي والتحوط

تؤكد المعطيات الاستخباراتية وتفكيك محركات صنع القرار في واشنطن والرياض أن فرضية “انقلاب” إدارة الرئيس دونالد ترامب على المملكة العربية السعودية تنطوي على اختزال غير دقيق لديناميات التحالف الشامل؛ إذ إن ما يشهده الملف لا يعبر عن انقطاع استراتيجي، بل عن تمايز واضح في الآليات والتكتيكات التشغيلية.

عقيدة “الأمن الصفقاتي” الإدارية وتكلفة الالتزام

  • اعادة تسعير الحماية: انتقلت الإدارة الأمريكية من مفهوم “التزام الحماية التلقائي” إلى نموذج “الأمن الصفقاتي المشروط . يقتضي هذا النموذج رفع تكلفة التواجد العسكري المباشر، ومطالبة الشركاء الإقليميين بتحمل الحصة الأكبر من الفاتورة المالية والعملياتية للبنية التحتية الدفاعية.
  • التسليح كأداة ضغط جيواقتصادي: تُوظّف واشنطن ملفات مبيعات السلاح، الدعم التقني، والصيانة الدورية للمنظومات الدفاعية كأوراق تفاوضية مشددة. الهدف من هذا التكتيك ليس إبقاء العمق السعودي كاشفاً أمام التهديدات، بل إجبار الرياض على العودة إلى المدار الاستراتيجي الأمريكي بشروط اقتصادية وتجارية جديدة تُعزز عائدات الداخل الأمريكي.

ميكانيزمات “التحوط متعدد الأبعاد” لدى الرياض

  • أدى استشعار الرياض لتغير طبيعة المظلة الأمريكية إلى اعتماد عقيدة “التحوط الجيواستراتيجي”. تمنح المملكة الأولوية المطلقة لتأمين حدودها الجنوبية ومشاريع “رؤية 2030” العملاقة ضد أي استهداف موجه، مما فرض عليها تجنب حروب الاستنزاف المباشرة.
  • يتجلى التحوط السعودي في تثبيت قنوات التفاهم مع طهران، وتوسيع نطاق الشراكات الجيواقتصادية مع بكين وموسكو. تُستخدم هذه العلاقات كشبكة ضغط موازية تُقلل من القدرة الأمريكية على ابتزاز الرياض أمنياً، وتُوفر للرياض هامش مناورة يضمن حماية أراضيها بمعزل عن التقلبات السياسية في واشنطن.

الواقع الميداني لتمدد حركة “أنصار الله”

لا ينبع الاختراق الميداني الأخير لحركة “أنصار الله” في الشريط الساحلي الغربي ومحاور التماس الحاكمة للممرات المائية والقطاعات النفطية من تفوق تسليحي مطلق لأنصار الله، بل يرتبط بتطوير الجماعة لعقيدتها القتالية ومراكمتها للثغرات الهيكلية لدى الخصوم فهي تعلم جيدا الواقع العسكري والدفاعي وخاصة عقيدة الخصوم الذين يعتبرهم الحوثي مرتزقة وتعويلهم الكامل على الجانب الأمريكي الذي هو اصلا غارق في المستنقع الايراني ومضطرب في الداخل بالانتخابات النصفية الأمريكية.

فماذا عن عقيدة القتال الهجين عالية الكثافة لدى انصار الله؟

طور أنصار الله نمطاً قتالياً يدمج بين اندفاعات المشاة الراجلة عالية التكيف، وتغطية استطلاعية وهجومية مكثفة عبر الطيران المسير قصير ومتوسط المدى، والأنظمة الصاروخية الموجهة. وترتكز التكتيكات الهجومية للجماعة على العثور على أطراف الجبهات ومفاصل الاتصال بين التشكيلات العسكرية المنافسة بدلاً من الاصطدام بالخطوط الدفاعية الصلبة، مما يؤدي إلى شل قدرة التشكيلات المحلية على الاستجابة المنظمة.

مالذي يحصل ميدانيا للمعسكر المناهض للحوثيين؟

  • غياب القيادة الموحدة وتضارب الولاءات اذا تعاني المكونات الميدانية المقابلة من القوات الحكومية، المكونات الجنوبية، والقوات المشتركة… من انقسام بنيوي وعقائدي حاد. غياب غرفة عمليات موحدة والعدد المحدود للموارد البشرية أدى إلى تحول المواقع العسكرية إلى نقاط عزلة جغرافية يسهل محاصرتها وإسقاطها بالتتابع.
  • ونقطة ضعف صدمت الرياض وهي تآكل الجاهزية اللوجستية وتفشي الفساد الذي اسهم في الاختلالات الماليّة والتنظيمية الشديدة في هيكلية السلطة والتشكيلات الميدانية المقابلة وقد تسبب في تراجع مستويات التجهيز، وهبوط المعنويات القتالية، والانكشاف الاستخباري، مما جعل تلك القوات غير قادرة على صمود طويل الأمد أمام هجمات مركزة.

