الهيمنة الأمريكية في ظل ضغوط الاستنزاف الاستراتيجي: حدود القوة وإشكالية استدامة النفوذ العالمي

اعداد أمل التوكابري : قسم الاخبار الدولية 12-10-2026
بين تصاعد أعباء الدين العام، وكلفة المواجهة مع إيران، وتنامي القدرات الصينية، تواجه الولايات المتحدة اختبارًا استراتيجيًا يتجاوز إدارة الأزمات الآنية إلى مدى قدرتها على صون المقومات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية التي يستند إليها موقعها في النظام الدولي.
استدامة القوة في مواجهة تصاعد الالتزامات
تواجه الولايات المتحدة معادلة استراتيجية تتسم بتزايد التعقيد، في ظل سعيها إلى المحافظة على موقعها القيادي في نظام دولي تتسع فيه المنافسة بين القوى الكبرى، وتتزايد فيه كلفة الالتزامات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية. فالمقومات التي أسهمت في ترسيخ التفوق الأمريكي، وفي مقدمتها قوة الاقتصاد، ومركزية الدولار، والتقدم التكنولوجي، والقدرة على الانتشار العسكري العالمي، أصبحت مطالبة بأداء وظيفة مزدوجة: تمويل الحضور الخارجي من جهة، وضمان التجدد الداخلي لمصادر القوة من جهة أخرى
وتتداخل في هذا السياق مجموعة من الضغوط، تشمل تنامي الدين العام، وتعدد بؤر التوتر الإقليمي، وكلفة العمليات العسكرية، وتسارع المنافسة مع الصين في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والأمن. ولا تكمن الإشكالية في وجود هذه الضغوط منفردة، بقدر ما تكمن في تزامنها، وما قد يترتب عليه من مفاضلات بين متطلبات الاستجابة للأزمات الراهنة وضرورات الاستثمار في مصادر التفوق المستقبلي.
ومن ثم، لا يتمثل السؤال المركزي في ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال تمتلك موارد القوة المادية، بل في مدى قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى نفوذ سياسي مستدام، من دون أن تؤدي كلفة المحافظة على موقعها الدولي إلى إضعاف الأسس الاقتصادية والتكنولوجية التي يقوم عليها ذلك الموقع. وتقتضي الإجابة تحليل العلاقة بين الاستدامة المالية، والجاهزية العسكرية، والمنافسة الجيوسياسية، والتحولات البنيوية في توزيع القوة داخل النظام الدولي.
أولًا: الدين العام والاستدامة المالية للقيادة الأمريكية
يمثل الدين الفيدرالي الأمريكي أحد المؤشرات الأساسية لفهم القيود المالية التي قد تواجه صانع القرار في واشنطن عند الموازنة بين الالتزامات الخارجية ومتطلبات التنمية الداخلية. ووفقًا لتوقعات مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي الصادرة في مارس 2025، يُتوقع أن يرتفع الدين العام المملوك للجمهور إلى نحو 107% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، ثم إلى 156% بحلول عام 2055، وفق الافتراضات المالية المعتمدة في تلك التوقعات. ويشير هذا المسار إلى احتمال تزايد أعباء خدمة الدين، وما قد ينجم عنها من تضييق تدريجي لهامش المناورة المالية المتاح للحكومة الفيدرالية
ولا تقتصر دلالة هذه المؤشرات على حجم الالتزامات المالية المتراكمة، بل تمتد إلى طبيعة توزيع الموارد العامة بين الإنفاق الدفاعي، وخدمة الدين، والاستثمارات الإنتاجية طويلة الأجل، بما فيها البنية التحتية والتعليم والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي. فالقوة الدولية لا تُقاس فقط بحجم الموارد التي تستطيع الدولة تعبئتها في لحظة معينة، وإنما كذلك بقدرتها على إعادة إنتاج هذه الموارد وتوسيع قاعدتها الاقتصادية والمعرفية بمرور الزمن.
وفي هذا الإطار، يرى نصر الدين صاري، الخبير في الشأن الاقتصادي والأمين العام للمركز الجزائري للدراسات الاقتصادية، في تصريح لجريدة «الأيام نيوز»، أن واشنطن تواجه معضلة تتعلق بضرورة تمويل التزاماتها الدولية والعسكرية، بالتوازي مع الحفاظ على الأسس الإنتاجية والتكنولوجية التي تستند إليها مكانتها العالمية. وتبرز أهمية هذه القراءة في أنها تنقل النقاش من مجرد ارتفاع الإنفاق إلى مسألة كفاءة تخصيص الموارد، ومدى توافق الالتزامات الخارجية مع متطلبات التجدد الاقتصادي الداخلي
ومع ذلك، ينبغي عدم التعامل مع ارتفاع الدين العام بوصفه دليلًا تلقائيًا على تراجع الهيمنة الأمريكية. فالأثر الفعلي للدين يتوقف على مجموعة من المتغيرات، تشمل تكلفة الاقتراض، ومعدلات النمو، والإنتاجية، والقدرة على تعبئة الإيرادات العامة، وطبيعة الطلب العالمي على الأصول المالية الأمريكية. كما أن امتلاك الولايات المتحدة أسواقًا مالية عميقة ودورًا محوريًا للدولار في المعاملات الدولية يمنحها مزايا تمويلية لا تتوافر بالدرجة نفسها لمعظم الاقتصادات الأخرى.
وتعكس بيانات صندوق النقد الدولي استمرار هذه المركزية؛ إذ بلغت حصة الدولار نحو 56.77% من الاحتياطيات العالمية الموزعة حسب العملات في الربع الأخير من عام 2025، مقابل 20.25% لليورو و1.95% لليوان الصيني، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المعتمدة لهذا التقرير. وتوفر هذه المكانة لواشنطن قدرة مهمة على جذب رؤوس الأموال وتمويل الاقتراض، غير أنها تظل مرتبطة بالثقة في استقرار الاقتصاد الأمريكي ومؤسساته وقدرته على الوفاء بالتزاماته
وعليه، فإن التحدي المالي الأمريكي لا يتمثل في الدين العام باعتباره رقمًا منفصلًا عن بقية المؤشرات، وإنما في العلاقة بين مساره المستقبلي، وكلفة خدمته، ومعدلات النمو، وقدرة الدولة على المحافظة على استثماراتها الاستراتيجية. فالمشكلة المحتملة تنشأ عندما تتزايد الالتزامات المالية الثابتة على نحو يحد من الموارد المتاحة لتطوير مصادر القوة التي تضمن استمرار التفوق.
ثانيًا: المواجهة مع إيران وكلفة الاستنزاف العسكري
تكشف المواجهة الأمريكية مع إيران عن جانب آخر من معضلة استدامة القوة، يتمثل في الفجوة المحتملة بين الكلفة المباشرة للعمليات العسكرية والتداعيات الاستراتيجية الأوسع المترتبة عليها. فإلى جانب النفقات المرتبطة بالذخائر والوقود وساعات الطيران والنقل والإمداد، تفرض العمليات الممتدة أعباء إضافية تتصل بحماية القوات والمنشآت، وتعويض المعدات المستهلكة، وإعادة تكوين المخزونات العسكرية، والمحافظة على مستويات الجاهزية المطلوبة في مسارح عمليات أخرى
ووفق التقديرات الواردة في النص الأصلي، بلغت الكلفة المباشرة للعمليات الأمريكية نحو 38 مليار دولار حتى الأول من أغسطس 2026، مع احتمال إضافة ما بين ملياري وثلاثة مليارات دولار شهريًا تبعًا لشدة العمليات. كما أورد النص تقديرًا لاحقًا نقلته صحيفة «واشنطن بوست»، يشير إلى ارتفاع الكلفة إلى نحو 43.6 مليار دولار حتى مطلع سبتمبر من العام نفسه، بينها نفقات مرتبطة بتعويض الذخائر المستهلكة
وتتطلب هذه الأرقام، قبل اعتمادها في النسخة النهائية، التحقق من التقارير الأصلية وتحديد الجهة التي أعدت كل تقدير، والفترة الزمنية التي يغطيها، وما إذا كان يشمل النفقات المباشرة وحدها أو التكاليف الإضافية المتوقعة أيضًا. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن اختلاف منهجيات الاحتساب قد يؤدي إلى تفاوت ملحوظ في تقدير الكلفة الإجمالية للحرب
غير أن التحليل الاستراتيجي لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإنفاق المالي. فالمعدات العسكرية المتقدمة لا يمكن تعويضها دائمًا بالسرعة نفسها التي تُستهلك بها، إذ ترتبط إعادة إنتاجها بالطاقة الصناعية، وتوافر المكونات المتخصصة، وكفاءة سلاسل الإمداد، والقدرة على توسيع الإنتاج في فترات زمنية قصيرة. ومن ثم، قد تتحول العمليات الممتدة إلى ضغط مزدوج يجمع بين استنزاف الموارد المالية وتقليص المرونة العملياتية إذا لم تتوافر القدرة الكافية على تعويض المخزونات المستهلكة
وفي هذا السياق، يحذر صاري من أن كلفة استهلاك الذخائر والمعدات المتقدمة تتجاوز الإنفاق المسجل أثناء العمليات، ولا سيما عندما تتزامن متطلبات إعادة بناء المخزونات مع التزامات الردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتكشف هذه المسألة عن أهمية الربط بين إدارة الصراعات الإقليمية والمحافظة على الجاهزية اللازمة للمنافسة الاستراتيجية بعيدة المدى.
ومع ذلك، لا يكفي ارتفاع كلفة الحرب وحده لإثبات حدوث استنزاف استراتيجي حاسم. إذ يتوقف تقييم الأثر الفعلي على مدة العمليات، والأهداف التي تحققت، وحجم الخسائر، وسرعة تعويض المعدات، وقدرة التحالفات على تقاسم الأعباء. ولذلك، فإن المعيار الأهم ليس مقدار ما تنفقه الولايات المتحدة فحسب، بل مدى قدرتها على تحويل الإنفاق العسكري إلى نتائج سياسية وأمنية تتناسب مع كلفته.
ثالثًا: الإنفاق الدفاعي والمنافسة الصينية على مصادر التفوق
تؤكد مؤشرات الإنفاق العسكري استمرار التفوق الأمريكي من حيث الحجم الإجمالي للموارد المخصصة للدفاع، بالتزامن مع توسع القدرات العسكرية الصينية. ووفق البيانات المنسوبة إلى معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري الأمريكي نحو 954 مليار دولار في عام 2025، مقابل 336 مليار دولار للصين، في حين وصل الإنفاق العسكري العالمي إلى نحو 2.887 تريليون دولار
وتبرز هذه الأرقام اتساع الفجوة في الإنفاق بين البلدين، لكنها لا توفر، بمفردها، مقياسًا مكتملًا للقوة العسكرية أو القدرة على استخدامها بفاعلية. فالتفوق الدفاعي يتوقف كذلك على نوعية التكنولوجيا، وكفاءة منظومات القيادة والسيطرة، ومستوى التدريب، والقدرة على إنتاج الأسلحة وتعويضها، ومدى ملاءمة القدرات العسكرية للأهداف الاستراتيجية المحددة
كما أن المنافسة بين واشنطن وبكين تتجاوز المجال العسكري التقليدي لتشمل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة المتقدمة، والفضاء، والأمن السيبراني، والصناعات ذات الاستخدامات المدنية والعسكرية. وتزداد أهمية هذه المجالات لأنها تؤثر في الإنتاجية الاقتصادية وفي القدرة على تطوير منظومات الدفاع والاستخبارات والاتصالات، بما يجعل التفوق التكنولوجي أحد المحددات الأساسية للقوة في النظام الدولي المعاصر
وفي قراءته لجريدة «الأيام نيوز»، يربط الدكتور ميلود ولد الصديق، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والباحث والكاتب الأكاديمي، بين مخاطر التمدد الاستراتيجي واتساع مسارح الانتشار، والضغط على جاهزية القوات، وسرعة استهلاك الذخائر، وقدرة الصناعات الدفاعية على تعويض المعدات المستخدمة. ويؤكد هذا المنظور ضرورة تقييم الإنفاق العسكري في ضوء نتائجه العملياتية والسياسية، بدل الاكتفاء بمقارنة الميزانيات الوطنية
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى المنافسة مع الصين باعتبارها اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على حماية تفوقها النسبي في المجالات التي ستحدد موازين القوة مستقبلًا. فاستمرار تخصيص الموارد لإدارة الأزمات الراهنة قد يفرض مفاضلات مالية وصناعية، لكنه لا يعني بالضرورة تراجعًا حتميًا، ما دامت واشنطن قادرة على تحديث صناعاتها، وتعزيز الابتكار، والاستفادة من شبكة تحالفاتها وشراكاتها التكنولوجية
رابعًا: من الشرق الأوسط إلى المحيطين الهندي والهادئ.. معضلة توزيع الموارد
تطرح المواجهة مع إيران إشكالية تتجاوز نطاقها الإقليمي، إذ ترتبط بتوزيع الموارد العسكرية والاهتمام السياسي الأمريكي بين الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ففي الشرق الأوسط، تشمل الأولويات حماية القوات والمنشآت، وأمن إسرائيل والشركاء في الخليج، وسلامة الملاحة وإمدادات الطاقة. أما في آسيا، فتتمحور التحديات حول المنافسة مع الصين، والحفاظ على التوازنات البحرية، وضمان الجاهزية العسكرية والتكنولوجية على المدى الطويل.
وتبرز هنا أهمية مفهوم «كلفة الفرصة البديلة»، الذي يشير إلى ما تتخلى عنه الدولة أو تؤجله عندما تخصص مواردها لخيار معين بدلًا من بدائل أخرى. فالموارد الموجهة إلى عمليات عسكرية ممتدة قد لا تكون متاحة بالقدر نفسه لتعزيز القدرات الصناعية أو تمويل البحث والتطوير أو دعم الانتشار العسكري في مناطق أخرى
ويرى ولد الصديق أن تعدد الالتزامات قد يرفع كلفة القيادة الأمريكية ويزيد الضغط على قدرتها على الاستجابة المتزامنة للأزمات. وقد يشجع ذلك بعض الدول على تنويع شراكاتها الدولية أو تعزيز استقلالها الاستراتيجي، كما قد يدفع المنافسين إلى اختبار حدود الردع الأمريكي في ساحات مختلفة
غير أن هذه النتيجة ليست حتمية؛ إذ يمكن لشبكة التحالفات الأمريكية أن تعمل بوصفها مصدرًا لتقاسم الأعباء وتوسيع القدرة على الاستجابة. كما أن التنسيق الدفاعي والتكنولوجي مع الشركاء قد يخفف بعض الضغوط على الموارد الأمريكية، شريطة أن يترافق مع توزيع أكثر توازنًا للمسؤوليات وتوافق واضح بشأن المصالح والأهداف.
وتظل المسألة الأساسية مرتبطة بقدرة واشنطن على تحقيق التناسب بين الوسائل والغايات. فالتفوق العسكري قد يتيح تحقيق أهداف تكتيكية في ساحة معينة، لكنه لا يضمن بالضرورة تسوية أسباب الصراع أو إقامة ترتيبات أمنية مستقرة. وقد تتسع الكلفة الاستراتيجية عندما تستمر العمليات من دون أفق سياسي واضح، أو عندما تصبح المحافظة على المكاسب العسكرية مشروطة بحضور طويل الأمد.
وبالتالي، فإن نجاح السياسة الأمريكية لا يتوقف على قدرتها على إدارة أكثر من أزمة في وقت واحد فحسب، بل يشمل أيضًا تحديد الأولويات، وتقدير المخاطر، وربط الأدوات العسكرية بمسارات سياسية ودبلوماسية قابلة للاستمرار.
خامسًا: الهيمنة الأمريكية بين التكيف وتراجع التفوق النسبي
على مستوى النظام الدولي، لا تشير التحولات الراهنة بالضرورة إلى انهيار الهيمنة الأمريكية، بقدر ما تعكس بيئة أكثر تنافسية تتوزع فيها مصادر القوة بصورة متزايدة. فما تزال الولايات المتحدة تتمتع بمزايا مهمة، تشمل مركزية الدولار، وعمق أسواقها المالية، وشبكة تحالفاتها، وقدراتها العسكرية العالمية، ومؤسساتها البحثية والتكنولوجية. وفي المقابل، توسع الصين حضورها الصناعي والتجاري والتكنولوجي والدبلوماسي، فيما تسعى قوى أخرى إلى تنويع علاقاتها الخارجية وتعزيز استقلالية قراراتها.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة التمييز بين ثلاثة مفاهيم مترابطة لكنها غير متطابقة: التفوق المادي، والهيمنة، والقيادة الدولية. فالتفوق المادي يرتبط بامتلاك الموارد والقدرات، بينما تتصل الهيمنة بالقدرة على التأثير في قواعد النظام الدولي وتوجيه مساراته، أما القيادة فتتطلب، إلى جانب القوة، بناء التحالفات وتوفير المنافع المشتركة وإقناع الأطراف الأخرى بجدوى الترتيبات التي تقترحها الدولة القائدة
وبناء على هذا التمييز، قد تحتفظ واشنطن بتفوق واضح في مجالات عسكرية ومالية وتكنولوجية، في الوقت الذي تواجه فيه قيودًا متزايدة على قدرتها على فرض خياراتها بصورة منفردة. فامتلاك الموارد لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق جميع الأهداف السياسية، كما أن ارتفاع كلفة التدخل الخارجي قد يدفع الحلفاء والخصوم على السواء إلى إعادة تقييم حساباتهم بشأن مدى استدامة الالتزامات الأمريكية.
وفي قراءته لمستقبل القوة الأمريكية، يطرح صاري ثلاثة مسارات محتملة: استمرار التفوق مع التكيف مع التحولات الدولية؛ وإعادة ترتيب الالتزامات الخارجية وتوسيع تقاسم الأعباء مع الحلفاء؛ أو تراجع نسبي في القدرة على التأثير نتيجة تراكم الضغوط المالية والعسكرية وضعف الاستثمار في مصادر القوة المستقبلية
ولا تمثل هذه المسارات تنبؤات حتمية، بل احتمالات تتوقف على تفاعل مجموعة من المتغيرات، في مقدمتها النمو الاقتصادي، والإنتاجية، والابتكار، وكفاءة الإنفاق العام، وقدرة الصناعات الدفاعية على الاستجابة للطلب، وفاعلية التحالفات الأمريكية. كما يتوقف المسار المستقبلي على مدى نجاح واشنطن في إدارة الأزمات من دون السماح لها باستنزاف الموارد الضرورية للمنافسة طويلة الأجل
وتتقاطع هذه القراءة مع طرح ولد الصديق بشأن أهمية ضبط الالتزامات الاستراتيجية وتحديد المصالح الحيوية. فالمخاطر الأشد حساسية لا تنشأ بالضرورة عن كثرة الالتزامات في حد ذاتها، وإنما عن احتمال اتساعها من دون موارد كافية أو أهداف سياسية واضحة. وفي المقابل، قد يتيح تقاسم الأعباء، وإعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز الاستثمار الإنتاجي والتكنولوجي، الحفاظ على النفوذ الأمريكي ضمن بيئة دولية أشد تنافسية
خاتمة: تجديد مصادر القوة بوصفه شرطًا لاستدامة النفوذ
تكشف العلاقة بين الدين العام، وكلفة العمليات العسكرية، والمنافسة الصينية عن أن التحدي الأمريكي الراهن لا يمكن اختزاله في مسألة الإنفاق أو الانتشار العسكري، بل ينبغي فهمه في إطار أوسع يتعلق باستدامة مصادر القوة. فالمحافظة على موقع قيادي في النظام الدولي تتطلب القدرة على تمويل الالتزامات الخارجية، وتجديد القاعدة الصناعية والتكنولوجية، والحفاظ على الجاهزية العسكرية، وصون الثقة في الاقتصاد والمؤسسات، إلى جانب بناء تحالفات قادرة على تقاسم المسؤوليات
ولا تكفي المؤشرات المالية والعسكرية وحدها لإثبات تراجع حتمي في الهيمنة الأمريكية، كما لا يضمن التفوق الراهن استمرارها بصورة تلقائية. إذ تتوقف النتيجة على كيفية إدارة الموارد، ومدى التناسب بين الأهداف الاستراتيجية والوسائل المتاحة، وقدرة الاقتصاد الأمريكي على تحويل الابتكار والإنتاجية إلى مزايا مستدامة
وعليه، فإن الإشكالية المركزية التي تواجه واشنطن تتمثل في كيفية المحافظة على نفوذ عالمي واسع من دون أن تتحول كلفة القيادة إلى عامل يضعف مقوماتها الداخلية. وفي عالم تتزايد فيه المنافسة وتتعدد فيه مراكز التأثير، قد لا يكون الاختبار الحاسم هو قدرة الولايات المتحدة على إظهار قوتها في كل ساحة، بل قدرتها على تحديد المجالات التي تستحق تركيز مواردها، وتحويل التفوق المادي إلى نتائج سياسية مستقرة، وتجديد الأسس الاقتصادية والتكنولوجية التي تتيح لها مواصلة التأثير في النظام الدولي
وبهذا المعنى، لا يتحدد مستقبل الهيمنة الأمريكية بمؤشرات الاستنزاف وحدها، وإنما بقدرة الدولة على التكيف مع القيود، وإعادة ترتيب الأولويات، وتحقيق التوازن بين إدارة الأزمات الراهنة والاستثمار في مصادر القوة المستقبلية. فاستدامة النفوذ لا تتطلب امتلاك القوة فحسب، بل تتطلب أيضًا إدارة كلفتها وتجديد شروطها



