أخبار العالم

عراقجي يعرض وساطة إيرانية بين السعودية واليمن: تحرك دبلوماسي لاحتواء التصعيد ومنع اتساع المواجهة الإقليمية

أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي استعداد بلاده لتقديم المساعدة من أجل إطلاق حوار بين السعودية واليمن والتوصل إلى حل سياسي للأزمة القائمة، وذلك خلال اتصال هاتفي أجراه مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، يوم الأحد 11 أكتوبر 2026، لبحث التطورات الإقليمية المتسارعة وسبل احتواء التصعيد. ويأتي هذا التحرك في مرحلة تشهد فيها المنطقة ارتفاعًا حادًا في مستوى التوترات العسكرية، على خلفية تصاعد الهجمات التي تنفذها جماعة أنصار الله الحوثية ضد أهداف داخل الأراضي السعودية، بما في ذلك منشآت ومرافق مدنية، وهو ما يثير مخاوف من اتساع رقعة المواجهة وعودة الصراع اليمني إلى مرحلة أكثر خطورة.

وأكد عراقتشي خلال الاتصال أن الإصرار على اعتماد الخيار العسكري وتجاهل الحلول السياسية من شأنه أن يزيد الأوضاع تعقيدًا، مشددًا على أن الأزمات التي تشهدها المنطقة لا يمكن تسويتها بالوسائل العسكرية وحدها. وأبدى استعداد طهران لتقديم ما يلزم من مساعدة لتسهيل بدء الحوار بين السعودية واليمن وتهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى تسوية سياسية. وفي المقابل، أفادت وزارة الخارجية السعودية بأن الاتصال تناول التصعيد الأخير في المنطقة والجهود المبذولة للتعامل معه، دون الإعلان عن تفاصيل إضافية بشأن موقف الرياض من العرض الإيراني أو مدى استعدادها لقبوله.

تصعيد عسكري يعيد الأزمة اليمنية إلى واجهة التوترات الإقليمية

يأتي التحرك الإيراني في ظل تدهور أمني متسارع، عقب سلسلة من الهجمات التي استهدفت مواقع داخل السعودية، من بينها مطار الملك خالد الدولي في الرياض. وقد أسفر هجوم صاروخي استهدف المطار يوم السبت 10 أكتوبر/تشرين الأول عن سقوط قتلى ومئات الجرحى، وفقًا للسلطات السعودية، فيما شهد المطار هجومًا آخر في اليوم التالي أدى إلى مقتل شخص وإصابة 11 آخرين، بحسب تقارير إعلامية. وقد رفعت هذه التطورات مستوى القلق بشأن أمن المنشآت المدنية والبنية التحتية الحيوية، وأثارت مخاوف من اتساع نطاق المواجهات بين السعودية والحوثيين.

وتعكس هذه الهجمات تحولًا خطيرًا في مسار الصراع، إذ لم تعد تداعيات الحرب اليمنية محصورة في مناطق المواجهات داخل اليمن، بل باتت تمتد إلى العمق السعودي، بما يحمله ذلك من مخاطر على أمن المدنيين واستقرار المنطقة. كما أن استهداف المطارات والمنشآت الحيوية يضع السلطات السعودية أمام ضغوط متزايدة للرد عسكريًا، في وقت قد يؤدي فيه توسيع العمليات إلى تعقيد فرص التهدئة وإعادة الأطراف إلى مسار تفاوضي.

وفي المقابل، يهدد استمرار التصعيد بتقويض ما تبقى من فرص احتواء النزاع عبر التفاهمات السياسية، خصوصًا في ظل تداخل الجبهات الإقليمية وتشابك الحسابات الأمنية بين القوى المعنية. فكلما اتسعت دائرة الاستهدافات، ازدادت احتمالات تحول المواجهة إلى صراع إقليمي أوسع، بما قد يترتب عليه من تداعيات إنسانية واقتصادية وأمنية تتجاوز حدود اليمن والسعودية.

الوساطة الإيرانية بين فرص التهدئة وحسابات النفوذ الإقليمي

يحمل العرض الإيراني أبعادًا سياسية تتجاوز الدعوة إلى الحوار، إذ يأتي في وقت تواجه فيه طهران والسعودية اختبارًا جديدًا لعلاقاتهما الثنائية في ظل التصعيد العسكري المتصل بالساحة اليمنية. فمن جهة، تحاول إيران تقديم نفسها طرفًا قادرًا على المساهمة في خفض التوترات وفتح قنوات اتصال بين الأطراف، ومن جهة أخرى، تظل علاقاتها بجماعة أنصار الله الحوثية أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر في حسابات الرياض الأمنية تجاه التطورات اليمنية.