التكتيكات العسكرية لأنصار الله:

تشير تقديرات تتبع الشحنات ومكونات المسيرات والمنظومات الصاروخية لـ “أنصار الله” إلى انتقال الجماعة من مرحلة “الاستيراد الكامل للأنظمة” إلى مرحلة التجميع المحلي القائم على تهريب قطع مجزأة ومزدوجة الاستخدام عبر شبكات معقدة. مما يجعل هذا التحول استراتيجية “الضربات الجوية الوقائية” أو التضييق البحري المباشر محدودة الفاعلية في شلّ القدرة الهجومية للجماعة على المدى القصير، مما يُعزز قدرتها على الاستمرار في القتال الهجين.

البعد الجيواقتصادي وحرب “الإنهاك المالي

يستهدف التمدد الحوثي نحو مشارف المناطق النفطية والموانئ شلّ قدرة الحكومة الشرعية على تصدير النفط والتحكم في الإيرادات الجمركية.

كما تسعى الجماعة إلى مقايضة وقف تصعيدها الميداني والبحر بشراكة مباشرة في عوائد الثروة الوطنية ودفع مرتبات القطاع العام من الموارد السيادية، مما يفرض على الإقليم إما تحمُّل الفاتورة المالية للحكومة الشرعية بشكل دائم، أو القبول بشروط المقاسمة المالية كأمر واقع.

كما تثبت الادلة التحليلية للمتدد الحوثي بأنه ليس نتيجة قطيعة علاقات بين الرياض وواشنطن او انهيار كامل للردع الاقليمي بل هو نتاج تقاطع بين مسارين براغميتين، مسار  واشنطن لتوظيف الضغط الميداني لرفع أسعار الحماية، ومسار الرياض لإدارة المخاطر وتفادي الحروب المباشرة.

وتتحدد خيارات الأطراف الفاعلة ومآلات المشهد الميداني عبر ثلاثة مسارات أساسية:

  • مسار تثبيت خطوط الأمر الواقع والتفاوض تحت الضغط وذلك تتوقف حركة أنصار الله عند حدود تكتيكية محددة تجنباً لإثارة رد فعل دولي قسري، وتُوظف مكاسبها الساحلية والميدانية لفرض شروط اقتصادية وسياسية متقدمة في أية مفاوضات قادمة كالملف المالي والموانئ، وبالتالي تكريس واقع سلطة الأمر الواقع مع إبقاء حالة “لا حرب ولا سلم” مسيطرة على المنطقة.
  • مسار الاصطدام بالخطوط الحمراء وتفعيل الردع المباشر وبالتالي تتجاوز الجماعة الخطوط الحمراء عبر تهديد كلي ومباشر لخطوط الملاحة في باب المندب، أو شن هجمات تستهدف البنية التحتية للطاقة في العمق السعودي. والنتيجة تكون بتفجير زناد رد عملياتي مشترك أمريكي/إقليمي يستخدم قوة جوية وبحرية كاسرة للتوازن لإعادة رسم خريطة السيطرة العسكرية وتجريد الجماعة من مكاسبها الأخيرة.
  • مسار إعادة الهيكلة العسكرية للمعسكر المقابل وبالتالي تدفع خطورة التمدد الحوثي الأطراف الإقليمية إلى التخلي عن سياسة الاحتواء الفردي، وفرض دمج قسري لكافة التشكيلات اليمنية المناهضة للحوثيين تحت قيادة عسكرية وأمنية موحدة، مما يتولد عنه إغلاق الفراغات العملياتية وإيقاف التمدد الحوثي عند الخطوط الدفاعية الحالية.

الخلاصة

إن العلاقات الأمريكية-السعودية لم تشهد قطيعة أو “انقلاباً”، بل خضعت لإعادة توزين صلبة؛ واشنطن ترفع ثمن التزامها الدفاعي، والرياض ترد بزيادة التحوط الدبلوماسي وتجنب الحروب المباشرة. أما التمدد الميداني لحركة أنصار الله فإنه حصيلة تداخل بين تفوق عقيدتها في القتال الهجين، وتفكك الجبهة المقابلة، وتقاطع الحسابات البراغماتية الدولية؛ غير أن هذا التمدد يظل مرهوناً بعدم تجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بالحدود السيادية وأمن الملاحة والطاقة العالمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق