باكستان–تركيا–مصر–السعودية: هل يعيد هذا التقارب رسم التوازن في الشرق الأوسط؟

اعداد إدريس احميد: قسم البحوث والدراسات الاستراتجية 24-04-2026
في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي، تتزايد القراءات التي تتحدث عن تقارب محتمل بين باكستان وتركيا ومصر والسعودية، في إطار لا يبدو تحالفًا تقليديًا بقدر ما هو إعادة تموضع استراتيجي تقوده المصالح الاقتصادية والجيوسياسية أكثر من الاصطفافات الصلبة.
السؤال الجوهري هنا لا يتعلق فقط بإمكانية تشكل هذا التقارب، بل بمدى قدرته على الاستمرار والتحول من تفاهمات ظرفية إلى مسار مستقر، أم أنه سيظل انعكاسًا مباشرًا لضرورات المرحلة وتوازنات النظام الدولي المتغير.
اقتصاديًا، تمتلك هذه الدول عناصر قوة متكاملة؛ فـالسعودية تمثل ثقلًا ماليًا عالميًا ومركزًا للطاقة، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متنامية، بينما توفر مصر موقعًا جغرافيًا محوريًا وسوقًا بشرية واسعة، وتضيف باكستان عمقًا سكانيًا وقدرات عسكرية تشمل الردع النووي. هذا التكامل يفتح المجال أمام شبكة مصالح ممتدة من شرق المتوسط إلى جنوب آسيا، تشمل الطاقة والممرات التجارية وسلاسل الإمداد والاستثمار.
ومع تعمق هذا التشابك الاقتصادي، يبرز سؤال آخر أكثر حساسية:
هل يمكن أن يبقى التعاون اقتصاديًا فقط دون أن يتحول إلى تنسيق سياسي وأمني؟
فالتجارب الدولية تشير إلى أن المصالح الاقتصادية المشتركة غالبًا ما تدفع تدريجيًا نحو ترتيبات سياسية لحمايتها، ما يعني أن أي تقارب اقتصادي واسع قد ينتج عنه تنسيق سياسي مرن، وربما تفاهمات أمنية محدودة، دون أن يصل بالضرورة إلى تحالف عسكري صلب أو إطار مؤسسي مغلق.
لكن هذا المسار لا يتحرك في فراغ، بل داخل نظام دولي معقد، حيث تحاول هذه الدول الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع الولايات المتحدة من جهة، ومع الصين وروسيا من جهة أخرى، دون الانخراط الكامل في أي محور دولي مغلق. وهنا يصبح التقارب المحتمل أقرب إلى “شبكة مصالح مرنة” منه إلى تحالف تقليدي.
في المقابل، لا يمكن تجاهل موقع قوى إقليمية أخرى في هذه المعادلة. فـإيران تبقى لاعبًا محوريًا في الإقليم وقد تنظر إلى أي اصطفاف جديد باعتباره عامل إعادة توازن أو تحديًا مباشرًا لنفوذها. أما الجزائر فتواصل سياسة الحذر وعدم الانخراط في محاور صلبة، مفضلة الاستقلالية في القرار، بينما يتسم موقف المغرب بالبراغماتية والانفتاح على الشراكات المتعددة دون التزام بمحور واحد. هذا التباين يجعل أي تكتل ناشئ غير مكتمل جغرافيًا وسياسيًا، ويعكس طبيعة النظام الإقليمي القائم على التعدد والتنافس.
من زاوية أخرى، فإن إسرائيل قد تنظر إلى أي تقارب إقليمي واسع باعتباره احتمالًا لإعادة تشكيل موازين القوة، خاصة إذا تطور من تعاون اقتصادي إلى تنسيق سياسي وأمني أكثر وضوحًا، لكن هذا التقدير يبقى مرتبطًا بمدى تماسك هذا المسار وباستمرار تشابك علاقات بعض أطرافه مع الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة.
أما شروط نجاح هذا التقارب، فهي ليست بسيطة ولا تلقائية؛ إذ تتطلب وضوح الهدف بين الاقتصادي والسياسي، وإدارة التباينات بين الأطراف، وتحويل التعاون إلى مشاريع ملموسة، مع الحفاظ على توازن العلاقات الدولية، وتجنب الانزلاق إلى منطق المحاور الصدامية.
وفي المحصلة، فإن العالم لا يبدو متجهًا نحو تحالفات صلبة بقدر ما يتجه نحو شبكات مصالح مرنة ومعقدة، حيث يصبح الاقتصاد نقطة الانطلاق، والسياسة أداة تنظيم، والأمن نتيجة لاحقة.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل يتحول هذا التقارب إلى عامل استقرار يعيد ضبط التوازنات في الشرق الأوسط، أم إلى بداية مرحلة جديدة من التنافس الدولي وإعادة رسم خرائط النفوذ؟