وتكتسب هذه المبادرة أهمية إضافية بالنظر إلى مسار التقارب السعودي الإيراني الذي شهدته المنطقة منذ الاتفاق الذي أُعلن عنه في بكين عام 2023، وأسفر عن استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد سنوات من القطيعة. وقد أتاح ذلك الاتفاق فرصة لإعادة بناء قنوات التواصل وتخفيف بعض مظاهر التنافس الإقليمي، إلا أن التطورات الأخيرة تظهر أن استدامة التقارب تظل مرتبطة بقدرة الطرفين على التعامل مع الأزمات الأمنية التي تتداخل فيها مصالحهما المباشرة وغير المباشرة.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل الاتصال بين عراقتشي وفيصل بن فرحان قناة أولية لاحتواء التوتر ومنع انتقال الخلاف إلى مواجهة أوسع، غير أن نجاح أي وساطة إيرانية سيظل مرهونًا بمدى استعداد الأطراف المعنية لقبولها، وبقدرة طهران على توظيف علاقاتها مع الحوثيين لدعم مسار سياسي فعلي. كما يتطلب الأمر وضوحًا بشأن طبيعة الحوار المقترح والأطراف التي ستشارك فيه، لأن التوصل إلى تسوية مستدامة لا يمكن أن يتحقق من خلال تفاهمات ثنائية محدودة إذا لم تشمل القوى اليمنية المعنية بالصراع.

السعودية أمام معادلة الردع والتهدئة

تواجه الرياض معادلة معقدة بين ضرورة حماية أمنها الوطني والرد على الهجمات التي تستهدف أراضيها ومنشآتها الحيوية، وبين تجنب الانجرار إلى تصعيد عسكري طويل قد يعيد فتح جبهات متعددة ويزيد من المخاطر الأمنية والاقتصادية. فالهجمات المتكررة على المطارات والبنية التحتية المدنية تفرض تحديات مباشرة على منظومة الدفاع الجوي وعلى قدرة السلطات على ضمان سلامة السكان وحركة النقل، كما ترفع الكلفة السياسية لأي خيار يُنظر إليه باعتباره عاجزًا عن وقف الهجمات.

لكن الرد العسكري الواسع قد يؤدي بدوره إلى توسيع نطاق المواجهة وتعميق الأزمة اليمنية، خصوصًا إذا اتخذت العمليات شكل حملة ممتدة تستهدف مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين. وقد يترتب على ذلك تصاعد الهجمات المضادة وتعطيل مسارات الوساطة، فضلًا عن زيادة الأعباء الإنسانية على السكان اليمنيين الذين يعانون منذ سنوات من تداعيات الحرب وانهيار الخدمات الأساسية.

وفي هذا السياق، لا يعني الانخراط في الحوار التخلي عن متطلبات الأمن أو القبول باستمرار استهداف الأراضي السعودية، بل يمكن أن يشكل أداة موازية للردع العسكري من أجل وضع حد للهجمات وتهيئة ضمانات تحول دون تكرارها. غير أن نجاح هذا المسار يتطلب التزامات واضحة من الأطراف المعنية، وآليات متابعة تضمن احترام أي تفاهمات يتم التوصل إليها.

الأزمة اليمنية في سياق التوازنات الإقليمية

تتجاوز تداعيات التصعيد الحالي حدود العلاقات السعودية اليمنية، بالنظر إلى موقع اليمن الاستراتيجي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وقربه من أحد أهم الممرات البحرية الدولية. فأي توسع في العمليات العسكرية قد ينعكس على حركة الملاحة والتجارة الدولية، ويزيد من المخاطر المحيطة بإمدادات الطاقة وسلاسل التوريد، في وقت تواجه فيه المنطقة اضطرابات أمنية متزامنة.

كما أن استمرار المواجهة يضع القوى الإقليمية والدولية أمام تحدي احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى بؤرة إضافية للصراع. فالسعودية تسعى إلى حماية أمنها واستقرارها، فيما تحاول إيران الحفاظ على نفوذها الإقليمي وتفادي تطورات قد تفتح جبهات جديدة، بينما تظل القوى اليمنية المختلفة معنية بمستقبل الترتيبات السياسية والأمنية داخل البلاد. ويجعل هذا التشابك من التسوية اليمنية مسألة مرتبطة بتوازنات إقليمية أوسع، دون أن يلغي ضرورة مراعاة الإرادة السياسية للقوى اليمنية ومصالح السكان.

وفي هذا الإطار، يمكن أن يسهم الحوار السعودي اليمني في معالجة بعض أسباب التصعيد المباشر، إلا أن تحقيق سلام مستدام يتطلب أيضًا مسارًا سياسيًا يمنيًا أوسع يعالج الخلافات الداخلية، ويضع أسسًا لتقاسم السلطة وإعادة بناء المؤسسات وضمان وحدة البلاد وسيادتها. فالتفاهمات الإقليمية قد تهيئ الظروف المناسبة للتسوية، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة جميع جذور النزاع.

فرص الوساطة وحدودها

رغم أهمية العرض الإيراني، لا تزال الوساطة المقترحة في مرحلة أولية، إذ لم يصدر إعلان رسمي يؤكد موافقة السعودية على المبادرة أو بدء مفاوضات جديدة بموجبها. كما أن الدعوة إلى الحوار لا تعني بالضرورة أن الأطراف المعنية مستعدة لتقديم تنازلات، خصوصًا في ظل التصعيد العسكري والضغوط الداخلية التي قد تدفع نحو تبني مواقف أكثر تشددًا.

ويتمثل التحدي الأول في بناء الثقة بين الأطراف، ولا سيما في ظل الاتهامات المتبادلة واستمرار الهجمات. أما التحدي الثاني فيرتبط بتحديد نطاق الحوار، وما إذا كان سيقتصر على خفض التصعيد بين السعودية والحوثيين أم سيتحول إلى مسار أوسع يشمل مستقبل الصراع اليمني وترتيبات الأمن الإقليمي. ويبرز تحدٍ ثالث يتعلق بمدى قدرة الوساطة على توفير ضمانات عملية لوقف الهجمات ومنع تجددها، بدل الاكتفاء بتفاهمات سياسية مؤقتة.

وبالتالي، فإن القيمة الفعلية للمبادرة الإيرانية ستتوقف على نتائج الاتصالات اللاحقة ومدى ترجمة التصريحات الدبلوماسية إلى خطوات ملموسة. فنجاح الوساطة لا يقاس بمجرد الإعلان عن الاستعداد للحوار، بل بقدرتها على فتح قنوات تفاوض حقيقية، وخفض مستوى العنف، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف اللازمة لتسوية سياسية أوسع.

 

يعكس عرض عباس عراقتشي تقديم المساعدة لإطلاق حوار بين السعودية واليمن محاولة دبلوماسية لاحتواء تصعيد يهدد بتوسيع دائرة الصراع في المنطقة. ويأتي هذا التحرك في لحظة حساسة تتزايد فيها الضغوط على الرياض للرد على الهجمات التي تستهدف أراضيها، بينما تواجه طهران اختبارًا لمدى قدرتها على توظيف علاقاتها الإقليمية في دعم التهدئة.

ومع ذلك، فإن الانتقال من الدعوة إلى الحوار إلى تسوية فعلية سيظل مرتبطًا بتوافر الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية، وبالقدرة على الفصل بين الحسابات العسكرية الآنية ومتطلبات الاستقرار طويل الأمد. فالحل المستدام للأزمة اليمنية لا يمكن أن يقوم على التفاهمات الإقليمية وحدها، بل يحتاج إلى مسار سياسي شامل يحترم سيادة اليمن ويعالج جذور النزاع ويضمن أمن السعودية وسلامة المدنيين.

وفي ظل المخاطر المتزايدة التي يحملها التصعيد الحالي، تبدو الدبلوماسية فرصة ضرورية لتجنب مواجهة أوسع، لكنها تظل فرصة مشروطة بوجود خطوات عملية تترجم مبدأ أن الأمن الإقليمي لا يمكن تحقيقه بالقوة العسكرية وحدها، وإنما يحتاج إلى تسويات سياسية قابلة للاستمرار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق